ترجمة : فاطمة ناعوت - " افتحي فمَكِ يا لوسي"، هكذا قال أخي الأكبر "آندي"، لكنني لن أفعل. أنا خائفة، لكنني لن أفتحَ فمي مهما قال، ومهما غدا عصبيًّا. فقد أعصابه صباح أمس. واليوم، برغم عنادي، لم يكن عصبيًّا جدا. ليس بعد، على كلِّ حال. ظلَّ لبرهةٍ يؤرجح ملعقته تحت أنفي كما اعتاد أبي أن يفعل حين كنت طفلة صغيرة. لكنه حين وجدني مازلت أرفض، لم يثُر عليّ ولم يضربني. بل توقف عن أرجحة ملعقته. بعد ذلك هزَّ كتفيه استنكارًا ثم بدا حزينًا، كأنني خيّبت أمله. هزَّ رأسه وسحب الملعقة بعيدًا عن وجهي. " سوف تنصاعين لقولي يا "لوسي لوكيت"، سوف تنصاعين." لكنه مخطئٌ. لن أفعل. يواصل "آندي" إفطارَه.ولا أريد أن أراه. أنظر إلى الأشياء الأخرى بدلا من ذلك. أرقب البقع على الطاولة، موقد الطعام، الثلاجة، خزائن الأكواب بأقفالها الجديدة الضخمة. "آندي" حوّل مطبخنا إلى فوضى ولخبطة عظيمة. وفعل الشيء ذاته في كافة أرجاء المنزل، ملابسه وكتبه وأوراقه في كل مكان. الوحل على الأرضية من حذائه الطويل، صحون الأمس يُلقي بها في الحوض كما تلقى النفايات، وفي الركن جوار الباب الخلفي يمكنني رؤية جواربه المتسخة. أكره حال الفوضى تلك. حين كان أبي هنا، كنا دائما نحافظ على البيت نظيفا منظّمًا، وشديد الأناقة. أحبه هكذا. لو تركني "آندي"، سوف أقوم بتنظيف كلِّ شيء فورًا، في هذه اللحظة تحديدًا، لكنني أعلم أنه لن يسمح لي. وإذا فعلت ذلك بغير أن يقول هو، سأقع في متاعب ضخمة. الساعة تمضي ببطءٍ شديد. أحدّق فيها وأحاول أن أجعل العقارب تمشي أسرع. أريدها أن تأتي على الوقت الذي يخرج فيه "آندي" إلى العمل. الوقت الذي أصبح فيه نفسي. حين أصبح نفسي سوف أكتب في دفتر مذكراتي من جديد. أجعل عينيّ تخرجان من البؤرة وأحاول التفكير في لا شيء، لكنني لا أستطيع. أفكر في الوقت، في ساعات الحائط وساعات اليد وساعات الزمن، أفكر في كيف يمكن أن نشاهد الساعة. أبدأ في التفكير في الطعام، ثم بعد ذلك لا أستطيع التوّقف. - " اللعنة!!" يقول "آندي" ذلك فيجعلني أقفز. أنظر إليه فأرى بعض الطعام ملتصقا بذقنه مع اللعاب. وبقعة مبتلّة فوق قميصه، لا أريد أن أرى أيًّا من ذلك، فأنظر بعيدًا. أتمنى لو لم أكن جائعةً إلى ذلك الحد. أنا جائعةٌ كما لم أكن في حياتي كلها. رفعتُ كأسي وأخذت رشفةً فأصدرت معدتي جلبةً أثناء نزول الماء إلى الأسفل. يسمع "آندي"، ورغم أني لا أنظر إليه، لكن بوسعي أن أشعر بابتسامته العريضة. هو يحسب أن صريرَ معدتي يعني أنني سأفعل ما يريد. يظن أنني سرعان ما سأشاركه إفطاره – لكنني لن أفعل. رغم أني لم آكل أيَّ شيء منذ مدة طويلة، أيام وأيام، ورغم أنني أصبحت أبدو مثل هؤلاء الأطفال الأفارقة الذين نراهم في التليفزيون يتضورون جوعا، لكنني لن أشارك "آندي" إفطاره. إلى الأبد. أنا مثل ذلك الرجل البدين فوق الدراجة البخارية، الرجل الذي اعتاد أن يغني تلك الأغنية التي أحبها أبي :" بوسعي أن أفعل أيَّ شيء من أجل الحبِّ، لكنني لن أفعل ذلك." أتمنى أن يأتي وقت ذهاب "آندي" إلى العمل. أتمنى ذلك جدا جدا. *** الثلاثاء. مفكرتي الحبيبة. لم يضربني هذا الصباح، لكنه يكلم نفسه كثيرا. ليست كلمات مفهومة، لكنها الكلمات المصطنعة تلك التي يستعملها أحيانا. يفعل ذلك طوال الوقت منذ أن مات أبي، وهذا مخيف. وهو كذلك يصيح ويتوعد ويسبُّ كثيرا. يعيد التأكيد على أقفال الخزانات قبل أن يخرج للعمل.واشترى قفلا جديدًا، قفلا أكبر للثلاجة. وبينما كان يركبّه أخبرني أنني أصبحتُ جلدًا على عظم، وأنه يشعر تجاهي بقلق شديد. ثم الآن، بعد أن حبسني في غرفتي، قال الشيء الذي أرعبني جدا. وقف في الخارج وقاله بصوت عالٍ، من خلال الباب. - " تعرفين ماذا يجب عليك فعله يا "لوسي"، لن تبرحي الغرفة الآن، لن تبرحيها حتى وقت متأخر جدا" هكذا قال. كان يصفّر وهو يغادر المنزل. سمعت الشاحنة تدور ورأيته يقودها إلى أسفل الطريق. والآن، أنا وحدي. تماما. لا يزعجني أن أكون وحيدة، لكنني أكره أن أُحبس هكذا. حين أُسجن على هذا النحو أشعر أنني على وشك الجنون، حين أفكر أنني لن أعيش طويلا. عيد ميلادي الشهر القادم، لكن إذا لم أخرج من هذه الغرفة بشكل أو بآخر، وإذا لم أجد شيئا آكله، أعتقد أنني لن أصل السادسة عشر. السادسة عشر. - " ترقّبي يا "لوسي لوكيت" ، هكذا يقول "آندي" أحيانا. "السادسة عشر على الأبواب." سوف يلمسني حين يقول ذلك، كم أكره أن يمسَّني. - "سن الرشد، قريبا جدا،" يقول هذا ثم يضحك ضحكته الكريهة. أعتقد أنني ربما لا أودُّ أن أصل السادسة عشر. أظنني لا أريد أن أصل السن القانونية. الأربعاء. يومياتي الحبيبة. أمس كان يوما جميلا. يوما مهمًّا. وجدتها ! وجدت طريقة الخروج من غرفتي. ما فعلته هو التالي: انتظرتُ حتى خرج "آندي"، تسلقتُ خارج النافذة، وضعت أصابعي في الفجوات بين قوالب الطوب. تحركت بمحاذاة الحافة حتى الماسورة الضخمة في زاوية البيت. كان شيئا خطرا لأن غرفتي مرتفعة جدا، تألمت أصابعي جدا، وكدت أسقط مرتين، لكن كان لابد أن أفعل ذلك. بمجرد وصولي إلى الماسورة كان من السهل أن أهبط للأسفل. ذهبت مباشرةً إلى شجرة التفاح الكبيرة وأكلت ثلاث تفاحات. كنت أرغب في المزيد لكنني أرغمت نفسي على التوقف بعد الثالثة مخافة أن أُصاب بالإعياء. بعدها ذهبت للنظر داخل السقيفة. الأغراض التي أردت كانت ما تزال هناك. الحبلُ كان مخبأً وراء بعض الصناديق، لذلك لن يلحظ "آندي" غيابه إلا إذا احتاجه، وهذا احتمالٌ ضعيف. لم آخذ كل صندوق السم قاتل الأعشاب الضارة. لكنني أفرغت بعضا من محتوياته في منديلي وحسب، ثم ربطته في حزامي. كنت مرتعبة من فكرة أن يعود "آندي" مبكرا ويمسك بي، لذلك خبأت تفاحتين أخريين في جيبي، ربطت الحبل في كاحلي، وتسلقت عائدةً إلى غرفتي. كدت أسقط مرةً أخرى، لكنني لم أسقط، والآن والحبلُ لديّ، بوسعي الخروج والدخول وقتما أشاء. خبأتُ الحبل والسمَّ تحت إحدى بلاطات الأرضية المفكوكة. لو اكتشف الذي أفعله سيقتلني. *** الخميس. يومياتي العزيزة. اليوم على الإفطار كنت خائفة حقًّا أن يلحظ "آندي" الاختلاف. فكرت أنه ربما يوجد مذاقٌ لاذعُ أو شيء من هذا القبيل. راقبته جيدًا – كان مسرورا لأنني أراقبه – لكن يبدو أنه لم يلاحظ شيئًا. أظن أن خُطّتي تنجح. وأنا أشاهد "آندي" يأكل هذا اليوم، تذكرت الصباح الأول الذي رأيته فيه يأكل ملعقته الأولى من جسد والدِنا. بدا ذلك منذ أمد بعيد. كأنه شهر أو يزيد – يجب أن أبدأ في إبقائك على مقربة مني يا مذكراتي. كان ذاك اليوم مشمسًا، ليس مطيرًا مثل الآن، أتذكّر حين نزلت من أجل الإفطار، بينما "آندي" جالسٌ بالفعل على السفرة. بدا وكأنه ينتظرني. وكان متوترًا. - "اليوم، هذا هو اليوم يا لوسي الصغيرة،" قال هذا وأجلسني بجانبه. ثم جعلني أشاهده وقد شرع في أكل أبي. كان يتحدث عن اشتغاله على الأمر لأسابيع، منذ ذلك اليوم الذي أحضرنا فيه جرّة رماد الوالد من محرقة الجثث. أمطرت في ذلك اليوم أيضًا، وصرختُ طويلا. وضعنا الجرّة على رفٍّ عالٍ في المطبخ، وبعدها أقام "آندي" احتفالا صغيرا بالشموع وغيرها. كان يتظاهر بأنه يقرأ مادةً في كتاب، مادةً بلغة مضحكة، غير إني أعتقد أنه اختلق اللغة. مراسم الحفل كلها كانت فكرته هو. بدأتْ على ما يرام لكن سرعان ما غدت بشعة. لم أرد أن أشارك، لكنه أرغمني، وبعد ذلك كان عليّ الذهاب إلى التواليت للتقيؤ. وحين دخلت فراشي في الليل، أتى إليّ وأخبرني ماذا ينوي أن يفعل. ماذا سيفعل بأبي. أخبرني بالخُطَّة. -" إنها مادةٌ مهمة يا لوسي،" قال. "إنه الشيء الذي فعله الناس في العصور القديمة، قبل المسيح وقبل كلِّ شيء. حين كانوا يعيشون في الكهوف ويصطادون الحيوانات المتوحشة بالرماح. إن ذلك يعطيك القوة. يحولّك إلى كائنٍ خاص متميز." بعد ذلك وبعد أن أنهى عبثه معي، قال:" أريدكِ أن تكوني شخصًا مميزا أيضًا يا لوسي." في البدء، كنت أظن الأمر كلّه مجرد كلام. أنتِ تعرفين يا مذكراتي. فأنا غبيّة. أسيء فهم الأمور أحيانا. لكنك تعرفين "آندي" أيضًا، تعرفين كيف يكون. يمكنك أن تدركي كيف وقعتُ في غلطة كتلك. "آندي" يتكلم كثيرا. وُلدَ تحت فألٍ سيء، أبي اعتاد أن يقول إنه ملعونٌ بلسان أنشط مما ينبغي. يقرأ تلك الكتب، يكوّن تلك الأفكار، ثم يتكلم ويتكلم ويتكلم حتى تضطر إلى الخروج من البيت لتأخذ نزهتك المفضلة على النهر وتطعم البطَّ وما شابه. لأنك لو لم تفعل، فمن المحتمل جدا أن ترتكبَ شيئًا شريرا. ربما تأخذ سكين التقطيع الحادّة من دُرْج المطبخ وتطعنه في قلبه، ربما تقتله. أعرف أنني يجب ألا أفكر بهذه الطريقة، أعلم أن ذلك خطأ، لكنه اعتاد أن يثير أعصابي حدَّ الجنون. الجنون بالفعل. والآن الأمر أسوأ، أسوأ بكثير لأن أبي رحل ولم يعد لديّ أي شخص أكلمه، حين تهاجمني المشاعر الشريرة، سواكِ. كنا نتكلم، أبي وأنا. كان يأخذني لإطعام البطِّ أحيانا، وكان يحكي لي قصصا عن أمي، ويخبرني ألا أدعَ "آندي" يدخل تحت جلدي. كان يمسك يدي بلطفٍ، ليس مثل "آندي"، ينظر في عينيّ ويبتسم. كان الحال أفضل كثيرا حين كان أبي حولنا. لأنه يعرف كيف يُعمِل الكوابح وكيف يجعل الأمور أكثر بطأً. الأفكار والأحاديث كانت متباينة بشدة عن خطط "آندي" حين كان أبي هنا. لكنه رحل الآن، ولم يعد هناك من يضع الكوابح في وجه "آندي". فقط أنا. *** الجمعة. مذكراتي الحبيبة. "آندي" في التواليت. وأنا محبوسة في غرفتي، لكن بوسعي سماع لغطه. آمل أن يخرج اليوم للعمل. حلمتُ حلمًا سيئًا عن أبي الليلة الماضية. حلمتُ أنني عدت إلى البيت من المدرسة ووجدته ميتًّا عند قاع السُّلَّم، عنقه مثنيٌّ ورأسه ملتوٍ تماما. "آندي" كان يجلس على الدرّج ينظر بفزع، وبعدها صحوت وتذكّرت أنه لم يكن حُلمًا. هذا حدث. صرختُ طويلا. بكيت نهرًا كاملا. أتذكّرُ كيف جعلني "آندي" أجلس معه على الدرج وأنظر إلى الأسفل حيث أبي، وكيف كان يفتعّلُ ضجيجا مضحكًا، وكيف أنه لم يبكِ. ربما لم يبك لأن أبي كان يضربه أحيانا. ربما كان ذلك هو السبب. لا أدري. بعد برهة راح إلى الهاتف وكلّم بعض الناس. أتذكّر كيف جاءت سيارة الإسعاف وأخذت أبي. " وضع "آندي" ذراعيه حولي وأمسكني لمدة طويلة. ربما ساعة. "لوسي، لم يعد هناك غيرك وغيري الآن." قال ذلك. وكان على حق، لأن أحدًا لم يأت لزيارتنا بعد ذلك. كنت أحب أن أسكن على بعد أميال من أي مكان قبل أن يموت أبي، قبل أن ينزع "آندي" الهاتف. أكره ذلك الآن. الأشياء أصبحت عبثية منذ ذلك الحين. ليست عبثية بمعنى ها-ها، بل شاذة العبث. لا أظن أن "آندي" افتقد أبي، ولو قليلا، لكنني أفتقده. أفتقده بشدة. أبي الآن مجرد حفنة رماد في جرّة، وإذا أخفقتْ خُطّتي سيستمر "آندي" في التهامه كل يوم، ملء ملعقة كل صباح. ويومًا ما سيفنى أبي تماما. سوف يغدو مجرد جرّة فارغة فوق رفِّ المطبخ. ذهب آندي إلى العمل. شاهدته يمشي صوب الشاحنة. لم يكن على ما يرام. *** السبت. يومياتي الحبيبة. هذا الصباح نزلت للإفطار وكان "آندي" جالسًا هناك على طاولة المطبخ. بدا مريضًا جدًّا ومعتوهًا جدًّا. أشفقتُ عليه تقريبا. - " لوسي الصغيرة." همسَ. "لوسي لوكيت الصغيرة." كنت أحب أن يناديني هكذا. جلست على الطاولة. كان انتهى من إعداد مكونات صحنه الخاص من "الكورن فليكس" ، السكر، زجاجة الحليب – لكنه لم يملك القوة لفتح غطاء جرّة أبي. ساعدته بأن فتحتها من أجله. نظر إليّ وتدلّى فكّه مفتوحًا. - " هل تشاركينني ؟" سأل. - " لا،" أجبته. " لكنني لا أمانع أن أساعدك." بدا سعيدا إلى حدٍّ ما. وكان لابد أن أوقف نفسي من الشعور بالتعاطف معه. أغمد "آندي" ملعقته في جرّة أبي، وقتها بدأت كل ذرّة من طاقته تتلاشى، لدرجة أنه لم يستطع إخراج الملعقة ثانيةً. راح يبكي. - " أنا آسف أني حبستك في غرفتك،" قال. "أنا آسف على الكثير من الأشياء يا لوسي. ساعديني أكثر من فضلك." مددت يدي، جذبت الملعقة ورششت خليطَ رماد أبي وسمِّ الأعشاب فوق صحن "الكورن فليكس". ثم أضفت السكر واللبن. ابتسم لي "آندي" بامتنان.
أشعلتُ النار في الموقد. وتغشت الشبابيك بالدموع لبرهة قصيرة ثم مالبثت أن جفّت. واختفت من داري القديمة التي أتمت القرن رطوبة ماقبل الخريف. في المطبخ دلوان مليئان بماء النهر النقي، وقد أفرغت كيس مؤونتي من محتوياته، وأزلت الأوراق التي لا لزوم لها عن الطاولة، وفصلت جهاز الهاتف، وتركت البوابة مفتوحة. فليأتِ من يريد أن يزورني على الرحب والسعة. ولكنني أعرف أن أحداً لن يأتي دون دعوة.
لدي هنا كل مايلزم للعمل الجدي؛ فأنا وحيد، وليس ثمة مايشغلني، وأنعم بالدفء، وقد دسست قدميّ داخل خفّين من اللباد الطري الدافئ. والأهم أن ليس ثمة مايدعوني إلى الاستعجال. وهاهي تتنامى في داخلي حالة الاستثارة البهيجة التي تسبق دائماً العمل الميسّر المثمر. في هذه اللحظة بالذات أكتشف بهلع أنني قد تركتُ نظارتي في المدينة.. يا إلهي، ما العمل؟....
ياللأسى!.. انتابني شعور بالنزق كطفل مدلل كانوا قد وعدوه بشراء دمية غالية ثم نسوا.
ركضتُ بلهفة يائسة إلى غرفة أمي: كنتُ قد لمحتُ مرة في سلة الإبر والكشاتبين والأزرار النظارة القديمة التي تستعملها أنفيسا إيفانوفنا- أمي هي الوحيدة التي كانت تنجدني دائماً (الآخرون كانوا ينجدونني أيضاً، ولكن ليس دائماً).
ياللأسف!.. في هذه المرة حتى هي لم تنجدني. فنظّارة أمي كانت جد ضيّقة وضعيفة، لاتزيد درجتها، على الأرجح، عن "زائد واحد ونصف". كم رجتني أن أصطحبها إلى القرية. كانت تقول لي: خذني معك، فهناك سأتحسن كثيراً، وسأبدأ بالمشي وحدي دون مساعدة. كانت ترجوني وكأنها تمزح، فقد كانت تعرف سلفاً أنها لن تذهب. أما أختاي فلا هذه ولا تلك كان بإمكانها أن تذهب معنا وهما تريان الشتاء على الأبواب. ولذا جئت وحدي.
ولكن أي وضع سخيف هذا!. ليس ثمة نظارة، وقلمك يسقط منك على العشب ويضيع، ولا يبقى باستطاعتك أن تفعل شيئاً، وتصبح عاجزاً كالمُقعد، لا قراءة، ولا كتابة... أشعر كيف يتنامى فيّ الغيظ. بدأتْ تتسلل من جميع زوايا بيتنا القديم لا مبالاة كئيبة. أحقاً لم يبقَ لي سوى أن أعيد وصل الهاتف والمذياع والتلفاز، هذه القبور المجصصة،هذه الصناديق الإعلامية اللجوج التي لا تكف طوال الليل عن إسداء النصائح؟!.
نظرت باكتئاب من النافذة إلى وحول آب التي تغطي الطريق، وكأنني آمل حدوث معجزة ما. عبر شارع قريتنا التي تحتضر تلوح أشجار غبيراء جارنا المثقلة بالعناقيد المكتنزة.
ما أكثر هذه الثمار!.. إنك لتشعر من بعيد بثقل العناقيد التي تحني الأغصان وتشدها نحو الأرض. ويخيل إليك أن الشجرة تنتظر بتوتر أغصانها الصبور اللحظة التي سيغير فيها أخيراً سرب من الشحارير الرمادية الجائعة وينهب خلال خمس دقائق كل هذه الثروة الزاهية. شاهدت مرة كيف قضت الشحارير في غارة واحدة على غبيراء حديقتنا. كانت تنقر الثمار بنهم متعجل، وبعضها كان يتعلق بالأغصان ورأسه إلى الأسفل، ومع ذلك لا يكف عن النقر. ولكن لِمَ تحمل بعض أشجار الغبيراء ثماراً برتقالية والأخرى حمراء. الانزعاج النفسي لا يسمح لي بالتفكير في هذا، ولا الإحساس بالفرق اللوني، بل إنني أغضب على ذاتي لأنني أسمح لنفسي بالتفكير. وهذا هو حالي أياً كان ما أفعله. ولكن ما أشد هذا الهدوء وهذه الوحشة. إلاّ أنني مازلت أتماسك وأحجم عن تشغيل أي شيء. وهاهي ذي التقنية المعاصرة اللعينة تجثم حتى تحت الطاولة! البيك آب بلونه الأحمر ينرفزني، يثير حنقي، كراية حمراء أمام ثور هائج. ودون تبصّرٍ، دون تروٍّ أدس القابس في المأخذ... الأسطوانة المغبرة المتروكة منذ الربيع على القرص تبدأ بالدوران. وأيضاً بلا تبصّر بالعواقب أنزل ذراع الإبرة. وتملأ الأنغام الفضاء المؤطر بالجدران. أقاوم، ولكن الأنغام تنفذ ككائنات حية.
"فصول السنة" بأداء الكسي تشيركاسوف. طبعاً هذا هو تشايكوفسكي الذي صدح في الدار ربيعاً وفي موسم حصاد الحشائش! الموسيقا تغمرني كما الدفء. أغمض عيني مستنداً إلى جدار الموقد، أصغي وكأنني أغفو، فالنوم لا يفترض الاستلقاء بالضرورة.... الخيول والفيلة تنام أيضاً وهي واقفة. "لا تفكر كثيراً -قال لي مرة جاري صاحب الأشجار الغبيراء التي تلوح من خلف النافذة- دع الحصان يفكر، فرأسه كبير".
وأنا الآن فعلاً لا أفكر، إنني أصغي إلى "الأغنية الخريفية.".
عيناي جافتان، لكنني أبكي.. إنني أتذكر الطفولة، وماكان قبل نصف قرن. لم يختف شيء. لم يمت شيء، وحتى بيريوزكا- بقرتنا الصغيرة المكسورة القرنين، بيريوزكا التي كنا ننتفع بها مناصفة مع جيراننا، وعندما شاءت الظروف أن ينتقل الانتفاع بها كلها إلينا غدت الضرائب فوق طاقتنا. وتروي أمي كيف قادت بيريوزكا إلى مركز تموين اللحوم الذي يقع على مسافة 40 فرسخاً عند محطة بوندوغا على طريق السكة الحديدية الشمالية. ففيما كانت تمسك برسن البقرة وتقودها عبر الأحراج والقرى، كانت دموع بيريوزكا لا تكف عن السيلان على خديها طوال الطريق.
لو روى لي هذا أي شخص آخر غير أمي لما صدقته. أعرف أن أمي موشكة على الرحيل. وهي أيضاً تعرف هذا، وتحاول أن تجعل منه موضوعاً للمزاح، ولكنني دائماً أقاطعها بعصبية وأقول لها: "ماما، إن جميع أترابي في القرية ماتوا من زمان... وصديقيّ روبتسوف وشوكسين ماتا أيضاً. روبتسوف كان أصغر مني. كلنا متساوون أمام هذا الأمر -شباباً وشيوخاً. لذلك لا تتحدثي بعد الآن عن الموت..."- "لن أتحدث، لن أتحدث". ولكن لا يمر يوم أويومان حتى تعود إلى المزاح من جديد: "الحمد لله، بدأت قدماي بالتورم. هذا يعني أنني لن أعيش طويلاً".
ذاكرتها حادة، وكالسابق لا ترحم، أما طيبة قلبها نحو الأبناء والأحفاد وأبناء الأحفاد فقد غدت أشد رسوخاً ورحابة. إنها تذكر كل شيء،.وذهنها ليس أضعف من ذهني البتة، ولكن موتها وشيك. كلانا يعرف هذا، أنا وهي، ولكنني أحاول جهدي ألاّ أفكر فيه. إشفاق لا حدود له يجتاح كياني.
اليأس يتسلل من جميع زوايا بيتنا الخشبي، لأن كل شيء في هذا المسكن له صلة بأمي. بأي حنين كانت ترنو إلي مساء أمس، عندما كنت أستعد للسفر إلى القرية، تاركاً إياها في المدينة! "خذني معك!". لم أتح لها الفرصة للحديث عن الموت، كنت أنفجر غاضباً، أو أنبري أبرهن لها على أن كل هذا ليس من شأننا. ولكنها تعرف أنه لم يبق لها في هذه الدنيا إلا القليل جداً،وأنا أيضاً أعرف، وأختبئ من هذه المعرفة، كالطفل الذي يغمض عينيه عندما يلعب "الطميّمة". في وقت ماكنت أتمنى أن أموت قبلها... إلى هذا الحد كانت حتميةُ موتِها مقيتة. ثم أدركت فيما بعد، وبفضل أمي نفسها، أن أمنية رحيلي قبلها كيلا أعاني هول الفقدان- هي أيضاً إثم، وهي قمة الأنانية، إنها قريبة من جريمة الانتحار.
كل هذا صحيح، ولكن يالهذه الوحشة!... أن يكون ذهنك بكامل صفائه، وذاكرتك بملء قوتها، وروحك لا تعاني من أي تعب، وتشعر كيف يدنو منك بإصرار سر العدم الدنيوي، وأن مايفصلك عن هذا السر لم يعد سنوات، بل بضعة أسابيع، وربما بضعة أيام لا أكثر.
بمثل هذا الشعور بالضبط بقيت هي في المدينة، وعدت أنا إلى القرية من جديد، وها أنا الآن أتمتع هنا بدفء الموقد والسكون الأليف. ما العمل؟ كنت أتيت بها إلى هنا لو كانت الطريق إسفلتية؛ لو لم يكن "الإسعاف" على بعد ستين كيلو متراً عن المنزل، لو كان... إيه! قريباً، قريباً سينتهي بالنسبة إليها كل شيء... على الجدار فوق منضدتي صورة ضوئية للوحة الفنان فولكوف: بوشكين يغالب الألم وينهض عن الثلج بصعوبة ليسدد نحو المحتال الدولي المتنكر بزي ضابط حرس روسي. موسوعة بينتر الموجزة لا تسمي دانتس ضابطاً -بل تسميه دبلوماسياً.
الكسندر سيرغييفتش بوشكين سيموت؛ لم يتبق له في هذه الدنيا سوى وقت جد قصير. العربة تنتظر، والشاهدان تسمّرا صامتين، وبوشكين يصوب إلى عدو وطنه. أنا ولدت بعد خمس وتسعين سنة. لقد مر قرن إلاّ قليلاً على ذلك الشتاء البطر سبورغي- ولكن لماذا تراني أبكي الآن؟ بلا دموع أبكي، ضاغطاً بأسناني القليلة المتبقية، أبكي على أمي وعلى بوشكين.
ألا يجوز أن يكون السبب، ببساطة، هو أنك تشيخ وتغدو عاطفياً وسريع البكاء؟ يجوز... كل شيء جائز أيها السادة الديمقراطيون!.
في الساعة العشرين من كل يوم، وفي كل من موسكو وفولوغدا، يأتي سمير دياكوف إلى بيتي، وينهمك هذا السمج الممل، محملقاً بعينيه الخاليتين من الحياة، في الإيحاء إلي بدأب ورتابة أنني أعيش في بلد شديد البؤس والقذارة. وفيما هو يحلل أحداث النهار يبصق في وجهي عدة مرات. من أين يعرف أنني لن أنتزع البندقية المعلقة على الجدار، وأركض إلى محطة القطار، لأنفق آخر ماتبقى معي من نقود على شراء تذكرة إلى "بريد نيستروفييه"؟
إنه واثق من أنني لن أفعل هذا أبداً. ياللخنزير... الشيطان الذي يتنبأ بتصرفاتي يعتمد على جهازه الإلكتروني-الشعاعي دون أن يخطر بباله البتة أنه يرتكب خطأ، وأن صبري لم يتبق منه سوى بعض ثمالة. أجل، إنني أتمالك نفسي عن الإمساك به من ياقته. مرة أخرى أؤجل سفري إلى تيراسبول. مرة أخرى أغسل البصقات النتنة بالمطر المتلألئ عبر أشعة الشمس في بلدي فولوغدا.
رأيت نفسي في الحلم شيخاً منذ زمن بعيد
جافاً وطرياً كدخان الخريف
لا يعرف الألم ولا المعاناة.
أبيات لي يقولها عفريت الغابة في الجزء الثاني من حكاية "الشيخ الخالد"، وقد ظلت مبتورة هكذا دون تتمة. فمنذ نحو عشر سنين، وعندما كنتُ أقرأ دون الاستعانة بنظارة، استبدت بي رغبة قوية في أن أكتب الجزء الثاني، ولكن أحد أصدقائي من الذين ارتحلوا استقبل حكايتي آنذاك بفتور. فأجّلت العمل.
إلا أن اهتمامي بالشخصية الوثنية لم يندثر. أم أنه خُيّل إلي مجرد تخيل أن يوري سيليزنيوف استقبل حكايتي بفتور؟ هذا أيضاً جائز. ولكن، على أية حال، لم يقيض للجزء الثاني أن يرى النور.
وقد فات الوقت. وها أنا الآن رهين الـ.... كيف يسمونه؟ -الديوبتر . إنني أصغي إلى النغمات العبقرية الخالدة التي تنفذ إلى الأعماق. إنها تحملك على الاعتقاد بأن لا فرق بين الأحياء والأموات.
الروح لا تموت لأنها فريدة لا شبيه لها. "الأغنية الخريفية" لا شبيه لها. أليست هذه روح تشايكوفسكي تحوم في داري؟ ربما كان هذا تجديفاً.... ولكن عندما أكون وحيداً لا أشعر بفرق بين أصدقائي الأموات والأحياء الذين يعيشون في أماكن مختلفة. فجميعهم بالنسبة لي أحياء، كما هي حية روح بيوتر ايليتش تشايكوفسكي. "أغنيته الخريفية" تصدح، وأنا أتشمم رائحة الفطر المنبعثة من السلّة التي تصرّ من الثقل، وترتعش من رطوبة الغابة أوراق البتولا والحور المحتضرة، إنني أحس بكل مايجري وراء البوابة.
"الآن سأنتعل جزمتي وأخرج إلى الحقل الخريفي -أقول لنفسي فيما أنا أنقل ذراع إبرة البيك آب إلى مكان حصاد الحشائش- أو... لا، فلأسمع كل شيء من البداية".
ولكن أين هي... هذه البداية؟ كيف يمكنني أن أعتبر ولادتي أنا، مثلاً، بداية كل شيء؟ فقبلي بمدة طويلة كان يتدفأ قرب الموقد أبي وأمي وجدّاي وجدّتاي وآباؤهم الأربعة وأمهاتهم الأربع: "أربعة عشر (أنا الخامس عشر)، ولكل منهم أيضاً أجداده وآباؤهم. ولجميعهم كانت تتواثب في الأمسيات الجميرات المتقدة في حضن الموقد. وكل منهم كان يسمع القصف الصقيعي خلف الجدار الدافئ. لا بداية هنا ولا نهاية، كما ليس من بداية ولا نهاية للعمق السماوي الأسود اللانهائي المنتشر بين نجوم الليل. لقد كانت الأنوال تطقطق في الدور، ورؤوس البصل الحلوة تشوى على جمر المساء كما كانت تشوى من أجلي. وتُصنع من شظايا الخشب صلبان صغيرة كتلك تماماً، وتُنسج الحكايا على شفاه الأجداد كما كان جد أمي ميخائيل غريغوريتش يحكي لي في وقت ما حكاية الطيهوج. يتراءى لي الآن الشَبَه المراوغ بينه وبين تشايكوفسكي، ولكنني لا أفلح بحال من الأحوال في أن ألتقط هذا الشبه وأعبر عنه. فما الذي يوحّد بين الجمرات الحمر في هذا المضجع الدافئ المبني في خاصرة الموقد القروي الضخم، وتلك النار المضطرمة في الموقد البطرسبورغي التي كان يرنو إليها معاصرُ جدي العظيم وهو مستغرق في التفكير؟ أوه، هنا كل شيء مُوّحد، مع أن بعضه لايشبه بعضاً! طبعاً، لا في الشقة البطرسبورغية، ولا في منزل الفون "ميك"، النيّر في ضواحي موسكو. كانت الجدران تُصدر في الصقيع أصواتاً كطلقات من بنادق موسينية من العيار الثلاثي ، ولا الطباخون كانوا يسمون البطاطا العادية تفاحاً، إذاً لِمَ أسمعُ الآن رنين جرس جدي المصنوع في فالداي؟ إن وقع السنابل الإيقاعي المنشّط على أحجار الطريق الزلقة، وقهقهة الجمهور المرح الذي يحتفل بعيد المرافع، والتزلج على الجذوع المرققة التي كانت أمي تتحدث عنها كثيراً - إن كل هذا قد تجسد في أشكال جديدة وحلّ دون أي نقصان في هذه الأنغام الخالدة. يغدو من الواضح الآن أنْ لاشيء يذهب دون أثر، ولا شيء يتلاشى، ولا شيء يوجد عبثاً. في حلقي تلين الغصة، ثم تزول مرارة الكرب، ومن جديد أسمع في اليقظة هسيس الثلج الصباحي الذي تجمد خلال الليل، وتبهر بصري الأشعة الذهبية الباكرة التي تنعكس عليه. البرد يسوطنا جميعاً، ونحن جائعون منذ الصباح، ولكننا نركض فوق قشرة الثلج المتجمدة إلى المدرسة، كم نجد من البهجة والجذل في تقصير الطريق الصباحية باجتياز المسافة على خط مستقيم عبر الحقل والغيضة مُجفِّلين طيور الطيهوج المتهيجة التي اجتمعت هنا للتزاوج. وننهمك في فحص كومة الحشيش التي طار منها كما بجناحين ثعلب أحمر أبيض الصدر. أليس هو الذي كان يسعى في المدينة لاستصدار أمر يحظّر على الطياهج الجثوم على الشجر كي تظل "تتجول في المروج الخضراء"؟
لا تزال أمامنا نحن الجذلين والجائعين، مسافة طويلة للوصول إلى المروج الخضراء، وها نحن نرى زرزوراً أسود جاثماً على بقعة قد ذاب عنها الثلج، وهو ليس الأول، إلاّ أننا نرى أول زهرة لبن ثلجية قد نقرت الثلج وأطلت باندهاش على العالم الأبيض. وفيما أنا أصغي إلى الموسيقا أحس بضعف الطفولة في هذا المخلوق الأخضر الصغير. ولكن ما أعظم قوة الحياة الأبدية الجبارة التي لا تقهر!.. البرد الثلجي الأبيض الذي يبهر البصر يسيطر في كل مكان، ومع ذلك فقد أفلح فارسنا الصغير في ضرب أطناب خيمته. أينما نظرت حواليك لن ترى سوى طبقات الثلج التي حجّرها الصقيع. ولكن هنا، على بقعة أرض صغيرة، بعيداً عن أنفاس القطب، على الحافة الشفافة، يذوب الدرع الجليدي ويسيل قطرة قطرة متراجعاً عن البقعة العارية؛ ويفلح فارسنا الطفل- زهرة اللبن البرية في اغتنام الفرصة، فيشق الأرض ويسارع إلى نشر تويجاته.
"الحياة أقوى من الموت"- تندفع هذه العبارة المبتذلة إلى الصفحة البيضاء، وأتراجع أنا وأسمح لها بالوصول، على الرغم من أنني أعلم أن الموازنة بين مفهومي الحياة والموت غير جائزة. فالموت ليس سوى جزء من الحياة، إذاً لِمَ أستسلم للإغواء وأساوي في الحقوق بين الكل والجزء؟ فلأشطب العبارة وانتهى الأمر!.. "ولكنها كتبتْ وأصبحت لها حياتها المستقلة عنك -يخنّ صوت من جانب- هل من العدل أن تحارب مايعيش مستقلاً عنك؟ ثم إن العبارة، كما أرجح، ليست لك، إنها مستعارة". مكار... هذا الصوت الذي يأتي من جانب، دائماً يخرجك عن الإيقاع، يجعلك اثنين، يوسّع وعيك. يفرّق ويسود.
"الروح خالدة"- أواسي نفسي، ولكن الشكوك تساورني من جديد. القلب يصبو إلى التجسيد المادي لهذا الخلود، وأنا لا أستطيع بحال من الأحوال أن أستكين. لا، أنا لا أقصد موتي الشخصي (لا أدري لِمَ أفكر فيه بهدوء تام)، بل أقصد موت أمي الوشيك جداً، أو موت أصدقائي الذي وقع. لا أستطيع تقبل الموت وفهمه، إنني أحتج! وحتى هلاك كلب الجار الذي يطلقون عليه النار ليصنعوا من فروته قبعة شتوية ويسكرون بثمنها على الفور يثير الانزعاج في النفس. فماذا يمكن أن أقول من موت ياشين وشوكشين وسيليزنيوف وروبتسوف وبيريدرييف؟ حتى الآن لا أستطيع أن أرغم نفسي على الجلوس وكتابة ذكرياتي عنهم؛ لا أنفك أتهرب، أبحث عن وسائل جديدة للتصالح مع الواقع اللئيم.
هاقد برزت في ذهني الآن فكرة دنيئة: ليس من فرق بين أصدقائك الراحلين، والأحياء الذين يعيشون بعيداً عنك. وأي فرق بين أن تسمع من آلة تسجيل صوت صديق راحل منذ وقت بعيد وأن تسمع صوت صديق حي ينبعث من سماعة الهاتف؟ ياللشيطان... وسوسة خاطفة ولكنها غير بريئة البتة. إنني أشعر بالخجل. أتناول سترتي السميكة وقبعة الفرو وألف قدميّ كيفما كان بقطع من القماش، وأنتعل جزمة عسكرية من القماش المقوى، وأوقف تشايكوفسكي عند "نيسان" وأخرج من البيت.
في الشارع آب، وفي أذنيّ لا تزال تخرخر قبرة نيسان تشايكوفسكي. لم تطر بعيداً، مع أنك، فيما يبدو، لم تكن تصغي إليها في برهة التأملات الحزينة. يقولون إن صوت القبرة المرح لم يعد يُسمع في ضواحي موسكو منذ عدة سنوات. معنى هذا أن تشايكوفسكي والكسي تشيركاسوف أنقذا روح طائر الحقول الروسية الصغير، وخلّداه في هذه الأيام المدهشة. القبرة التي اختفت من الحياة ظلت، كعندليب اليابييف، ترفرف وتشدو في سماء الفن العالية الخالدة. وتشايكوفسكي قد خلد العندليب أيضاً على ما أظن... ولكن من الذي يصطاد مغنّي الحقول والغابات ويخنقهم، وكيف يعمل هذا؟ في نواحينا لا يزال هؤلاء المغنون يعيشون في بعض الأماكن، ولا يزال بالإمكان سماعهم في الربيع. أي احتفاء بالحياة وأية بهجة تسمع في تغريد القبرة المتقطع اللاهث عندما تصعد إلى السماء مع أغنيتها هبةً بعد هبّةٍ في طيران عمودي، وكأنها ترتقي سلّماً ما. ربما لن أسمع في الربيع أصوات قبراتنا الفولوغودسكية، فأفخاخ التقدم الفولاذية قادرة على أن تسحق لا هؤلاء المغنّين فقط، الذين لا يجدون من يحميهم.. أما ماهو التقدم، فإنني أزداد معرفة به هنا أيضاً عند كل خطوة...
الليلة الخريفية تسافر على عربة تجرها سبعة أحصنة، وقد هبت عاصفة رعدية ليلاً، أعرف أنها العاصفة الأخيرة هذه السنة، وكان ينبغي أن أرتدي ملابسي وأخرج من البيت، ولكنني تكاسلت. بل إنني لم أستيقظ أصلاً. سمعت فقط وأنا نائم دمدمة الرعد، ولم تكن قوية، كانت كأنها مكتومة. وربما كان هذا حلماً لا أكثر؟! لا.. العاصفة دوّت فعلاً، كانت تزمجر لا من الأعلى، بل من الجوانب، كالجرارات التي تعدو قرب البيت، وغالباً في الليل، لا أدري لماذا! وكلما ازدادت شفقتي على سائقيها المخمورين، ازدادوا هم مقاومة ورفضاً لهذه الشفقة. إنني لست بقادر على أن أفخر بأبناء منطقتي إذا كانوا من أمثال ذاك الشاب الأحمق النكرة الذي كان آتياً أمس من القرية الرئيسية، وفي الطريق أوقف جراره قرب قرية تيمونيخا، وجمع أحجاراً من الحقل، وشن هجوماً على طائر كبير غريب، لا يدري أحد من أين جاء وحط هنا.
كان الطائر الضخم يقف ساكناً على كومة عالية من قش السنة الماضية، وقد خفت أن أجفله، وركضت إلى البيت لأجلب المنظار المكبر، لم يسبق قط أن حط طائر مثل هذا في الحقل خلف داري! ربما كان بلشوناً أو لقلقاً جاء إلينا من ضفاف نهر ديسنا المسممة يبحث عن أرض آمنة. من شدة اضطرابي لم أتمكن من إنعام النظر في ألوان الطائر وحفظها في الذاكرة. واليوم لم أجد رغبة في أخذ المنظار، فالطائر طبعاً غادر كومة القش منذ وقت طويل، إلى أين طار ياتُرى؟ وهل مازال حياً؟ البط أيضاً ساذج ويولي ثقته بسهولة إلى درجة أنه في الربيع يغطس ويطبطب الماء بجناحيه في البرك القريبة من الطرقات. صحيح أن البنادق عندنا لا توجد في كل بيت كما في كاراباخ، ولكن لا تزال ثمة بنادق، لا تزال! وهناك ذخيرة أيضاً. وليت أحد الاثنين غير موجود: إما البط أو الذخيرة. "هذا ليس في حدود سلطتك -يقول لي محرّضي الداخلي- فلِمَ تشعر بالانزعاج!".
أحاول ألا أصغي إليه.. "أنا لا أريد أن أنقسم إلى اثنين!- أصيح صامتاً في وجه ذاتي-لا أريد... ولذا فإنني لن أفكر في الذخيرة والبط". أعود من الحقل إلى القرية، أخلع الجزمة على الدرج. أدخل الدار وأضع إبرة البيك آب على الليلة الحزيرانية البيضاء، وتغشى هذه الليلة داري الخشبية الدافئة، وتغمرها بنورها الشمالي الصيفي الأبيض الساجي، وتنسفح على جميع جدرانها وسقوفها الكهرمانية؛ وعندما يختفي النور الفضي الوهمي وتبدأ الشمس الكبيرة الوردية بالإشراق أستند من جديد إلى جدار الموقد الدافئ وأغمض عيني...
وكان حَسْب تشايكوفسكي أن يبدع سلسلة "فصول السنة" وحدها، أو حتى الـ"باركادورا" فقط كي يخلد إلى الأبد في الفن الروسي. لقد غدت روحه خالدة؛ وها أنا الآن أحس بكل كياني حقيقة هذا الخلود. لقد اجتمع كل شيء في هذه الأنغام التي لا تذوي: مهرجان أزهار الأعشاب الحقلية قبل عيد القديس إيفان، وآلاف الروائح - الأصوات المنبعثة منها، والتي تندغم كلها في جوقة عبير واحدة، والشمس العالية في سمتها الناقص الرحيم، والأفق الذي تحرّف تيارات الوهج ملامحه، ونعمة الظل في الهاجرة. لم يحلّ بعد تعب الدنيا، ولا تزال أشجار وطني وأعشابه طافحة بالدم الأخضر. ونهرنا لا يزال نقياً، وضميري عندما أغطس، أو، على الأصح، أسقط في السماء المتمرئية في لجته. "متى كان هذا؟" -أسأل نفسي وأشعر بعبثية السؤال وعدم انسجامه مع حالتي. ليس: "كان"، بل: "يكون". الآن! ليس من شك قد اختفى... ومع أنه يتعذر أحياناً الآن الشرب من النهر، ولم يعد أحد يغني الآن في أيام حصاد الحشائش، فقد سمعت مرة وأسمع الآن غناء، وهو ليس غناء حصّاد واحد، بل غناء فرقة بكاملها عائدة إلى القرية في أمسية متأخرة دافئة. منذ وقت طويل لم يعودوا يزرعون الجودار خلف القرية، ولكنني شاهدته هناك وأشاهده الآن. المنجل يلمع في يد أمي وينصهر في لجة السماء الذهبية. أندس تحت هرم عالٍ من حزم السنابل المتناكبة وأنا ألعب "الطميمة" مع أترابي. أبحث على الحدود بين الحقول عن توت الأرض ويفعم أنفي أريجه الفردوسي حقاً. منذ أسبوع جلبت في دلو الماء قوقعتين لا تفرقان في شيء عن تَيْنِ اللتين وقعتا في دلوي منذ نصف قرن. وفرخ الكركي الأخضر مازال يقف في خليج النهر الصغير الدافئ كشأنه آنذاك.
القوقعتان لا تزالان حيتين في دلوي، وأنا قد شربت كل مافيه تقريباً من ماء، سأعود لأملأه من جديد وأعيدهما إلى النهر. وربما سأرى فرخ الكركي ذاك. لقد كبر لابد خلال هذه الأسابيع الأربعة التي مرت على قدومي إلى هنا. كما كبر أيضاً مهر جاري "ماليش"، الذي ولد أدهم اللون محجّلاً، ولكن لونه فتح الآن -أهي الشمس لفحته؟ إلاّ أن الشمس لم تعد صيفية منذ وقت طويل. ففي داري تصدح "الأغنية الخريفية" الخالدة.
أشعر بالسعادة عن وعي وبعمق، من أين أتت هذه السعادة.. ومتى... لاداعي للسؤال، ربما هي تنسرب من خلال طزاجة الخريف الغابيّة، أو ربما يفرزها كهرمان توت العليق المستنقعي. آخذ الثمار وأنا جالس على طنفسة من الطحلب كأنها فراش غجري محشو بالزغب، أقطف حبات الكهرمان الريانة هذه حفنة حفنة، وأرفعها بكلتا حفنتيّ إلى فمي. يقولون إن بوشكين طلب وهو على فراش الموت أن يشتروا له توت عليق منقوعاً. تذكرت هذا ولم تعد الثمار ثماراً، بل حفنة من دموع برتقالية...
عنب الأحراج المستنقعي أتناوله أيضاً بحفنتيّ. أليست هذه سعادة؟ عنب الأحراج بالحفنات! (شيء مضحك ولكن... لو أنني لم أنسَ في المدينة نظارتي فقط، بل نسيت أيضاً أسناني المعدنية، أو الرسمية، كما يقول جاري مع ذلك لم أكن لأعاني الحرمان على ضفاف بحيرتي الحنون. "احتفِنْ عنبَ الأحراج، واملأ به فمك، واضغط على الثمار المكتنزة بلسانك نحو سقف الحلق واللثة، ولن تموت من الجوع"!
لا شيء يعكر صفو سعادتي الكبرى في هدوء الغابة المشمس سوى البعوض. أرثي للعزيزين علي والقريبين مني، وأخجل لأنني أتناول عنب الأحراج بكلتا حفنتي وأملأ به فمي، فهم الآن محرومون من هذه الإمكانية، فلأضعه في السلة، في السلة! أليست هذه سعادة ! عندما أخرج من الغابة تنظر البقرة إليّ بدهشة وسذاجة وكأنّها تتساءل: مَنْ؟ ومِنْ أين؟ ثم تزفر بعمق وصخب ككير الحداد، ومن شدة غبائها لا تفسح لي في الطريق لأَمُرّ. ما ألذ هذا العناد البقري وأحلاه! وهناك في القرية تقف عند البوابة عجوز لها روح فتاة.
تنظر باتجاهي وتنتظر اقترابي. إنني أعرف ماذا تنتظر وإلامَ تنظر. إنها تتحرق رغبة في معرفة هذا الذي يسير في الطريق. وعندما أقترب بالقدر اللازم تعرف أن القادم هو أنا، وتختفي للتو باستحياء. أليس هذا مبهجاً؟ أليست هذه سعادة؟ إنها لسعادة كبرى أن يكون لك أصدقاء. وعندي أنا، علاوة على هذه الموسيقا وهذا الوطن الأخضر، أم وزوجة وابنة وأخوات وإخوة. صحيح أنهم بعيدون عني، ولكنهم بجانبي، إنني أسمعهم وأراهم جميعاً. أُشعل موقد الحمام بعد السير المتعب كما أشعلَ جيراني الثلاثة مواقد حماماتهم.
إنني سعيد إلى درجة أنني أستطيع أن أميز بالرائحة بين دخان الصنوبر والبتولا والحور...
أم أن مايبعث فيّ النشاط هو هدوء الحقول قبل حلول الشتاء؟ أسراب الإوز المهاجر تتجه نحو الجنوب، وتوت العليق الذهبي قد اختفى من الغابة منذ وقت بعيد. والغرانيق التي تبيت في الحقل البارد لا تكف عن الصياح، وفي منزلي تصدح "الأغنية الخريفية" الخالدة. وكان يمكن لذاك النهار أن يكون طويلاً، سعيداً وطويلاً، لو لم تكن سحب الدخان تتلبد في سماء بريدنيستروفييه المصدر: مجلة الاداب الاجنبية العدد 96
وفي ظهيرة يومٍ من أيام الصيف كانت الأبقار تتراخى على العشب الطويل تحت كوخٍ كبيرٍ مصنوعٍ من خشب البخور، يومها، رسم "إيشلي" لوحةً لبقرتين حلوبين، في أثناء الاستراحة، تحت أشعة الشمس التي تخترق سقف الكوخ، هنا وهناك، فتشكل بقعاً ضوئية جميلة داخله.
وبعد ذلك بفترةٍ من الزمن، عرضت "أكاديمية الفنون"، ولبعض الوقت، اللوحة على الجدران، في معرضها الصيفي، وبعد هذا بأيامٍ معدودة رسم "إيشلي" لوحةً أخرى جميلةً لأبقارٍ جميلة نائمة بهدوء تحت شجر البخور.
أصبح "إيشلي" متخصصاً بهذا النوع من الرسم، واستمر فيه لفترةٍ طويلة. ففي لوحته "استراحة الظهيرة" نرى بقرتين إحداهما رمادية اللون والأخرى بنيّة. أمّا لوحته "حلم بائع الحليب" فجاءت بعد لوحته الأولى بأيام قليلة، ثم تلتها لوحته "مكان الاستراحة". وهكذا نرى أنّ لوحاته تحوي أشجار البخور والأبقار الرمادية والبنيّة والعشب الطري. حاول أن يرسم لوحاتٍ أخرى، ذات عناصر مختلفةٍ لكنه فشل، وكانت محاولاته عبثاً، وإضاعة للوقت، ليس أكثر...!!
بعد ظهر يوم من أيام الخريف، وكان قد انتهى لتوه من وضع اللمسات الأخيرة للوحته "أعشاب الحقل" جاءت جارته "أديلا بنكسفورد" وبعد أن طرقت الباب الخارجي عدة طرقاتٍ وقالت: "هناك ثورٌ في حديقتي..!!"
-"ثور؟! أي نوع من الثيران هو؟!" قال إيشلي بحماقة.
-"أواه.. لا أعرف كلّ أنواع الثيران... ثور عادي... حديقتي التي أعددتها جيداً قبل بدء الشتاء.. يتجول فيها ثور.. بالتأكيد لم يأتِ لكي يحسّن من مظهرها.. هناك أزهارٌ بدأت تتفتح وهو يشكل خطراً عليها..." قالت السيدة بصوتٍ حاد.
-"كيف دخل الحديقة؟!" سألها إيشلي.
-"أعتقد أنّه دخل من البوابة.. فهو لا يستطيع تسلق الجدران...
ولا أعتقد أنّ أحداً ما قد رماه من الطائرة في حديقتي..!!
السؤال المهم.. كيف نخرجه منها؟!" قالت إديلا بنكسفورد بغضب.
فكرّ إيشلي قليلاً ثم قال:
-"دعوه يخرج.
-"هذا إذا كان ينوي الخروج من تلقاء نفسه.. يجب أن نذهب إلى هناك لنحدثه عن الأمر...!! الخادمة ليست في المنزل.. والطباخة ما تزال نائمةً في فراشها.. أنت جاري.. وأنت رسام.. ولا بدّ أن تعرف شيئاً ما عن الأبقار.. فكرت أنك ربما تساعدني للخروج من هذا المأزق.. هل أنا مخطئة؟!" قالت أديلاّ بعصبيةٍ.
-"إنني أرسم الأبقار بالتأكيد، لكنني لا أستطيع القول إنّني أمتلك تجربةً، مثل تجربة راعي البقر، الذي أشاهده في السينما...
فنحن نرى حيوانات كثيرة... بقر... خيول.. وربما تعطينا السينما صوراً غير واقعية..." ردّ إيشلي بهدوء.
لم تقل أديلا شيئاً بل قادته إلى حديقتها.
كانت الحديقة كبيرةً، لكنّ وجود الثور فيها جعلها تبدو صغيرةً. كان الثور ضخماً، أحمراً، داكناً، وله أذنان يكسوهما الشعر، وكان يختلف عن البقرات الصغيرات الجميلات، اللاتي اعتاد إيشلي أن يرسمها.
توقف إيشلي، ومعه أديلا، قرب البوابة.. بوابة الحديقة. وأخذ يتأمل مظهر الحيوان وتصرفاته وكانت أديلا صامتةً، لم تتفوه بأية كلمة.
"إنّه يلتهم واحدةً من أزهارك النادرة!!" قال إيشلي عندما أدرك أن الصمت أصبح يُعتبر في هذه اللحظات، عملاً جباناً..!!.
-"أنت ترى بنفسك كلّ شيء.. لقد التهم ستّ زهراتٍ نادرات..." قالت أديلا.
شعر إيشلي أنّ عليه أن يفعل شيئاً ما. تقدّم خطوةً أو خطوتين باتجاه الحيوان. صفق بيديه وقال كلمة واحدةً "هش" غير أنّ الثور لم يبدِ أية ملاحظةٍ تظهر أنّه قد سمع صوت إيشلي.
-"لو أنّ دجاجاً قد دخل الحديقة.. وأرسلت لأحضرك كي تخيفه فكنت ستهشّ عليه بشكل جميل...!.. حاولْ أن تبعد ذلك الثور.. تلك زهرةٌ نادرةٌ أخرى تُدعى "زهرة الآنسة لوسي بيكون"...بدأ الآن يلتهمها..." قالت أديلا وهي تحاول بصعوبة أن تسيطر على نفسها، بينما كانت الوردة البرتقالية الكبيرة تدخل فم الثور الكبير...!!
-"أنتِ تتحدثين بصراحةٍ حول أنواع الأزهار النادرة... وإنني لا أرى مبرراً.. كي أخبرك أنّه ثورٌ خبيث من يوركشاير..." قال إيشلي.
لم يعد باستطاعة أديلا أن تسيطر على نفسها، لوقت أطول، فقد قالت ما يكفي لتثير فضول الفنان كي يقترب من الثور بضع خطوات، التقط عصاً وقذف الثور بها. توقف الثور عن قضم الزهرة، لحظةً واحدةً، ونظر إلى رامي العصا بقسوةٍ..!! نظرت أديلا بغضب شديد إلى إيشلي.
حاول إيشلي ثانية مع الثور، وقذفه بالعصا. وهنا، يبدو أنّ الثور قد أدرك أنّ عليه أن يتحرك. ضربه إيشلي، مرةً أخرى بالعصا، فمشى الثور إلى نهاية الحديقة.. ركض إيشلي محاولاً إخراجه، غير أنّ الثور مضى بسرعة. إلى غرفة الجلوس عبر الباب المفتوح...!!
كانت هناك زهرات نادرات في أحواض جميلةٍ، في غرفة الجلوس، فبدأ الثور يقضمها...!!
لاحظ إيشلي نظرة غضبٍ في عيني الحيوان تقول له "من الأفضل لك أن تبقى خارج الغرفة.. بعيداً..."
توقف إيشلي عن محاولاته لإخراج الحيوان.
-"سيد إيشلي.. طلبتُ منك أن تطرد ذلك الحيوان من حديقتي، ولم أطلب إليك أن تجرّه إلى غرفة الجلوس. فإذا كانّ لا مفرّ من تواجده هنا، فأنا أفضل أن يكون ذلك في الحديقة وليس في غرفة الجلوس...!!". قالت أديلا بصوت مرتفع.
"إنّ طرد الماشية ليس من عملي. لقد أخبرتك بهذا منذ البداية" قال إيشلي.
"رجل مجنون" صاحت أديلا بصوت مرتفع حزين. وبعد لحظةٍ كانت أديلا تبدو وكأنها أُصيبت بمسٍ من الجنون.
كان الثور قد قضى على الأزهار، كلها، وعلى غلاف أحد الكتب الموجودة على الرفّ الصغير قرب النافذة. بعد ذلك بدا أنّ الثور يفكّر في مغادرة المكان الصغير الذي كان فيه. لاحظ إيشلي ذلك فقذف له بعض الأدوات لأنّه أراد أن يبقى الثور في غرفة الجلوس...!!
"هيا.. اذهب إلى المكتبة العامة القريبة من هنا واطلب منهم أن يتصلوا بالشرطة كي يأتوا فوراً ويخرجوا هذا الحيوان من غرفتي.. ربّما يخطر ببالك أن ترسم لوحةً له وهو يتصرف وكأنّه في بيته...!!"
بدا إيشلي وكأنّه يريد أن يفعل شيئاً ما. مشى بعيداً.
-"إلى أين أنت ذاهب..؟!" صرخت أديلا.
-"أريد أن أحضر بعض الأدوات..." كان جوابه.
-"أدوات..؟! أنا لم أطلب أية أدوات.. لن أدعك تستخدم أدوات كحبلٍ أو ما شابه ذلك. أخشى أن تُدَمر محتويات الغرفة فيما لو حصلت معركةٌ داخلها...!!"
لكن إيشلي خرج مسرعاً وبعد دقيقتين عاد حاملاً مواد الرسم وأدوات أخرى.
"هل تعني أنّك ستجلس بهدوء وترسم ذلك الحيوان وهو يقضم أزهاري ويدّمر ما تبقى في غرفة جلوسي؟!" سألت أديلا.
-"تلك كانت فكرتك؟..." أجاب وهو يضع القماش أمامه.
-"إنني أرفض ذلك بشدة.. أرفض ذلك" علا صراخ أديلا.
-"لا أعرف ما الذي يجب عليّ أن أفعله اتجاهك.." قال الفنان.
إنه ليس ثورك على أية حال .. ويبدو أنك نسيت
-"أنّه في غرفة جلوسي.." جاء جوابها غامضاً.
-"وأنتِ يبدو أنكِ نسيت أن الطباخة نائمة وأنّك بصراخك هذا ربّما توقظينها... علينا دائماً أن نفكر بالآخرين..."
-"أنت مجنون... مجنون فعلاً.." صرخت أديلا.
بعد دقائق قليلة ربّما تذكر الثور أنّ عليه أن يغادر المكان إلى كوخه. فخطا بحرصٍ، خارجاً من غرفة الجلوس، ينظر بعينين، فيهما تساؤلات، إلى الرجل الذي قذفه بالعصا قبل قليل...!
مشى الثور متثاقلاً إلى خارج الحديقة.
جمع إيشلي أدواته وذهب إلى منزله ليتابع رسم لوحة الثور. وهذه المغامرة الصغيرة كانت بداية نجاحٍ عظيم له. فجاءت لوحته الشهيرة "ثور في غرفة الجلوس" لتحقق نجاحاً عظيماً في "معرض باريس الثاني للفنون". وعندما عُرضت فيما بعد في "ميونيخ" اشترتها الحكومة هناك.
أصبح نجاح إيشلي مستمراً بعد ذلك. وبعدها بسنتين أعطت أكاديمية الفنون مكاناً هاماً للوحاته الرائعة.
أعطى إيشلي أديلا بنكسفورد نسخةً جديدةً من الكتاب الثمين الذي أتلفه الثور، وآنيتين أو ثلاث أوانٍ مليئة بالأزهار النادرة. ولكن.. لم تعد بينهما صداقةٌ حقيقية أبداً منذ تلك الحادثة...!! المصدر : مجلة الاداب الاجنبية العدد 94
ولا أخجل إذاً من أن أعترف بحماقة ارتكبتها ذات مرة، وأردت أن أمضي بها حتى النهاية: وأن أكتشف من عساها تكون تلك المجهولة، وأن أستنطق القدر مباشرة.
كانت الصورة بالألوان، على غلاف مجلة بلجيكية. ولست بصدد وصفها، فالمهم هو الأثر الذي تركته فيَّ. كنت أراها، مثل نجم ساحر، تصُّور وتجمع في مستطيل من الورق الصقيل اللامع كل الصفات التي أحبها كثيراً في امرأة ما. وهكذا مثلما كان الساحر في الأساطير القديمة يعرض للبطل على مرآة المظاهر الإلهية، أو كالتجار الذين يأتون من البعيد ليعرضوا على الأمير الشاب صورة مصغرة للعروس المقبلة.
وقبل كل شيء، كان هناك شيء خاص يثيرني لدرجة يجتاحني معها: اليدين. فقد كانتا على ذلك الشكل واللون وتلك الأبعاد التي كنت أهيم بها دون أن أعرف لماذا.
لم تكن الصورة صورة ممثلة أو امرأة شهيرة أو على أية حال معروفة. ولم يكن تحتها اسم ما أو عنوان.
وضعت المجلة على رفٍ بين الأوراق والصحف القديمة. وعلى غير وعي مني، ربما كنت راغباً القيام بتجربةٍ: ألاَّ تكون تلك الصورة تحت ناظري بعضاً من الوقت، ومحاولة نسيانها وبعد ذلك مراقبة فيما إذا ما كنت لا أزال متأثراً بها.
هذا ما كان. لقد نسيت الجميلة المجهولة، ومضت بضعة شهور. وذات يوم، وبمحض المصادفة، مفتشاً بين أوراقي ظهرت أمامي. وإذا بالضربة، ضربة الصورة- الصاعقة، تتكرر. وكيف لي أن أقاوم تأمل تلك اليدين؟.
كتبت حينذاك إلى أسرة تحرير المجلة. وطلبت اسم وعنوان المجهولة التي قلت إنها تهمني لتقوم بدور محتمل في جزء ثانوي من فيلم قادم.
أوصلت أسرة تحرير المجلة رسالتي إلى الآنسة، وهذه بدورها أجابتني، وبدأت منذ ذلك الحين بينها وبيني مراسلة طويلة.
كانت تسكن في "آنفرس" وتعمل عارضة للأزياء، وتتمنى بشوق أن تصبح ممثلة. بدوري لم أكن أرغب بخداعها ولا بالإعراض عن الأمل بلقاء معها. وهكذا تابعت الكتابة إليها "بأجزاء صغيرة"، وبما أنه كان واضحاً أنه لم يكن باستطاعتي دعوتها إلى إيطاليا "لجزء صغير" فقد تركت ذلك لاحتمالات قيامها بزيارة قادمة لأسباب ترفيهية.
كانت المجهولة كذلك أكثر أمانة، إذ أعلمتني بأن الصورة الشهيرة تم التقاطها منذ بضع سنوات خلت. إلاَّ أنني ومن خلال رسائلها، أصبت بخيبة أمل، فقد كنت أفكر بخط كتاب يليق بيدها، يشبه بشكل ما تلك اليد: الرشيقة، الأنيقة، المتلوية والعصبية. وبدلاً عن ذلك كان خطها حروفاً صغيرة مترددة.
مضت عدة شهور، ونسيتها، إلى أن وجدت نفسي ذات شتاء في باريس لأسباب تتعلق بالعمل. وقد عادت إلى فكري الجميلة المجهولة، خلال وحدتي يوم الأحد، خطرت لي فكرة مهاتفتها إلى "آنفرس".
وهاأنذا أسمع حينذاك صوتها عبر الهاتف: صوتاً دافئاً، فيه بحَّة خفيفة، بفعل تلك الأحرف الحلقية القاسية والإيقاعات الموسيقية التي تشكل فتنة اللغة الفرنسية التي يتحدث بها الفلامنكيون. وبما أنه لم يكن بمستطاعها القدوم إلى باريس، فقد رجتني بإلحاح أن أذهب للقياها في بروكسل. حددنا موعداً للقاء يوم الأحد التالي، حيث ستأتي لتأخذني بسيارتها من محطة القطارات في "بروكسل- ميدي" عند منتصف النهار وعشر دقائق، ساعة وصول القطار المتجه مباشرة من باريس، وأنني سأعرفها بسهولة لأنها.... وهنا تلفظت بجملة وهي تتحدث بالفرنسية دائماً، جملة تنتهي بكلمة "بيضاء".... "فراء أبيض"؟ قلت بالإيطالية فراء أبيض.
لا، قالت: لا، ليس هناك من فراء. كان صوتها يتحدث ويقول شيئاً ما لم أفهمه ومن جديد انتهى بكلمة "بيضاء"، وعلى كل حال ختمت بأنني سأتعرف عليها من الصورة.
بالنسبة لي، قلت لها، إنني أضع نظارات، ولي شاربان وقبعة "بيريه" وأرتدي معطفاً لونه أزرق داكن.
أتى يوم الأحد. وأصبح الجو بارداً. كنت مجبراً على أن أعرض عن ارتداء المعطف الأزرق وأن أستبدله بآخر رمادي أحمر. أكثر منه سماكة.
خرج القطار من باريس وظهر أخيراً الريف. كان نهاراً قارساً ورائقاً، والسماء في الأعلى زرقاء رمادية يتلون كل شيء حولها بانتظام وتدريجياً إلى رمادي زهري. كانت الحقول مقسمة ومحروثة حسب مقاسات هندسية ممتازة. وغابات متراصة ترتسم في الأفق، كانت تجتاز بمقطع واضح الحقول لتصل إلى السكة الحديدية، وتحاذيها لبضعة كيلومترات لتعود من بعدها وتنفتح كالستارة.
كنت وحدي في المقصورة مع صيادٍ، سيد في منتصف العمر، شعره كالفرشاة، له شاربان على الطريقة الأمريكية، قوي البنية، قصير وسمين، وهيئته جدية، إنه صورة حقيقية عن فرنسا كما هي، والتي يتشبث الغرباء، أياً كانوا لاتينيين أو أنغلوساكسونيين، في رأيهم منكرين أنها كذلك. لابد وأنه قد تناول بكل تأكيد إفطاراً جيداً، قهوة بالحليب وكرواسان. وهاهو الآن ينقب في كيسه المصنوع من القماش والجلد، الممتلئ بالخرطوش، والتي راح يفتح بعضاً منها بواسطة سكين صغيرة، ويفرغ الكرات الصغيرة على سعفة يده، ويتفحصها. وفي النهاية يخرج أوراقاً كبيرة عليها أرقام ومشاريع، هي على الأرجح بيانات مجالس الإدارة، راح يقرؤها بانتباه شديد. ومن وقت لآخر، وبينما هو يقرأ، كان يرفع، للحظة، شفته العليا ويمتص الهواء ما بين أسنانه صافراً صفيراً غريباً وحانقاً.
أما أنا فقد كنت أفكر بالفتاة البلجيكية التي أحلم بها منذ أكثر من عام، والتي سألقاها أخيراً بعد قليل. هل ستكون حقاً مشابهة للصورة؟ وإذا ما كانت، ماذا أنا قائل لها؟، أو ستكون لدي الشجاعة لأكشف لها، أو على الأقل أن أجعلها تشتبه باهتمامي الأكثر إنسانية منه مهنياً؟ وهي، في حالة كتلك، كيف ستتصرف؟.
كان الصياد يصفر، بفواصل منتظمة وبشكل لا ينضب معه الصفير. إنه لأمر غريب، مع أنني معجب بشكله قوي البنية، الريفي والبرجوازي، فإن ذلك الصفير سبب لي الكثير من الإزعاج. وعند لحظة معينة، وبعد أن آتى بصفرة أقوى وأكثر تصميماً، كان عليَّ أن أمسك نفسي عن الوقوف على قدمي صارخاً في وجهه أن يتوقف عن إصدارها. خرجت إلى الممر. بدأ القطار يخفف من سرعته. كانت تلك محطة "كومبينه". قام الصياد، ولدهشتي، فجأة بجمع خرطوشاته وكيسه وقبعته وبندقيته ونزل من القطار.
وقد بقيت وحيداً، استسلمت لإغراء لا يقاوم. أخرجت من حقيبتي التي حملتها معي، المجلة التي عليها الصورة وأسلمت نفسي مرة أخيرة لذلك التأمل العبثي.
إذا كانت لها هذه النظرة، قلت لنفسي، وهذه الابتسامة وهذا الجسد، ولكن على الأخص هاتان اليدان، فإنني سأقع بحبها. وإذا ما وقعت بحبها سأعلم، قلت لنفسي، كيف أتغلب على كل مقاومة. فأنا لم أعد شاباً صغيراً. ولن أتردد بأن أعدها بدور البطولة. فالمهم أن تكون هي كما الصورة.
بروكسل- ميدي. رفعت نظري عن الصورة فقط عندما فهمت أن القطار، وقد أبطأ من سرعته، كان يدخل المحطة. كانت عيناي تؤلمانني للجهد المبذول بالتحديق هكذا مطولاً على صورة طولها عشرين أو ثلاثين سنتيمتراً، وفي الوقت نفسه، لتكبيرها بالخيال وإحيائها على الطبيعة.
نهضت معداً نفسي للنزول. على الكرسي المقابل كانت قد بقيت هناك سكين الصياد الصغيرة. سكين جميلة. وبعد برهة قصيرة من التردد (لم يكن يراني أحد) تناولتها ووضعتها في جيبي.
بروكسل- ميدي.
نزلت من القطار حتى قبل أن يتوقف. وتجاوزت، راكضاً، المسافرين الذين كانوا قد نزلوا من العربات الأولى الأمامية. كنت أريد تبديل الفرنكات الفرنسية إلى فرنكات بلجيكية، وأن أتقدم إلى المخرج قبل أن يكون جميع مسافري القطار قد انتهوا من تقاطرهم في الصف. فقد خشيت، بخلاف ذلك، أن تذهب الفتاة خائبة إن لم تعد ترى أحداً يخرج.
متجاوزاً بسرعة بهو المحطة المستطيل الكبير نحو مكتب صرف العملات، نظرت إلى يساري، إلى مجموعة المسافرين الذين هم أكثر سرعة بكثير مما كنت أريد، وهم يتوجهون نحو المخرج. وإلى ما وراء السياج الحديدي القصير، وواجهات الأكشاك الزجاجية الصغيرة كان هناك رهط من الناس في الانتظار، معتماً على الخلفية المشمسة للبيوت العالية التي كانت ترتفع على الجانب الآخر. لابد وأنها بانتظاري بين ذلك الجمهور بالتأكيد. بدا لي أنني لاحظت في النسق الأول، شيئاً ما أبيض اللون: سترة أو معطفاً قصيراً أبيض اللون موديل "مونتغمري". وقلت لنفسي أنه لابد وأن تكون هي. وهكذا، داخلاً إلى مكتب صرف العملات، رفعت يدي باتجاه تلك السترة البيضاء بحركة نداء وترحاب. لكنها حركة غبية ولا فائدة منها إن لم تكن في حالة أنها عرفتني عن بعد تلك المسافة؛ في خضم اتساع المحطة وأنا بمعطفي الذي لم يكن أزرق، وهذا أمر مستبعد بما فيه الكفاية.
عندما خرجت من مكتب صرف العملات، بحثت على الفور بنظري: كانت السترة البيضاء قد اختفت.
وصلت إلى بوابة الخروج مع آخر المسافرين على قطار باريس، وبينما كنت أعرض للمراقب بطاقتي التي ستلزمني في ذلك المساء نفسه من أجل رحلة العودة، رفعت نفسي على أصابع قدمي واستعرضت بنظرة عين واحدة جميع أولئك الذين مازالوا بالانتظار خلف السياج الحديدي. كانوا قلة الآن، عشرة أشخاص بمجموعهم، وبينهم، من غير المفيد أن أوهم نفسي، سواء كانت بيضاء أو غير بيضاء، لم تكن هناك.
خرجت إلى الطريق. كانت طويلة ومستقيمة، تجتازها قضبان سكة الترام. أبنية رمادية على اليسار تمتد نحو الضواحي، وعلى اليمين تنتهي قبالة ساحة المحطة. ابتعد آخر المسافرين، الذين وصلوا على قطاري، على أقدامهم أو بالسيارة أو نحو الترام الذي كان جاثماً على أرض الساحة ما بين طاولات سوقٍ للبيع. إلاَّ أن السوق أيضاً لم تكن قد انتهت حينذاك حيث كان بعض الرجال يفككون الطاولات والمظلات والخيام ويحمّلون بضائعهم على شاحنات صغيرة.
أما بالنسبة لما تبقى، فإن الطريق أمامي كانت فارغة مثل كل أيام الآحاد، خمس أو ست سيارات متوقفة على الرصيف المقابل. فكرت بأن الفتاة تنتظرني في واحدة منها. وفكرت حتى بأن بيضاء ربما تكون السيارة. إلاَّ أنه لم تكن هناك واحدة بيضاء. فقط واحدة صفراء، صفراء بالتأكيد، لدرجة أنه حتماً لا يمكن أن تدعى بيضاء. على أية حال، عبرت الطريق وتفقدت السيارات واحدة تلو الأخرى. كانت جميعها فارغة ومقفلة.
عدت إلى المحطة دونما صعوبات من الموظفين. شرحت لمراقب عجوز أجرد، نحيل، يضع نظارات، وطيب القلب، كيف أنني أنتظر آنسة ستأتي من "آنفرس" ولا أعرفها. تركني العجوز، مبتسماً، أمر.
ما أن أصبحت في الداخل حتى انتبهت إلى أنه، في العمق، وعلى الطرف الآخر المقابل من المحطة، كان هناك مخرج آخر لم أنتبه إليه سابقاً خلال استعجالي. اندفعت بسرعة. ربما هي مسألة ثوانٍ. يمكن أن تعتمد حياتي (للقاء امرأة قدري) على لحظة من التأخر. ربما انتظرتني الشابة على بوابة ذلك المخرج والآن، وقد يئست من رؤيتي، تنصرف، وأنا ربما، وصلت إلى المكان بكسر من الثانية كافٍ بالنسبة لها أن تختفي خلف زاوية من الطريق أو لتصعد سيارة مقلعة.
إلاَّ أن المقصود هو مخرج ثانوي، مخرج للبضائع والحقائب. له منحدرات لولبية من الإسمنت للسيارات والعربات التي تصعد إلى الطوابق العليا. كان المكان مقفراً، جامداً وبلا حياة. ومن تلك الجهة أيضاً في الشارع العام، لم يكن أحدٌ يمر.
رجعت إلى الخلف وعدت مرة أخرى إلى المحطة وذهبت مباشرة إلى مكتب الهاتف. حصلت فوراً على المكالمة مع "آنفرس". تحدثت إلى الخادمة. لقد رحلت الآنسة كي تلاقيني. لم يكن ممكناً أنني قد رأيتها. وحده فقط، عطل في السيارة يمكن أن يكون قد أخرها. السيارة، أجل "كاديلاك بيضاء". أخيراً! واضعاً السماعة في مكانها رأيت عبر زجاج غرفة الهاتف، تأتي نحوي وباتجاهي، شخصية مسرعة، رشيقة، وهي الوحيدة بشكل مطلق في المحطة الكبيرة الخالية الآن، امرأة ترتدي فراء النمر.
كانت هي.
كان العجوز ذو النظارات، الذي تتبع عن بعد كل حركاتي، قد قال لها أني دخلت مكتب الهاتف.
خلعت القفاز لتعطيني يدها: اليد الملأى بالأساور الرنانة المذهبة، اليد التي حلمت بها طويلاً والتي تكفيني الآن نظرة بسيطة للغاية، هاربة، بينما أشد عليها بيدي، لأحكم عليها في حقيقتها. لم تكن ذات اليد التي في الصورة. ربما هي تشويه بصري، ربما تعديل للعدسات أو للمسافة التي التقطت بها الصورة، الأمور التي سببت خطأي. لم تكن نفس اليد، ولم تكن ولا يمكن أن تكون، المرأة التي حلمت بها.
أكرر أنني فهمت كل شيء، أي في لحظة بينما كنت ألمح بطرف عيني وأشد وأشعر بتلك اليد في يدي. إذاً ها أنذا قد أخطأت مرة أخرى. الساحر (الناشر البلجيكي الذي أرسل لي المجلة بغلافها الذي يحمل صورة المرأة المثالية بالنسبة لي) قد خدعني. ولم يكن هناك من شيء يمكن فعله.
بينما كنا نتبادل جمل المحادثة الأولى ونحن نتوجه نحو المخرج، نظرت لحظة إلى وجه الفتاة، لتجربة أخيرة وبأمل أخير. جذابة، لطيفة، ذات عينين كستنائيتين، وابتسامة حلوة... كانت المرأة المصورة. أجل لقد تعرفت عليها، لكنها لم تكن هي، لم تكن تلك التي جعلتني الصورة أحلم بها.
- هل نحفت؟ قلت لها على الفور.
- أجل. أجابتني مفتخرة وكأنني تلفظت بإطراء لها.
- "في الصورة الشهيرة" ألححت "كنت أكثر بدانة بكثير.".
- لقد كتبت لك، أليس كذلك؟. إنها صورة التقطت لي منذ سنتين.
- "كانت تعجبني أكثر حينذاك" أوضحت لها. ولكن لم يكن الأمر مسألة بدانة أو نحافة. كانت امرأة لم يكن باستطاعتي أن أحبها أبداً على أية حال. أحسست بتلك الاستحالة بدقة مطلقة. والمشكلة، الآن، كانت أن أقضي معها يوم أحد طويل للغاية، وأن أتحدث معها لساعات كثيرة. وأيضاً، وهذا مفهوم، عن دورها في فيلم قادم.
وصلنا إلى الكاديلاك البيضاء، المتوقفة أمام المحطة على أطراف السوق، بالقرب من الطاولات التي كان الباعة الجوالون ينتهون من تفكيكها.
جلست الشابة خلف المقود، وأنا إلى جانبها. أدرات المحرك. وبالرغم من معرفتي الضحلة بهذا الموضوع، انتبهت إلى أنها لا تعرف القيادة. أم أنه الاضطراب لكونها التقت المُخرج الذي سيستطيع تحقيق أحلامها؟.
- "كنت ملكة جمال بلجيكا" شرحت لي "وأيضاً ملكة جمال أوستندا". أجل منذ سبعة سنوات خلت" وابتسمت، وبدلت السرعة، ووصلت إلى تحت الطاولات ضمن فوضى البضائع المنتشرة على الأرض وحركة أولئك الذين يفككون الخيام. كان على الكاديلاك أن تمر، وكان كل المكان صالحاً للمرور: الحيز الخاص بالترام كان خالياً ومؤشراً بقضبان سكة الحديد. إلاَّ أن مضيفتي لم تجرؤ على المرور. إنها تفضل، شرحت لي، أن تعود إلى الوراء وأن تدور حول الساحة.
وبعصبية وضعت يدها المحملة بالذهب على ذراع تغيير السرعة، وحاولت أن تضع مؤشر السرعة إلى الخلف. صرّ مسنن الغيار واهتز الذراع وشبَّ.
وأخيراً انطلقنا مجدداً بالسير إلى الوراء. بضعة أمتار، ثم فرملة فجائية، بالكاد حصلت في وقتها كي لا تصدم شاحنة.
انطلقت من جديد إلى الأمام محاولة أن تدور حول الترام الذي كان هناك أمامنا، متوقفاً عند نهاية الخط. يبدو لي أنها مناورة بسيطة للغاية. إلاَّ أن الكاديلاك وثبت للأمام لتصدم بمقدمتها بوابة الترام. انفجار بسيط، وتأرجح شيء ما صغير لامع أمام غطاء المحرك، ثم صوت معدني رنان على الإسفلت.
- "لا شيء" قالت وقد احمرت من الارتباك محاولة الابتسام "اعذرني!".
لكنني نزلت لأرى. وبينما كنت متجهاً إلى غطاء محرك السيارة، التي كان أحد مصابيحها يتدلى معلقاً بشريط كهربائي، طلع علي حشد غير متوقع ومطمئن، من جميع الجهات، وأحاط بالكاديلاك البيضاء. أين كان كل هذا الحشد من الناس مختبئاً حتى لحظة مضت؟. لا صرخة، لا تعليق ولا حركة. هادئين، مبتسمين، شقر، خدودهم متوردة، عيونهم زرقاء سماوية، ينظرون دون أن ينبسوا بشيء، منتبهين ومتسلين، الكاديلاك، المصباح المتدلي، الفتاة خلف مقود السيارة، وأنا الذي عليَّ أن أفعل شيئاً ما بشأن المصباح. حاولت إعادته إلى مكانه، لنقل هكذا، إلى مداره، حتى ولو بشكل مؤقت، بقدر ما يمكن حتى لا ينجر وينسحب على الأرض، وكي يكون باستطاعتنا الوصول هكذا إلى ورشة ميكانيكي.
كان رجلا شرطة قد اقتربا بهدوء عظيم من الفتاة وطلبا منها أوراق السيارة. وبطرف عيني رأيت من خلال دفتر المرور أن الكاديلاك ليست ملكها وإنما تعود لشخص ما إسمه وليامز، أمريكي.
جهدت المسكينة بتقديم إيضاحات لم يطلبها منها رجلا الشرطة، وكانت في بعض الأحيان تبتسم وهي على الدوام أكثر ارتباكاً حيالي، وفي نهاية الأمر وقعَّت على أوراق وضبوط شرطة معقدة.
أثناءها كنت، وأنا على الدوام أشعر بخجل أكثر تجاه الجمهور الواجم المبتسم والساكن الذي تحلق حولنا، أجاهد مع المصباح محاولاً تثبيته بلا جدوى. وعندما رفعت نظري، التقيت بتلك الوجوه وردية اللون، سماوية العيون، وأطقم الأسنان الضاحكة: وجوه ميكانيكيين، تقنيين، كلها، أو تقريباً جميعها، كنت متأكداً من ذلك. كان بإمكانهم جميعاً، أو كلهم تقريباً، أن يقوموا بثانية واحدة بما كنت أحاول القيام به. بشكل أخرق منذ أكثر من عشر دقائق.
عدت إلى الوراء، إلى الفتاة وسألتها أين عدة السيارة. لم تكن تعرف.
فتذكرت حينها سكين الصياد الصغيرة. وأخرجتها كالمنتصر. كانت سكيناً معقدة وجميلة للغاية. كان فيها أيضاً مفك للبراغي. وتحت أنظار خمسين ميكانيكياً لاهين ومتسلين، شددت بأحسن وأفضل ما يمكن، وبجهد عظيم، برغي المصباح. وبينما كنت أشد البرغي، ألقيت بضع نظرات مواربة على الفتاة التي كانت تنتظر، بمعطفها المصنوع من فراء النمر، وعلى يديها الجميلتين، اللتين لم تعودا جميلتين بالنسبة لي، المتروكتين على المقود. وقد فكرت بقلق. متى سأعود إلى المحطة، بعد أن تنتهي فترة ما بعد الظهيرة بخيرها أو شرّها. وسأكون أخيراً قد بقيت لوحدي، وأخذت القطار. وعند منتصف الليل! في محطة الشمال!. كان ذلك سراباً، نصفه حلو للغاية. لقد ضحيت خلاله بمحبوبات ومعشوقات أخريات من مثلها، مع أنها جميلة أيضاً، وكان عليها أن تبقى كل النهار إلى جانبي. وهاأنذا الآن قد قمت بتجربتي العظيمة. كم من الوقت كنت محصناً؟ المصدر:مجلة الاداب الاجنبية العدد 92
وهكذا قررت أخيراً العمل كبواب. وأصبحت فعلاً بواباً في مصنع للألعاب. كنت أظنّ أنّ الكثيرين من زملائي البوابين يصابون بعد ممارسة هذه المهنة بالعجرفة والجلافة، وأنهم أثناء وبعد دوامهم الرسمي يختالون بين الناس بوجوه باردة قاسية، ويشيرون حولهم بحركات من أيديهم تعبّر عن الصدّ والازدراء. لكني لم أصبح كذلك، رغم أنني أبذل ما بوسعي كي أؤدي عملي طوال النهار بأسلوب قاسٍ تماماً لا رحمة فيه ولا عاطفة. حتى أنني ألِفْت وجودي في حجرة البوّاب الزجاجية منذ البداية، وأنِست إليها كبيْتي. وفهمت أيضاً على الفور كيفية تشغيل الأزرار لفتح وإغلاق الأبواب المحروسة بعد أن شرحوا لي ذلك مرّة واحدة فقط. وما أن تصفحت دليل الهواتف الداخلية لمسؤولي الشركة حتى حفظته كلَّه عن ظهر قلب.
وأعترف الآن أنني أحسست بشيء من الرهبة عندما واجهني أول زائر اقترب مني. خفت أن يلقي عليّ أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها وخشيت ألاّ أوفّق في اختيار التعبير المناسب الذي يتوقعه الضيف جواباً عن سؤاله. إذ من السهل جداً أن يفشل البوّاب في عمله، لأنّ هؤلاء الضيوف الزائرين الذين يفدون إلى المصنع الواحد تلو الآخر رجال يتصفون بالوجاهة الكاملة، والبواب لا يعرف من منهم يحبّ رؤساؤه في الشركة استقباله ومن لا يحبون. أضف إلى ذلك أنّ كلّ من يعمل في المصنع يعتقد أنه رئيس للبواب. ليس ثمة زملاء للبواب، بل كلهم رؤساء له، وعليه أن يتصرف بأساليب ترضي عنه الجميع.
قد يظنّ بعض الناس أنّ على البوّاب فقط أن يرفع سماعة الهاتف ويتصل بالمكاتب ويسأل ما إذا كان السادة المسؤولون فيها يرغبون بالسيد الزائر فلان أو لا يريدون رؤيته. لكنّ الرؤساء في المكاتب حسّاسون جداً، وقد يؤدي استفسار هاتفي من هذا النوع إلى استفزازهم بشكل فظيع، فينهالون على البواب عبر الهاتف صراخاً وتوبيخاً، بحيث يجد نفسه عاجزاً تقريباً عن تمالك نفسه وحبس دموعه في عينيه، لاسيما وأنّ الزائر يبقى واقفاً في مواجهته ينتظر الردّ العاجل وقد التصق بالكوّة وثبّت نظراته على البواب بفضول. وكذلك فإن ردّ البواب المرتقب لا يجوز أن يدلّ على شيء من الصراخ والتوبيخ القادميْن من السيد في المكتب الفخم صاحب الأعصاب المرهفة والمرتّب الشهري الضخم. إن واجب البواب يحتم عليه أن يترجم على الفور صرخة الغضب التي أطلقها السيد فوق بسبب انزعاجه الكبير إلى ابتسامة ما تعبّر عن الأسف، وإلى حركة مهذّبة تواسي الزائر وهو يستدير عائداً من حيث أتى وينسى أنهم طردوه.
إنّ عملية الترجمة الفورية هذه تحتاج -صّدقوني- إلى تعلّم وإتقان. وأنا أفعل أكثر من ذلك، فكثيراً ما أميل برأسي كلّه، وعليه سماعة الهاتف، إلى الخلف حتى أصل إلى بطانة معطفي المعلق ورائي، واستخدم هذه البطانة كاتماً للصوت، يمنع عن أذنيْ الضيف سماع الصراخ الهائج الوارد من المكتب. وبالمناسبة هناك أمر من الإدارة العليا -أي من صاحب المصنع شخصياً- يمنع معاملة الزائر بخشونة مهما كان هذا الزائر. وينطبق هذا الأمر العلوي طبعاً على الجميع، ولكن لا يطلب تنفيذه عملياً وواقعياً إلاّ من البواب، وقد نفّذته راضياً مسروراً، لأنني أجده أمراً حسناً ويستحق أن يوضع في منزلة أفضل من غيره من أنظمة المصنع.
ثم عوّدت نفسي عدم اللجوء للهاتف إلا نادراً وعند الضرورة القصوى صرت أتفحص الزوار وأختبرهم أوّلاً، ثم أقرر ما إذا كانوا على حقّ في طلبهم مقابلة رئيس قسم المشتريات أو وكيله أو رئيس قسم التصميمات أو متعهد المقصف أو حتى أحد المدراء بما فيهم رئيس المستخدمين. وربما تسرّعت في ردّ البعض على أعقابه دون مبرر منطقي، لكني اكتسبت بعد فترة من استلامي العمل وبالتدريج الخبرة والقدرة اللازمتين لاستجواب كلّ شخص يقف أمام كوّتي باسلوب غير متكلّف ولا يثير أية شكوك. إنه أسلوب مختلف تماماً عن أساليب المحققين الجنائيين أو من على شاكلتهم من الفضوليين. أسلوب يبدو حديثاً مرتجلاً شيّقاً يستمتع به الطرفان ويؤدي مع ذلك إلى الوصول بدقة للغرض المطلوب، بحيث أكون في نهاية هذا الحديث قد أحطت إحاطة كاملة بمدى أهمية هذه الزيارة بالنسبة لمصنعنا، وصرت في وضع يمكنني فيه أن أقرّر وأنا مرتاح الضمير: هل أردّ الزائر على أعقابه أم أفسح له الطريق ليدخل!
وحتى عندما أصدّ الزائر -وهذا ما يحدث في أغلب الأحيان- أعرف كيف أُقنعه بعدم جدوى لقائه مع ذلك السيّد الذي أراد التكلم معه في مصنعنا. لقد حصلت على معلومات وفيرة حول كلّ الاختصاصات الفنية المتعلقة بعملنا، بحيث أستطيع أن أعطي جواباً دقيقاً إلى مندوب شركة ما جاء ليفاوض رئيس قسم المشتريات في عقد صفقة من الصاج الأبيض مثلاً، وأن أبيّن له فُرص عرضه في النجاح أو الفشل. كذلك تعلمت كيف أطيّب خاطر تجار المفرّق الساخطين الذين يأتون لمقابلة رئيس قسم المبيعات، وأن أهوّن المسألة على الفلاحين الذين يريدون تموين مقصف المصنع بمنتجاتهم الغذائية، وعلى المصمّمين الذين يفدون زرافات وأفراداً ليهاجموا رئيس قسم التصميمات، وليلحّوا عليه في شراء تصميماتهم عديمة الفائدة لنا.
كذلك استطعت حماية مصنعنا من شرّ الكتّاب والرسّامين ذوي النظرات القاسية المتحدّية، وهم يحاولون الانتقام من رئيس قسم الدعاية لأنه بعث إليهم رسائل يرفض فيها عروضهم، رغم أنّ هؤلاء المصمّمين والفنانين لا يقتنعون بالكلام العاقل المتزن إلاّ بصعوبة أكبر. وهكذا فأنا هنا على باب المصنع أمثّل شخصياً (ولا يمكنني أن أجد تعبيراً أكثر دقّة من تعبير التمثيل الشخصي) كلّ السادة المدراء والمسؤولين. وإنّ ما يحققه المصنع من زيادة مطّردة في المبيعات يعود إلى أسباب ليس آخرها أنني أقوم هنا بتحصين الشخصيات الكبيرة عندنا، وهي شخصيات ما أسهل تعرّضها للإصابة بالانزعاج من مقابلة الزوّار.
لكن هؤلاء السادة لا يحسّون بذلك على الإطلاق. إنّ هذه الشخصيات الهامة لا تفهم مثلاً أنني أحتاج إلى وقت وجهد كبيرين كي أقنع هذا الزائر أو ذاك إقناعاً حقيقياً متيناً لا يتسرّب إليه الشكّ بعدم فائدة الزيارة أو المقابلة المطلوبة. ولقد أدّت النقاشات الطويلة التي كنت أجريها عبر كوّة غرفتي مع الزوار العنيدين إلى أن يتشكّل (بعد أن يمرّ بالكاد نصف ساعة على بدء الدوام) طابور من الناس يزداد طوله من لحظة إلى أخرى. وهاهي ذي الشكاوى من أساليبي في معاملة الزوار تزداد وتزداد. وخاصّة لأنّ بعضهم زيّنت له قلّة أدبه أن يتخذ من الحشد المتزاحم ستاراً يتسلل خلفه إلى داخل المصنع دون استئذان، أو لأن أحد السادة المدراء شاء أن يغادر المصنع مسرعاً على حين غرّة، فعطّله طابور المنتظرين لحظات عن الخروج..
صرت أسمعهم يقولون إني أعمل ببطء شديد أو بتثاقل يزيد عن الحدّ المعروف والمسموح به للموظفين بل ويتجاوز الموضوعية. لكنّ هذه الألوان من الشكوى والنميمة لا تكشف إلا عن ضآلة المعرفة بطبيعة عملي، بحيث أنني لا أدري في الواقع كيف أدافع عن نفسي تجاهها. وأودّ أن أرى ما سيحدث لو أنني عاملت الزوار بخشونة واختصار، ربما ظلّ مدخل المصنع في هذه الحالة فارغاً وخالياً من الناس، لكن هواتف الإدارة لن تكفّ عن الرنين ونقل مكالمات الاحتجاج الصارخ، وعندها سوف تسوء سمعة المصنع كثيراً وينخفض رقم توزيع منتجاته بشكل مريع. إذ إنّ أمر الإدارة العليا بعدم الإساءة إلى أيّ زائر كائناً من كان لم يصدر اعتباطاً، وأنا لا أستطيع أن أركض إلى المدير العامّ راجياً منه أن يُخرس تلك الأفواه الشاكية من أساليبي. سيقول لي ساعتها بكلّ بساطة إنّ عليّ أن أفعل كذا دون أن أتجاهل أمراً آخر كذاك. ولكن كيف يمكنني أن أقنع زائراً بأنّ الشركة لا تستطيع استقباله وأبقى سريعاً ومهذّباً في آن واحد؟
يستطيع المرء أن يقنع بجملة واحدة شخصاً ما ربح الجائزة الأولى في مسابقة ما" أما أن يقنعه بأنّ التصميم أو النصّ الذي يقترحه أو الصاجات أو الخضار التي يريد بيعها كلها أشياء لا تحتاج الشركة إليها.. أن يشرح له ذلك بأسلوب يؤدي إلى مغادرة الزائر المبنى وهو يتغنّى بمديح الشركة وموظفيها، فهذه مهمة أتمنى لو يجرّبها واحد من زملائي أو أعدائي مرّة واحدة خلال دقيقتين...
إذن ماذا بوسعي أن أفعل؟ إنّ طابور المراجعين أمام غرفتي يزداد طولاً يوماً بعد يوم. وأنا أحس بمزيد من الحيْرة والقلق، لأنني أدرك الخطر الذي يداهمني. وهكذا لم يعد كلامي مع الزوار يخرج من فمي سلساً منساباً كما كان فيما مضى. وها أنا ذا أتلعثم وأتصبب عرقاً، بل وأحتاج إلى وقت أطول من الوقت الذي كنت أستهلكه، ودون أن أتوصّل إلى النتائج التي كنت أتوصّل إليها في التخفيف عن أصحاب الحاجات في كلّ الحالات..
وقد حدث بالفعل أن ثار أحدهم ضدّي، صرخ في وجهي وشتمني، ثم دفع الباب وانطلق خارجاً بحنق وغضب. ماذا أفعل؟ لم أعد قادراً على تغيير الوضع السيء الذي وصلت إليه الأمور، ولابد لي أن أعترف أخيراً بأن السبب الذي دعاني إلى تسجيل مراحل التطور الذي مررت به في عملي بهذا الإسهاب والتفصيل هو أنني أريد بصراحة أن أبرّر موقفي، راجياً أن أجد في أيّ مكان، خارج المصنع على الأقل، تفهماً لسلوكي وتصرفاتي. فلقد دعيت للمثول غداً أمام السيد مدير المستخدمين، وظننت لأول وهلة أنّ المسألة لن تتعدّى لفت نظري أو تنبيهي من باب التحذير المبدئي. لكني لم أعد الآن أظنّ ذلك، لأنّ رجلاً فظاً جلفاً ذا فم بلا شفتين وقف بالأمس في الطابور أمام كوّتي وطلب مني أن أخبر السيد مدير المستخدمين بقدومه، وقال إنه جاء بناء على استدعائه مباشرة من قبل المدير نفسه.
وسألته وأنا أدير قرص الهاتف عن الموضوع الذي يريد التحدث فيه، فاعترف بأنه يتقدّم لشَغل وظيفة البواب التي أعلنت الشركة عنها. وطبعاً نجح الاتصال الهاتفي من المرّة الأولى، وأبلغت من الزائر القادم، لكن سبابتي التي أدرت بها قرص الهاتف بردت فجأة وتصلبت وصارت قطعة من الجليد، أما الرجل فقد دخل المبنى وعاد بعد نصف ساعة منشرح الصدر منبسط الأسارير، حتى أنني سمعته يصفّر بفمه غير المرئي وبوضوح لحناً يعبّر عن الفرحة الغامرة. وتابعته بنظرات مشدوهة وقلت في نفسي: على الإنسان أن يملك جرأة هذا الرجل وأن يكون جريئاً في كلّ شيء. لكني ظللت طوال الوقت أحسّ بشيء من الخجل لأنني لم أستطع أن أكون سوى بواب.. وها أنا ذا أتبيّن الآن أنّ الإنسان يحتاج، لكي يكون بوّاباً أيضاً، إلى جرأة اللصّ الذي يسطو على مصرف. يحتاج إلى تلك الجرأة التي أبحث الآن عنها في نفسي دون جدوى...
ماالفرق بيني وبين ... السماء
الفرق ما بينكما
انكي إن ضحكتي يا حبيبتي
أنسى السماء
ياربي قلبي لم يعد كافياً
لأن من احبها تعادل الدنيا
فضع بصدري واحداً
غيره يكون بمساحة الدنيا
مازلت تسألني عن عيد ميلادي
سجل لديك إذن ما أنت تجهله
تاريخ حبك لي تاريخ ميلادي
ذات العينين السوداوين
ذات العينين الصاحيتين الممطرتين
ما اطلب أبدا من ربي إلا شيئين
أن يحفظ هاتين العينين
ويزيد بأيامي يومين كي أكتب شعراً
في هاتين اللؤلؤتين
أشكوكي للسماء كيف استطعتي كيف
أن تختصري جميع مافي الأرض من نساء
لو كنتي ياصديقتي بمستوى جنوني
رميتي ما عليكي من جواهراً
وبعتي مالديكي من أساور
ونمتي في عيوني
لأن كلام القواميس مات
لأن كلام الروايات مات
أريد اكتشاف طريقه عشقاً
احبكي فيها بلا كلمات
انا عنكي ما أخبرتهم
لكنهم لمحوكي تغتسلين في أحداقي
انا عنكي ما كلمتهم
لاكنهم قراؤكي في حبري وفي أوراقي
ذوبت في غرامكي الأقلام
من ازرقاً واحمراً واخضراً
حتى انتهاء الكلام
علقت حبي لكي في أساور الحمام
ولم اكن اعرف يا حبيبتي
أن الهوى يطير كا الحمام
حبكي يا عميقة العينين
حبكي مثل الموت ... والولادة
صعب لأن يعاد مرتين
عشرين ألف امرأة أحببت
عشرين ألف امرأة جربت
وعندما التقيت فيكي يا حبيبتي
شعرت أنى الآن قد بدأت
أني احبكي عندما تبكين
واحب وجهكي غائماً وحزيناً
الحزن يصهرنا معاً
من حيث لا ادري ولا تدريناً
بعض النساء وجوههم جميلة
وتصير اجمل عندما يبكيناً
حين أكون عاشقاً
شاة الفرس من رعيتي
واخضع الصين لصولجاني
وانقل البحار من مكانها
ولو أردت ... أوقف الثواني
حين أكون عاشقاً
اصبح ضوء سائلاً
لا تستطيع العين أن تراني
حين أكون عاشقاً
تنفجر المياه من أصابعي
وينبت العشب على لساني
حين أكون عاشقاً
أغدو زماناً خارج الزماني
عدي على أصابع اليدين ما يأتي
ف أولا : حبيبتي أنتي
وثانياً : حبيبتي أنتي
وثالثاً : حبيبتي أنتي
ورابعاً وخامساً وسادساً وسابعاً
وثامناً وتاسعاً وعاشراً
حبيبتي أنتي
لماذا في مدينتنا ؟
نعيش الحب تهريباً وتزويراً ؟
ونسرق من شقوق الباب موعدنا
ونستعطي الرسائل
والمشاويرا
لماذا في مدينتنا ؟
يصيدون العواطف والعصافيرا
لماذا نحن قصديرا ؟
وما يبقى من الإنسان
حين يصير قصديرا ؟
لماذا نحن مزدوجون
إحساسا وتفكيرا ؟
لماذا نحن ارضيون ..
تحتيون .. نخشى الشمس والنورا ؟
لماذا أهل بلدتنا ؟
يمزقهم تناقضهم
ففي ساعات يقظتهم
يسبون الضفائر والتنانيرا
وحين الليل يطويهم
يضمون التصاويرا
أسائل نفسي دائماً
لماذا لا يكون الحب في الدنيا ؟
لكل الناس
كل الناس
مثل أشعة الفجر
لماذا لا يكون الحب مثل الخبز والخمر ؟
ومثل الماء في النهر
ومثل الغيم ، والأمطار ،
والأعشاب والزهر
أليس الحب للإنسان
عمراً داخل العمر ؟
لماذا لايكون الحب في بلدي ؟
طبيعياً
كلقيا الثغر بالثغر
ومنساباً
كما شعري على ظهري
لماذا لا يحب الناس في لين ويسر ؟
كما الأسماك في البحر
كما الأقمار في أفلاكها تجري
لماذا لا يكون الحب في بلدي
ضرورياً
كديوان من الشعر
انا نهدي في صدري
كعصفورين
قد ماتا من الحر
كقديسين شرقيين متهمين بالكفر
كم اضطهدا
وكم رقدا على الجمر
وكم رفضا مصيرهما
وكم ثارا على القهر
وكم قطعا لجامهما
وكم هربا من القبر
متى سيفك قيدهما
متى ؟
يا ليتني ادري
نزلت إلى حديقتنا
ازور ربيعها الراجع
عجنت ترابها بيدي
حضنت حشيشها الطالع
رأيت شجيرة الدراق
تلبس ثوبها الفاقع
رأيت الطير محتفلاً
بعودة طيره الساجع
رأيت المقعد الخشبي
مثل الناسك الراجع
سقطت عليه باكية
كأني مركب ضائع
احتى الأرض ياربي ؟
تعبر عن مشاعرها
بشكل بارع ... بارع
احتى الأرض ياربي
لها يوم .. تحب فيه..
تبوح به ..
تضم حبيبها الراجع
وفوق العشب من حولي
لها سبب .. لها الدافع
فليس الزنبق الفارع
وليس الحقل ، ليس النحل
ليس الجدول النابع
سوى كلمات هذى الأرض ..
غير حديثها الرائع
أحس بداخلي بعثاً
يمزق قشرتي عني
ويدفعني لان أعدو
مع الأطفال في الشارع
أريد..
أريد..
كايه زهرة في الروض
تفتح جفنها الدامع
كايه نحله في الحقل
تمنح شهدها النافع
أريد..
أريد أن أحيا
بكل خليه مني
مفاتن هذه الدنيا
بمخمل ليلها الواسع
وبرد شتائها اللاذع
أريد..
أريد أن أحيا
بكل حرارة الواقع
بكل حماقة الواقع
يعود أخي من الماخور ...
عند الفجر سكرانا ...
يعود .. كأنه السلطان ..
من سماه سلطانا ؟
ويبقى في عيون الأهل
أجملنا ... وأغلانا ..
ويبقى في ثياب العهر
اطهرنا ... وأنقانا
يعود أخي من الماخور
مثل الديك .. نشوانا
فسبحان الذي سواه من ضوء
ومن فحم رخيص نحن سوانا
وسبحان الذي يمحو خطاياه
ولا يمحو خطايانا
تخيف أبي مراهقتي
يدق لها
طبول الذعر والخطر
يقاومها
يقاوم رغوة الخلجان
يلعن جراة المطر
يقاوم دونما جدوى
مرور النسغ في الذهر
أبي يشقى
إذا سالت رياح الصيف عن شعري
ويشقى إن رأى نهداي
يرتفحان في كبر
ويغتسلان كالأطفال
تحت أشعه القمر
فما ذنبي وذنبهما
هما مني هما قدري
متى يأتي ترى بطلي
لقد خبأت في صدري
له ، زوجا من الحجل
وقد خبأت في ثغري
له ، كوزا من العسل متى يأتي على فرس
له ، مجدولة الخصل
ليخطفني
ليكسر باب معتقلي
فمنذ طفولتي وأنا
أمد على شبابيكي
حبال الشوق والأمل
واجدل شعري الذهبي كي يصعد
على خصلاته .. بطلي
يروعني ..
شحوب شقيقتي الكبرى
هي الأخرى
تعاني ما أعانيه
تعيش الساعة الصفرا
تعاني عقده سوداء
تعصر قلبها عصرا
قطار الحسن مر بها
ولم يترك سوى الذكرى
ولم يترك من النهدين
إلا الليف والقشرا
لقد بدأت سفينتها
تغوص .. وتلمس القعرا
أراقبها وقد جلست
بركن ، تصلح الشعرا
تصففه .. وتخربه
وترسل زفرة حرى
تلوب .. تلوب .. في الردهات
مثل ذبابة حيرى
وتقبح في محارتها
كنهر .. لم يجد مجرى
سأكتب عن صديقاتي
فقصه كل واحده
أرى فيها .. أرى ذاتي
ومأساة كمأساتي
سأكتب عن صديقاتي
عن السجن الذي يمتص أعمار السجينات
عند الزمن الذي أكلته أعمدة المجلات
عن الأبواب لا تفتح
عن الرغبات وهي بمهدها تذبح
عن الحلمات تحت حريرها تنبح
عن الزنزانة الكبرى
وعن جدارنها السود
وعن آلاف .. آلاف الشهيداتِ
دفن بغير أسماء
بمقبرة التقاليد
صديقاتي دمى ملفوفة بالقطن
داخل متحف مغلق
نقود صكها التاريخ ، لا تهدى ولا تنفق
مجاميع من الأسماك في أحواضها تخنق
وأوعيه من البلور مات فراشها الأزرق
بلا خوف
سأكتب عن صديقاتي
عن الأغلال دامية بأقدام الجميلات
عن الهذيان .. والغثيان .. عن ليل الضرعات
عن الأشواق تدفن في المخدات
عن الدوران في اللاشيء
عن موت الهنيهات
صديقاتي
رهائن تشترى وتباع في سوق الخرافات
سبايا في حريم الشرق
موتى غير أموات
يعشن ، يمتن مثل الفطر في جوف الزجاجات
صديقاتي
طيور في مغائرها
تموت بغير أصوات
خلوت اليوم ساعات
إلى جسدي
أفكر في قضاياه
أليس هوالثاني قضاياه ؟
وجنته وحماه ؟
لقد أهملته زمنا
ولم اعبا بشكواه
نظرت إليه في شغف
نظرت إليه من أحلى زواياه
لمست قبابه البيضاء
غابته ومرعاه
إن لوني حليبي
كان الفجر قطره وصفاه
أسفت لا نه جسدي
أسفت على ملاسته
وثرت على مصممه ، وعاجنه وناحته
رثيت له
لهذا الوحش يأكل من وسادته
لهذا الطفل ليس تنام عيناه
نزعت غلالتي عني
رأيت الظل يخرج من مراياه
رأيت النهر كالعصفور ... لم يتعب جناحاه
تحرر من قطيفته
ومزق عنه " تفتاه "
حزنت انا لمرآه
لماذا الله كوره ودوره .. وسواه ؟
لماذا الله أشقاني
بفتنته .. وأشقاه ؟
وعلقه بأعلى الصدر
جرحاً .. لست أنساه
لماذا يستبد ابي ؟
ويرهقني بسلطته .. وينظر لي كانيه
كسطر في جريدته
ويحرص على أن أظل له
كأني بعض ثروته
وان أبقى بجانبه
ككرسي بحجرته
أيكفي أنني ابنته
أني من سلالته
أيطعمني أبي خبزاً ؟
أيغمرني بنعمته ؟
كفرت انا .. بمال أبي
بلؤلؤة ... بفضته
أبي لم ينتبه يوماً
إلى جسدي .. وثورته
أبي رجل أناني
مريض في محبته
مريض في تعنته
يثور إذا رأى صدري
تمادى في استدارته
يثور إذا رأى رجلاً
يقرب من حديقته
أبي...
لن يمنع التفاح عن إكمال دورته
سيأتي ألف عصفور
ليسرق من حديقته
على كراستي الزرقاء .. استلقي يمريه
وابسط فوقها في فرح وعفوية
أمشط فوقها شعري
وارمي كل أثوابي الحريرية
أنام , أفيق , عارية..
أسير .. أسير حافية
على صفحات أوراقي السماوية
على كراستي الزرقاء
استرخي على كيفي
واهرب من أفاعي الجنس
والإرهاب ..
والخوف..
واصرخ ملء حنجرتي
انا امرأة .. انا امرأة
انا انسانة حية
أيا مدن التوابيت الرخامية
على كراستي الزرقاء
تسقط كل أقنعتي الحضارية
ولا يبقى سوى نهدي
تكوم فوق أغطيتي
كشمس استوائية
ولا يبقى سوى جسدي
يعبر عن مشاعره
بلهجته البدائية
ولا يبقى .. ولا يبقى ..
سوى الأنثى الحقيقة
صباح اليوم فاجأني
دليل أنوثتي الأول
كتمت تمزقي
وأخذت ارقب روعة الجدول
واتبع موجه الذهبي
اتبعه ولا أسال
هنا .. أحجار ياقوت
وكنز لألي مهمل
هنا .. نافورة جذلى
هنا .. جسر من المخمل
..هنا
سفن من التوليب
ترجوا الأجمل الأجمل
هنا .. حبر بغير يد
هنا .. جرح ولا مقتل
أأخجل منه ..
هل بحر بعزة موجه يخجل ؟
انا للخصب مصدره وأنا يده
وأنا المغزل ...
كي تزيد وسامتي
فبغير حبك لا أكون جميلا
قولي احبك كي تصير أصابعي
ذهب و تصبح جبهتي قنديلا
ألان قوليها ولا تترددي بعض الهوى
لا يقبل التأجيلا
سأغير التقويم لو أحببتني
أمحو فصول أو أضيف فصولا
وسينتهي العصر القديم على يدي
وأقيم عاصمة النساء بديلا
ملك أنا لو تصبحين حبيبتي
أغزو الشموس مراكب و خيولا
لا تخجلي مني فهذه فرصتي
لأكون بين العاشقين رسولا
على ظهر الريح ينط ويعوم على سطح النهر حتى ينتهيَ التيار ويغمس جنحيه في ضوء الشمس الذهبي معلنا السماء سماءه. ولكن الطير القابع في قفص ضيق لا يقدر أن ينظر من قضبان غضبه فقد قص جناحاه وربطت قدماه فيصدح بالتغريد. الطير المحبوس يغرد في رعشة خوف من أشياء لا يعرفها لكن ما زال يتوق إليها فيُسمع لحنُه من أقصى التل لأن الطير المحبوس يغني للحرية. الطير الحر يفكر بنسيم آخر وبريح الغرب تهب على الأشجار المتنهدة عليلة تنتظره سمان الديدان على المرج المشرق كالفجر ويسمي السماء سماءه ولكن الطير المحبوس يقف على قبر الأحلام يصرخ صرخة كابوس ظلُه فقد قص جناحاه وربطت قدماه فيصدح بالتغريد. الطير المحبوس يغرد في رعشة خوف من أشياء لا يعرفها لكن مازال يتوق إليها فيسمع لحنه من أقصى التل لأن الطير المحبوس يغني للحرية.
بالرّغمِ من أنّك تجلِسُ في حجرةٍ هي رصاصيّة، ما عدا للفضّة لورَقة القشّة، و التقِط عند ثوبك الأبيض الشاحِب؛ أو إرفع واحدة من الخرزات الخضراء لقلادتك، لتدَعها تسقُط؛ أو انظر الى الى مروحتِك الخَضراء مطبوعة بالأغصان الحمراء لصفصافة حمراء؛ أو، بإصبع واحِد، حرِّك الورقة في السّلطانيّة-- الورقةُ التي سقَطت من أغصان الفرسيتية* بجانبك... ما كُلُّ هذا؟ أعلمُ كيف بشراسة قلبك ينبُض
ذاتَ مرّةٍ في منتصفِ ليل موحش، بينما كنتُ أتأمّل، ضعيفٌ و قلِق،
وفوق كتلٍ عديدة من غرابةِ و فضولِ المعرفةِ المَنْسية.
بينما كنتُ أومئ، بالكاد أغفو،
فجأةً هُناك جاءَ دَقّ،
وكأنّه شخصٌ يرقّ،
على باب حجرتي يطُقّ،
"إنّه زائرٌ ما!" تأفّفتُ، "يدقُّ بابَ حجرتي؛
هذا فقط، و لاغيرَه معي."
آه، بوضوح تذكّرتُ، أنّه كان في ديسمبر القابِض،
و أنّ كلّ جذوةٍ مفصولةٍ ميّتةٍ شكّلت شبحاً لها على الأرض.
بلهفةٍ تمنيّتُ الغَدْ، عبثاً التمستُ لأنْشُدْ
من كُتُبي ينتهي الأسى، أسى لينور التائه،
للبتول المُتألّقة النّادرة التي يسمّونها الملائكةُ لينور،
بلا اسمٍ هُنا ويدور.
و الحُزنُ الحريريّ بحفيفٍ غير مُحدّدٍ لكلِّ سِتار ارجوانيّ
روّعني
ملأني بمخاوفَ رائعةٍ لم أحُسّها من قبلِ؛
و هَكذا الآن، حتّى بقاء خفَقان قَلبي، أتكبّدُ التّكرار،
"ثمّةَ زائرٌ يستجدي دخولاً عندَ باب حجرتي،
ثمّةَ زائرٌ مُتأخّر يستجدي دخولاً عندَ باب حجرتي،
هذا فقط، ولا غيرهُ معي."
حالياً روحي تَتَرعرع أقوى ،متردّدٌ إذن لن يبقى،
"سيّد،" قلتُ، أو "سيّدة، إنّما مغفرتُكَ أناشِد،
ولكنّ الحقيقة أنّني، كُنتُ غافياً أرمُقْ، وبرقّةٍ جئتَ أنتَ تطرُقْ.
و بخفوتٍ جئتَ أنتَ تدُقّ، تدُقّ عندَ باب حجرتي.
إنّني بالكاد كنتُ واثقاًً إنني سمعتُك."هُنا فتحتُ باتّساع بابَ حُجرتي؛-
ظلامٌ هُناك، و لاغيره معي.
عميقاً في تحديقةِ الظلام، طويلاً وقفتُ هُناك،
أتساءلُ ، أتخوّف
أتوجّس ،أتحلّمُ أحلاماً لم يجرؤ هالكٌ على حُلمها مِن قَبل أبدا.
لكنّ الصّمت لايقبلُ انكسارة، والسّكَنُ لا يُعطي اشارة،
و إنّما الكلمةُ الوحيدةُ المُثارة، كانت،
كلمةُ " لينور " الهامِسة!
هكَذا أهمُسُ، و الصّدى يتُمتمُ بعدي،
كلمةُ " لينور!"
هكذا فحسْب، ولا غيرهُ معي.
عدتُ الى حجرتي تتقلّب، و كلُّ الرّوحُ بداخلي تتحرّق،
مرّةً أخرى و بسرعةٍ سمعتُ دقّاً، شيءٌ أقوى منه قَبْل
"بالتّأكيد، " قلتُ، "بالتّأكيد ذاكَ شيء عندَ شَبْك نافِذتي.
دعني أرى، عندها ماذا سيكون هذا المُخيف، وهذا الطلْسمُ ينفضح
دع قلبي هادئاً للحظة، و هذا الطّلسمُ ينفضِح"
انّها الرّيح، ولا غيرها معي.
إفْتَحْ هُنا و دفَعتُ الدّرفة، عندها، و بكثير من التغنّج و الرّعشة
الى الداخل خَطا غُرابٌ جليل من الأيام التقيّة الغابرة.
من دون أقلّ احترام يفعله، و لا لوهْلةٍ تمنعهُ أو تُمهله؛
لكِن بشموخ الأمير أو السّيدة، جثَمَ فوق باب حجرتي
جَثَمَ على تمثالي بالاس، تماماً فوق باب حُجرتي
جثَمَ، و جَلَس، و لا غيرهُ معي.
إذ ذاكَ الطيرُ البَهيم يُحيلُ وهمي البائس الى ابتسام،
بأدبٍ عابس رصين لمَلامح تتلبّس،
"و إن يكُن عُرفُك مجزوز حلّيق.. وإن يكُن"
قلتُ "الفنُّ أبداً ليس جبان،
يا هذا الغرابُ الشبحيّ الصارم السّحيق،
تتسكّعُ من شاطئ الليل،
أخبرني ما اسمُ جلالتكُم هُناك في شاطئ الليل البلوتوني[1] "!
كرَعَ الغُراب "أبداً ، ليس بعد ذلك".
عجبتُ بهذا الطيْر الأخرق كيف أنّه يستمعُ لهذا الحديث بلباقة،
مع ذلك يكونُ جوابه يفتقدُ مَعنى، يفتقدُ أدنى صِلة؛
و هكذا لا يمكنُ ان نتّفق بعدم وجود كائن انساني على قيد الحياة
بُورَك بمجرّد رؤية طائر فوق باب حجرته
طائرٌ أو بهيمة على التمثال المَنحوت فوق باب حجرته،
و باسم مثل هذا "أبداً، ليس بعد ذلك".
لكنّما الغراب يجلسُ وحيداً على التمثال الهادئ،
لا يلفُظ إلا بتلك الكلمةِ الوحيدة،
لكأنّ روحهُ في تلك الكلمة التي يهذي،
لا شيء بعد ذلك لفَظْ،
و لا حتّى ريشة تنتفِضْ،
وهكذا إلى أنني بالكاد تمتمتُ
" أصدقاءٌ آخرون طاروا من قَبْل
و في الغدِ سيتركني،
مثل أمالي التي تركتني من قَبْل"
حينَها قال الطيْر "أبداً ، ليس بعد ذلك".
أفزعُ عند ذلك السّكون المقطوعِ بتلك الإجابة الرّصينة،
"من دونِ شكّ"، قلتُ،
"ما يُبديه هو المُدّخَر و البقيّة الباقية،
حصلَ عليها من سيّد تعيس
ظلّ يطاردهُ بسرعة و يطاردهُ سريعاً إعصارٌ غير رحوم
و هكَذا حتى أغنياته ظلّت تلازمهُ ضجراً
حتّى مراثي أمله ظلّت تلازمهُ سوداوية و ضجراً
بــ’أبداً.. أبداً، ليس بعد ذلك ’".
لكنّ الغرابُ مايزالُ يُحيلُ روحي الحزينة الى ابتسامة،
سُرعان ما اتخذتُ مقعداً وثيراً أمام طيْر ،و تمثالٍ و باب،
عندَها، و بغرقٍ مخمليّ، ذهبتُ بنفسي لأختَلي
رؤياً بعد رؤيا ، أتخيّلُ ما هذا الطّائرُ المشؤوم الأخير!
ما هذا الطائرالعابس الأخرق، الرّهيب، الهزيل، و المشؤوم الأخير
الذي يقصدُ بالنّقيق "أبداً، ليس بعد ذلك".
هذا أجلسَني فأختلجَ فِيّ التّفكير، لكن بلا كلمة أو تعبير
إلى الطائر الذي احترقَت عيناه المُشتعلتين الآن في صميم قلبي؛
هذا و المَزيد فجلستُ أُخمّن، و رأسي في رغَدٍ يُطمئِن
على مخملٍ يُبطّن وسادةً، ذلكَ الذي ينسّابُ عليه ضوءُ المصباح
لكِن لمَن بنفسجُ المخمل يبطَّن فيَنسابُ معهُ ضوءُ المِصباح،
لسوفَ ينضغطُ، آه، أبداً، ليس بعد ذلك.
عندَها، فكّرت، الهواءُ يزدادُ كثافة،
مُعطرٌ من مبخرة في الخفاوة،
مأرجَحٌ من قبل سيرافيم[2]
التي رنَّ وقْعُ قدمِها على الأرض المُظفّرة.
"صعلوكٌ،" أنتحِبُ، " الله أعاركَ هذا
بهذه الملائكة منحَ الراحة
راحةٌ و شرابُ سلوان لذكريات لينور،
تجرّع، آه تجرّع هذا الشراب اللطيف
و انسى تلكَ المفقودة لينور"!
كرعَ الغُرابُ "أبداً، ليس بعد ذلك".
"نبيّ!" قلتُ،
" شيءٌ خسيس،و نبيّ حبيس،
يكونُ طائراً أو إبليس!
هل كانت عاصفةً أرسلتكَ،
أم كانت عاصفةً قذَفت بك هنا الى الشاطئ!
مهجورٌ لكنك دائماً تُقدِم،
في هذهِ التربة المُقفرة تُفتن،
في هذا البيْت بالترويع تسكُن
اخبرني بصدقٍ، انني أتضرّّع
هل ثمّةَ .. هل ثمّة من بَيلسان في ارض الميعاد![3]
أخبرني..أخبرني، انّني اتضرّع"!
كرعَ الغُرابُ "أبداً، ليس بعد ذلك".
"نبيّ!" قلتُ، " شيءٌ خسيس! و نبيّ حبيس،
يكونُ طائراً أو إبليس!
بحقّ الجنّةِ التي تنحني من فوقِنا
بحقّ ذاك الإله الذي يحبّه كلانا
أخبر هذه الروح التي بوجعها تحتمِل هل من نعيم مُحتمَل!
هل سيكونُ لها أن تعانقَ البتولَ الطاهرة التي يسمّونها الملائكةُ لينور.
تعانق البتول النادرة المُتألّقة النّادرة التي يسمّونها الملائكةُ لينور".
كرعَ الغُرابُ "أبداً، ليس بعد ذلك".
"كُن تلك الكلمة إيذانُ فراقنا، أيّها الطائر أم الشيطان!"
زعقتُ، مُتهيّجاً "فلتعُد حيثُ العاصفة أو شاطئ الليل البلوتوني!
لا تترُك و لا ريشةٍ سوداء كتذكار لتلك الكذبة التي لفظتها مُهجتي!
أتركني فلا تكسر وحدتي!
غادِر التمثال فوق بابي!
ولتنزع المنقار خارج قلبي، و تنزع الهيكل بعيداً عن بابي"!
كرعَ الغُرابُ "أبداً، ليس بعد ذلك".
و الغُراب، فلاينتقِل، يبقى يستقرّ،
يبقى يستقرّ،
على تمثال بالاس الشاحِب تماماً فوق باب حجرتي؛
و عيناهُ تتهيّء كشيطانٍ يتطيّر،
و ضوء المَصباح فيهِ يتدفّق
ليُلقي بظلٍّ له على الأرضية
و روحي من خارج ذاكَ الظلّ الذي يمتدّ مُرفرفاً على الأرضية
فلا يبقى إلا!
أبداً، ليس بعد ذلك.
المساءُ الشّتائي يستريح
برائحةِ الستيكِ في الممرَّاتِ.
السّاعةُ السّادسة.
النّهاياتُ المُحترقة للأيام المُدخّنة.
والآن ينهمر دُشٌّ عاصف
النّفاياتُ الوسخة
للأوراق الذّاوية حول قدميك
وصُحُف عَن أقدار خاوية؛
زخات الدشّ تَرُش
على الستائرِ الفاسدة وقدورِ المدخنةِ،
وفي زاويةِ الشارعِ
حصان أجرة وحيدِ يَتبخّرُ وينْطفئ.
بعد ذلك تضيءُ المَصابيحِ.
II
الصباحُ يستعيد وعيه
في روائح البيرة تفوحُ شاحِبة موهنة
من شارع موطأ نشارة الخشَب؟1
و بتلك القدم الموحلة التي تَختُم
حتّى طاولات القهوة المبكّرة.
مع التنكّر للآخر
ذاك الذي يستهلّه التوقيت،
أحدُنا يتأمّل كل تلك الكفوف
التي ترفع ظلالاً قذرة
في ألف غُرفة مُؤَثَّثة.
III
رَميْتَ بطّانية من السّرير،
و ارتكزت على جِذْعك، وانتظرْت؛
نعسْت، و شاهدْتَ الليلَ يُفشي
الألفَ صورة قذرة
لما تقمَّصْتّه روحك سلَفاً؛
خفقت باتجاه السّقف.
و حينما عادَ العالمُ قاطبة
وانسلّ الضوءُ من بين الدرَفات
و سمِعْت الزقزقات في البالوعات،
سيكونُ لديك تلك الرؤية عن الشّارع
بينما الشّارع بالكاد يستوعب؛
أن تجلِسَ على طول حافةِ السريرَ،
حيث ضَفَرْتَ الصُحُفَ مِنْ شَعرِك،
أَو علّقت حفى قدَمك الصفراءَ
في نَخيلِ يديّك الملطّختين.
IV
اُرخيَت روحه بشدّة عبر السماءِ
تلك التي تَخْفُت خلف كتلةِ مدينة،
أَو لعلّها سُحِقَت بأقدامِ لحوحة
عند الرّابعة والخامسة والسّاعة السّادسة؛
وأصابع مربّعة قصيرة تَحْشو الأنابيب،
وصُحُف مسائية، وعيون
متيقّنة من افتراضات محدّدة،
الضّمير لشارع ينفُدُ بالقنوط
لن يتريّث و يتوقّع العالم.
انني أحومُ بالصّخب الذي انفتِل
حول هذه الصورِ، وتَدَلّى:
النّزوةُ لسرمديّة رقيقة
سرمديّة عناء لن يفنى.
كَفْكِف شِفاهك براحةِ يدك، واضحَك؛
تدُورُ العوالَمُ مثل امرأة أزليّة
تكوّم الوقود في الأقدار الخاوية.
لأنّك حينما تكونين شابة،
أي حياة ستلبسينها
لايهُم.
ستكونين أنتِ بالتأكيد؛
وإن كنتِ سعيدة
أي حياة
ستحقّقينها تلك
بنات أو أولاد لا يعني
أكثر مِنْ أن الجميع
يريد:
يُمْكِنُني أَنْ أتملكّها
وأصبحُ حبّها الوحيد
تلك الأعجوبة التي
تَجْعل أيّ لَحْم بشري
يتّخذ حيّزاً من المكان؛
وعقله يَقتلع الوقت
هكذا ويجبُ عليكَ
أن لا تتوجّس أبداً،
قد يشاء الله ويُحرمُك(برحمتِه)
حبيبكَ الحقيقي وخليلك:
بتلك الطريقة تخدَعك المعرفةِ
القبر الطفولي يسمّّى التقدّمِ،
وإنكار الميّت قدَراً مشؤوماً.
إنني أُفضّلُ أَنْ أَتعلّمَ مِنْ طيرِ واحد كَيفَ يَغنّي
على أن أعلّم عشرة آلاف نجمَ بأَنْ لا تَرْقُص.
محملة.. بثمار خفيفة علي الشفاه محلاة بألف زهرة متنوعة مظفرة.. بين ذراعي الشمس سعيدة.. بعصفور أليف مفتونة.. بقطرة مطر أجمل من سماء الصباح أمينة.. أتحدث عن بستان أحلم.. لكنني أحب حقاً.. لدي أول كلمة شفافة لدي أولي ضحكات جسدك يخف ثقل الطريق ونعود إلي البداية الزهرة الخجلي.. زهرة السماء الليلية أيادٍ موشحة بالارتباك أيادٍ طفلة عيون مرفوعة إلي وجهك.. إنه العيد الفتوة الأولي المكتملة واللذة الوحيدة بيت من طين.. بيت من روائح وورود بلا عمر.. بلا فصول.. بلا قيود والنسيان بلا ظل! ليس لليأس أجنحة.. ولا للحب أيضاً ليس ثمة من وجه لا أحد يتكلم.. أنا لا أتحرك أنا لا أراهم.. أنا لا أكلمهم لكني حي أيضاً مثل حبي.. مثل يأسي الغربان تصفع المدي.. الليل يتلاشي تجاه رأس يستيقظ مبيض الشعر مع آخر حلم واليدان تصنعان النهار بحركة دمهما بفركهما.. ثمة نجمة تسمي اللازورد ولها شكل الأرض أيتها المجنونة الصارخة بكل حنجرتها يا مجنونة الأحلام أيتها المجنونة ذات القبعات الوحيدة العين والطفولة المختصرة يا مجنونة الرياح الهوجاء ما الذي تفعلين لتكوني جميلة هكذا.. لا تضحكي.. فالجهل واللامبالاة يكتمان أسرارهما أنت لا تعرفين متي تبدئين التحية ولا كيف تقارنين نفسك بالروائع أنت لا تسمعينني لكن فمك يشاطرني الحب وإنما عبر فمك، وإنما عبر لهاث قلبينا نكون معاً.. يجب أن يوجد وجه يستجيب لكل أسماء العالم استدارة عينيك تكملان دورة قلبي كحلقة للرقص والعذوبة حيث للوقت هالته المجيدة ومجده الليلي وإذا كنت لم أعد أعرف كل ما عشته فلأن عينيك لم تكونا عليَّ كل الوقت أنت الصدي المعطر للأسحار الذي يضطجع علي سرير النجوم وكما النهار متصل بالبراءة كذلك العالم كله متصل بعينيك وكل دمي يسيل في نظراتهما..
| لدي أول كلمة شفافة..
| عُري الحقيقة
|الغربان تصفع المدي
| استدارة عينيك
علىَ نحوٍ مباغت تٌمزّق أستار الصمت صرخةُ : " هكذا تريد أن تعضّني أيها الكلب الملعون. هذا زمان ما عاد للكلاب حرّية عض الآخرين ..آه !.. آه أوقفوه !.
يندلع نباحٌ متواصل .. تتوجه أنظار " آخميلوف " ناحية الصوت .. هناك كلبٌ برجل عرجاء يفرٌّ هارباً من ناحية " مخزن أخشاب بنجوجن " ملاحقاً من قبل رجل ذي قميص أبيض يحاول الامساك به فيتعثر ساقطاً .. غير أنه يفلح في القبض عليه من قائمتيه الخلفيتين .. يعوي الكلب ومعه تستمر صيحات الرجل .
وجوه بعيونً ناعسة تطلً من نوافذ المحلات ؛ تطالع حشداً بشرياً ألتم سريعاً كأنه أنبثق من ثنايا الارض .
- " اتعتقد أنّ من الضروري توجيه اللوم والتوبيخ لتجمع غير مسموح به كهذا ؟".. يحاور أخمينوف شرطيَّةُ .
يستدير يساراً ويخطو باتجاه الحشد جوار الباب الرئيس لمخزن الأخشاب ، يشاهد الرجل ذا القميص الأبيض يرفع يداً عارضاً على العيون المبحلقة أصبعاً مُدمّىَ فيما وجهه يشي بتعابير رجل شبه مخمور : " إنتظر ! .. ساجعلك تدفع الكثير مقابل هذا ، أيها الشيطان " .
وسرعان ما يتعرف آخميلوف على الرجل : أنه " كربوكين " ؛ مثلما يشاهد الكلب خالق الجلبة يرتجف وسط الحشد وقائمتاه الاماميتان ممدودتان ..كلبٌ أبيض تبقّع ظهره بقعة صفراء ، عيناه تمتلئان بتعابير الخشية والقلق .
- " ما الخطب ؟ ! " .. يروح آخميلوف يتساءل ، صانعاً طريقاً له وسط الحشد " . لماذا تقف هنا ؟ وما الذي جرىَ لا صبعك ؟ ومن كان يصرخ ؟ "
- أنا .. لم أمَسَ أحداً .. ينطق " كريوكين " ثم يواصل " " كنت أتجول في غابة ديمتري ديمتر يفتش ، هناك عندما هاجمني هذا الكلب المتوحش وعضّ أصبعي .. ليس لديَّ ياسيدي غير هاتين اليدين أعمل بهما ، وعضّة هذا الكلب ستوقفني عن العمل لفترةٍ لا تقل عن سبعة أيام ، لهذا على صاحبه أن يدفع لي تعويضاً ؛ إ لا يوجد في القانون ما ينبغي تحمله من تبعات مخاطر الحيوانات ، لانّه لوترك لكل حيوان حرية العضّ والفتك بالآخرين فلن يبق أحد علىَ قيدِ الحياة في هـذا العالم . "
بصرامةٍ ظاهرة يرتفع حاجبا العريف آخميلوف ويهبطان :
- مَن هو صاحب هذا الكلب ؟ .. لن أسمح لمثلَ هكذا خروقات أن تحدث وتستمر. إنَّ علىَ الجميع أن لا يتركوا كلابهم طلقية كما تشاء ، لقد ولّىَ الزمن الذي يترك فيه من لا يطيع القوانين ساعاقب مالك هذا الكلب ، وسأعلمه من أنا يستدير إلى الشرطي المرافق :
- يا يلديرين ، تحرَّ عمّن يكون صاحب هذا الكلب .. هذا الكلب يجب أن يقتل .. أفعل ذلك سريعاً ، فقد يكون مسعوراً .. علىَ أي حال لمن هذا الكلب ؟
- يبدو أنّه كلبٌ الجنرال ييجالوف ، ينطق أحد من الحشد .
- للجنرال ييجالوف ؟ ها !.. يالديرين ، إخلع معطفي ! .. ما هذا الحر الشديد ! من المحتمل أن تمطر هذا اليوم .. يوجد ثمة شيء لا أفهمه كيف عضّك هذا الكلب ؟ " يتوجه العريف آخميلوف إلى " كريوكين " متساءلاً . " وكيف طال أصبعك ،أنه كلب صغير بينما أنت رجل كبير ؟ .. ربما فعلت ذلك بنفسك وأدعيت جرحك هذا من فعل هذا الكلب المسكين سعياً للحصول علىَ مال .. أعرفكم أيها الشياطين !!
- " أطفأ السيجارة في وجه الكلب لكن الكلب ليس غبياً فعضّه ، ياسيدي . " يتفوه الشرطي يلديرين .
- تكَذٌب ! .. ما شاهد مثل هذا ، ياسيدي ما شاهد مطلقاً .. ولكن دع الحاكم يقرر ، القانون يؤكد بسواسية الجميع في هذا العهد ؛ ولي أخ يعمل في قسم الشرطة فأن لم ..
- توقف !
- " كلاّ ! هذا ليس كلب الجنرال "يقول الشرطي يلديرين مظهراً إهتماماً ، " لا يملك الجنرال كلباً كهذا ، هذا كلب لا يمت إلى كلابه بشيء ".
- أمتأكد من ذلك ؟ " يسأل العريف آخميلوف .
- نعم ، كلّ التأكيد .
- وأنا متأكد أيضا .. كلابٌ الجنرال غالية الثمن ، أما هذا الكلب فليس له شعر مقبول ولا شكل يُعتَد به لماذا يقتني الناس كلاباً قميئة .. لو كان في بطرسبورنج أو موسكو مثل هذه الكلاب هل تخمن ما يحدث ؟ لن يجهدوا أنفسهم في البحث في فقرات القانون للتخلص منها ، بل يصنعون لها نهاية سريعة .. " ياكريوكين " لا شكّ أنك تعاني من ألم الجرح لذلك سوف لا أترك الأمرَ يجري عادياً ، سألقن مالكي هذه الكلاب درساً .. ولكن يبتسم آخميلوف مفكراً ! أعتقد أنني شاهدت هذا الكلب في باحة الجنرال .
- "طبعاً ؛ إنه كلب الجنرال " يأتي صوت من عمق الحشد .
- يالديرين ؛ ساعدني .. ألبسني معطفي وخذ الكلب إلى الجنرال تأكد إن كان له أم لا. قل وجدته في الطريق فأتيت به ؛ قدم لهم رجاء إرجوهم أن لا يتركوا الكلب في الشارع ، لأنه كلب ثمين وقد يرتكب أحدهم حماقة فيطفىء سيجارة في خطمه فيتسبب في إيذائه ، الكلب مخلوق رقيق .. وانت أيها الغبي .. إنزل يدك فلا ضرورة لعرض أصبعك السخيف ، إنها حماقتك .
- ها هو طباخ الجنرال ، دعونا نستفهم منه .. مرحباً بروخور تعال هنا للحظة ، إنظر هل هذا كلبكم ؟ !
- هذا ! .. لم نقتن مثل هذه الكلاب في حياتنا أبداً .
- هذا كلب لا يستحق السؤال عنه .. يتمتم آخميلوف .. متشردّ وينبغي قتله .
- كلا .. ليس لنا مطلقاً ، بل هو عائد لأخ الجنرال الذي وصل إلى المدينة توّاً .
سيدي لا يفضل هذه الأنواع ، إنما أخوه من يرغبها .
- هكذا إذاً أخوه فلا ديمير إيفانوفيتش وصل إلى هنا " يتساءل آخميلوف بمحّياً مشرق وأبتسامة تغمر وجهه : " حسناً ، حسناً ، لم أكن أعرف ذلك . " إذاً هو في زيارة لمدينتنا !
- نعم ، ياسيدي في زيارة ، تحلاف .
- حسناً ، حسناً وهذا هو كلبه ، أنا مسرور جداً خذه ! يالهُ من كلب صغير وبارع ، سريعاً أمسك باصبع هذا الرجل ها .. ها .. ها ، لماذا ترتجف أيها الكلب الصغير .. لم تفعل شيئاً يستحق الخوف ؛ وهذا الرجل وغد وشرير..
ينادي " بروخور " على الكــلب ويذهب به بينما يوجه أخميلوف تهديداتــــه إلى " كريوكين "يحكم شدّ معطفه علىَ جسده ثم يتخذ طريقه إلى داخل السوق يتبعه الشرطي يلدرين حاملاً الفاكهة المصادرة ..

تشيكوف
(0) تعليقات
















