مرفـــأ
....ســــــاحـة لـــلادب والثقــافـــــــة ....
.
.

الانتقام..الكاتب التركي عزيز نيين

ترجمها جمال درويش
 
 كثيرا ما كان رب العمل قاسيا في تعامله مع عامليه، إلا أن معاملته لحيدر كانت تتسم بفظاظة وقساوة أكبر ولها
 صورة أخري مختلفة تماما، لم أستطع فهم ذلك، ولماذا هذه القسوة؟ لاشك أن حيدر كان بطيئا في انجاز ما يكلف به، الا ان هذا لا يعني أنه كان يتواني أو يهمل في عمله بل العكس تماما، فقد كان يعمل دون كلل أو ملل، بل دون تباطؤ، نعم كان أكثر العاملين نشاطا برغم انه كان يتقاضي الأجر الاقل بين الجميع، إن شابا نشيطا ومجدا مثل حيدر لابد أن يكون أجره أعلي من الجميع فيما لو عمل في مكان آخر.
كان المعلم فظا غليظا وقاسيا مع جميع عامليه، الا انه كان يعاملهم بمنتهي اللطف واللين فيما لو كان عنده ضيف أو زائر، لطف غير عادي يعكس تعامله مع حيدر.
يبلغ عدد العاملين في هذا المكان ما يربو علي الأربعين شخصا، كل واحد منهم خبير في مجال عمله، أو كما يقال عبقري في مجال عمله، بينما كان حيدر الخبير الوحيد في جميع مجالات العمل، ومع ذلك لم يستطع حيدر استقطاب اهتمام معلمه، علي الرغم من انه لو تغيب عن عمله لتوقف العمل دون شك، أو لنقل انه لو تغيب عن عمله ذات يوم بسبب طاريء أو مرض ألم به، لبدا واضحا للجميع انه غير موجود، حقا انه كان يقوم بأعمال ثانوية وغير مهمة، يعني أعمالا هامشية من إحضار وإرسال، نعم هامشية وغير مهمة، لكن لها انعكاساتها الاساسية علي باقي مجالات العمل ولو لم تنجز هذه الأعمال الهامشية لتوقفت الأعمال الرئيسة لا محال.
- حيدر جهز الشاي.
يذهب حيدر ويحضر الشاي، ومع ذلك يصرخ المعلم عند عودته:
- لم تأخرت؟
- حيدر أطلب لنا سيارة أجرة!
يقوم حيدر بطلب سيارة ومع ذلك يغضب المعلم لتأخره قليلا.
- حيدر ضع هذه الرسالة في صندوق البريد!
- هيا يا حيدر أحضر الصحف بسرعة
- حيدر خذ الوصفة واشتر لي الأدوية.
- هيا يا حيدر ادفع فاتورة الكهرباء وعد بسرعة.
- يا حيدر لم لم تنظف البلور بشكل جيد؟ عليك إعادة تنظيف جميع الزجاج بعد انتهاء دوامك.
- ولك، هل عميت ألم تلاحظ أن زجاجة العطر فارغة، هيا اذهب واشتر زجاجة أخري.
- أمسك معطفي.
- هيا لا تتلهي، اذهب بسرعة واجلب كل ما في صندوق بريدي
- خذ هذه النقود، واذهب الي المصرف وسدد قيمة هذا السند
- احضر باقة الزهور التي سبق أن طلبتها.
ولا ينتهي عمل حيدر، لأن طبيعة عمله غير معروفة، فهو مكلف بأي عمل، مسح الغرف، نفض الغبار عن الطاولات، تنظيف المراحيض، تشغيل مدافيء الغاز اذا ما تعطلت أجهزة التدفئة المركزية، واضافة الي ذلك يقوم بمهمة صيانة أجهزة الاتصالات، كذلك بكل ما يتعلق بالبريد والمصارف، وغير ذلك من أشياء وأشياء.. وبرغم هذا كان رب العمل يحقره ويشتمه، وكثيرا ما كان يقول له ولك ويصرخ به:
- ياحمار أو ياحيوان بل كان في بعض الاحيان ينعته بالكلب.
وجه حيدر لا يضحك للرغيف السحن كما تقول العامة ، حتي أنني لم أره يضحك قط، وكيف له أن يضحك وجميع ما يقوم به لا يعجب أحدا؟.
ذات يوم مرض المعلم، ونقل الي المشفي بسبب قصور في القلب.
جمعينا كنا ننتظر خبر وفاته، وإذا به يخرج بعد شهر من المشفي، نحل كثيرا وهزل جسده، حتي أن ثيابه باتت فضفاضة عليه، لذلك لم يكن أمامه الا خياطة ثياب جديدة، بعد عدة أشهر اصيب بالفالج، وأدخل المشفي من جديد، وتم انقاذه مرة أخري بينما كنا نقول هاهو ذا قد مات أو سيموت تحسنت صحته قليلا فتم اخراجه من المشفي، وراح يتردد علي مكان العمل بصورة متقطعة، كان مكتبه في الطابق الاول، لذلك كان لابد أن يصعد عشرين درجة علي السلم كي يصل الي هناك.
كانت همته ضعيفة خاصة انه شفي من مرضين مميتين، لذلك كان يصعد السلم ببطء شديد، وكثيرا ما كان يتوقف عند كل درجة كي يلتقط أنفاسه، وفي أثناء صعوده ونزوله كان يستند الي جدار ويتمسك بحاجز السلم، وهكذا حتي يصل الي مكتبه.
لكن لا أدري ماهي الأسباب التي أدت الي تغير تصرفات حيدر بصورة مفاجئة.
كثيرا ما كان يقوم بحركات بهلوانية يعجز عنها أفضل لاعبي السيرك المحترفين، وكثيرا ما كان يقوم بهذه الحركات لحظة صعود المعلم السلم مستندا ومتمسكا ولاهثا، متقطع الأنفاس، وكثيرا ما كنت تشاهده وهو يتوقف في أثناء الصعود والنزول بينما تجد حيدر ينزل ويصعد راكضا بسرعة كبيرة، حاملا بكلتا يديه شيئا ما. لا يمكنك إلا أن تستغرب عندما تشاهده وهو يركض بطريقة عجيبة، حتي أنك لا تستطيع مشاهدة أسفل حذائه وهو يلمس درج السلم، بل انك في بعض الاحيان تسمع حفيف لمستهما الخفيفة من شدة السرعة، وفي أحيان أخري تشاهده يقوم بحركاته الغريبة ويحمل صينية عليها بعض الكؤوس وإبريق شاي بيد وبالأخري بعض الملفات وتحت إبطيه أشياء أخري.
وكأنه كان يتعمد القيام بمثل هذه الحركات الغريبة المدهشة لحظة صعود المعلم أو نزوله.
وكثيرا ما كان يصعد وينزل مرتين أو ثلاث مرات حاملا بكلتا يديه شيئا ما، بينما لم يتم المعلم رفع قدمه من درجة الي أخري، خاصة أنه كان يجد ما يسوغ صعوده ونزوله.
فقد دبت فيه الحياة، وبعدما كان لا يضحك للرغيف السخن أو للفتاة الجميلة كما يقولون، فأصبحت تراه يبتسم كثيرا، وهذا دليل تفاؤله ومدي سعادته وسروره.
كأن بين تباطؤ حركات المعلم في أثناء صعوده ونزوله، وسرعة حيدر علاقة عكسية، فكلما تباطأت حركات المعلم ازدادت سرعة حركات حيدر الغريبة العجيبة، وكأنه في ذلك يستعرض قدراته أمام المعلم، ولو قدر له أن يقوم بمثل هذه الحركات علي خشبة السيرك لصفق له خيرة مهرة السيرك، كان يجري بسرعة كبيرة كأنه نسيم ربيعي، وأنت تشعر به وكأنه سيطير من مكانه.
صار المعلم يخشي أن يرتطم به حيدر أو يلقيه أرضا وهو يمر بجانبه راكضا، من تأثير الزوبعة التي يخلفها في أثناء جريه، لذلك تجده يلتزم جانبا، ملتصقا بالجدار ويرمقه بنظرات استغراب ودهشة.
أثارت تلك التغيرات دهشتي فسألته ذات يوم عن أسبابها:
- ما بك ياحيدر؟.. أجدك تركض علي السلم كلما صعد المعلم أو نزل مثل الإعصار؟
ضحك حيدر حتي بانت أسنانه:
- إنني أنتقم.
لم يصب التغير حيدر فحسب بل كذلك رب العمل، فتوقف المعلم من نعته بصوت عال بالحمار والحيوان أو الكلب في بعض الاحيان، بل راح يلاطفه مثلما كان يلاطف الآخرين قائلا: يابني، يا صغيري، يا ولدي حيدر، منذ أن راح يخشي أن يصدمه وهو راكض كالإعصار ويوقعه أرضا بينما يقف هو ليلتقط أنفاسه.

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.