فيتلك الليلة وكما في كل ليالي الأشهر الست الماضية لم تستطع النوم. تخاطفتك أفكار وذكريات وتوالت خيالات صرت تراها على الحائط المقابل وكأنك تتابع فيلماً سينمائياً من النوع السوريالي.
تجاسرت هذه المرة ووقفت على عجل وارتديت ملابسك. أين تذهب في هذا الليل المعتم. لا تدري. انطلقت إلى الشارع. همت على وجهك تبحث عن شيء لا تدركه. عن إجابة لكل حكاياتك المتعبة. واصلت سيرك. أخذتك قدماك هذه الليلة للمكان العجيب الذي لم تجرؤ على دخوله منذ شهور ست. تجرأت أكثر ودخلت. كان المنظر مخيفاً ومهيباً. عشرات المقابر تفترش الأرض بعضها مرتب وبارز وبعضها مندثر. تقدمت نحو ذلك الثرى العزيز. وأخيراً أنت في حضرة ابنك الصغير وزوجتك الحنونة. أخرجت سيجارة من جيبك وأشعلتها. حاولت إلقاء التحية. أو قول شيء ما. لكنك أحسست باختناق في صدرك. أخذت تجرع السيجارة بعمق وسرعة.
تراءت لك صورة الطائرة وهي تقصف بيتك الصغير وفي لحظات تهاوى كل شيء وصار ركاماً مفزعاً. هرعت أنت كالمجنون تحاول إزالة الركام. وجدت قطعاً بشرية. احتضنتها بين ذراعيك وأنت تبكي. يا ويلي. يا ويلي صورة طفلك الصغير بعثرت الركام. تأملت عينيه ويديه الصغيرتين. لامست في فضاءك راحتيه وقبلت وجنتيه. كم أحبك يا صغيري قلت. جلست بين القبرين وانهالت دموعك الحرى. خاطبت زوجتك: لماذا قتلوني وأبعدوك، لماذا ألقوا على رأسي ركام هذا العالم. بقيت على حالك تلك أكثر مما يحتمل. تعبت واسترخى جسدك النحيل ووجدت نفسك ممدداً بين القبرين. يدك الأولى على قبر ابنك والأخرى على قبر زوجتك.
عند إطلالة الفجر استيقظت وهممت واقفاً. ودعت عزيزيك وأخذت تعدو نحو بيتك المهدم. نظرت نحو الشمس القادمة. ابتسمت بألم وأخذت ترفع الحجارة المتناثرة. صرت تحمل حجراً كبيراً لم يخطر ببالك من قبل أنك تستطيع رفعه وبدأت تغني بصوتك الموجوع للهواء القادم من ناحية الجبل. صوت أغانيك ملأ الحي ودبت لحظتها حياة غير متوقعة جنبات الخيام المنصوبة. وما هي إلا دقائق حتى خرج ساكنو الخيام. حمل كل منهم كل أمل ممكن وأخذوا يزيلون ركام بيوتهم المهدمة ولكنهم لم يكونوا صامتين بل غنوا بوجع.
.
.
الخميس, 29 نوفمبر, 2007
امجد عطيوي
جريدة الاسبوع الادبي
العدد 904 تاريخ 24/4/2004
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









