مرفـــأ
كوني لي مرفأ
.
.

تزداد الشكاوى من أساليبي .. الكاتب الألماني مارتين فالسر

jeeran.blog

 
ترجمة :عدنان حبّال 
 
الجرأة الضرورية لكل من أراد أن يصبح لصاً يسطو على صناديق التوفير ويخطو بثبات فوق أرض صالة البنك المصقولة المضاءة، هذه الجرأة كانت تنقصني عندما ألحّ المهتمون بتربيتي عليّ أن أختار بنفسي مهنة أمارسها. كنت أرغب في شغل الغابات، لكنّ هذه أيضاً مهنة تحتاج إلى جرأة اللصّ الذي يقتحم المصارف ويسطو عليها. بل يبدو لي عن كثب أنّ الإنسان، لكي يمارس أية مهنة كانت، يحتاج إلى جرأة رجل يقتحم الساحة بمسدس مملوء بالرصاص -أو فارغ كما يحدث في حالات كثيرة- ويفرض سيطرته على الجميع. ويحصل على ما يريد من مال، ثم يبتسم ويتراجع ويختفي فجأة كما ظهر.‏

وهكذا قررت أخيراً العمل كبواب. وأصبحت فعلاً بواباً في مصنع للألعاب. كنت أظنّ أنّ الكثيرين من زملائي البوابين يصابون بعد ممارسة هذه المهنة بالعجرفة والجلافة، وأنهم أثناء وبعد دوامهم الرسمي يختالون بين الناس بوجوه باردة قاسية، ويشيرون حولهم بحركات من أيديهم تعبّر عن الصدّ والازدراء. لكني لم أصبح كذلك، رغم أنني أبذل ما بوسعي كي أؤدي عملي طوال النهار بأسلوب قاسٍ تماماً لا رحمة فيه ولا عاطفة. حتى أنني ألِفْت وجودي في حجرة البوّاب الزجاجية منذ البداية، وأنِست إليها كبيْتي. وفهمت أيضاً على الفور كيفية تشغيل الأزرار لفتح وإغلاق الأبواب المحروسة بعد أن شرحوا لي ذلك مرّة واحدة فقط. وما أن تصفحت دليل الهواتف الداخلية لمسؤولي الشركة حتى حفظته كلَّه عن ظهر قلب.‏

وأعترف الآن أنني أحسست بشيء من الرهبة عندما واجهني أول زائر اقترب مني. خفت أن يلقي عليّ أسئلة لا أستطيع الإجابة عنها وخشيت ألاّ أوفّق في اختيار التعبير المناسب الذي يتوقعه الضيف جواباً عن سؤاله. إذ من السهل جداً أن يفشل البوّاب في عمله، لأنّ هؤلاء الضيوف الزائرين الذين يفدون إلى المصنع الواحد تلو الآخر رجال يتصفون بالوجاهة الكاملة، والبواب لا يعرف من منهم يحبّ رؤساؤه في الشركة استقباله ومن لا يحبون. أضف إلى ذلك أنّ كلّ من يعمل في المصنع يعتقد أنه رئيس للبواب. ليس ثمة زملاء للبواب، بل كلهم رؤساء له، وعليه أن يتصرف بأساليب ترضي عنه الجميع.‏

قد يظنّ بعض الناس أنّ على البوّاب فقط أن يرفع سماعة الهاتف ويتصل بالمكاتب ويسأل ما إذا كان السادة المسؤولون فيها يرغبون بالسيد الزائر فلان أو لا يريدون رؤيته. لكنّ الرؤساء في المكاتب حسّاسون جداً، وقد يؤدي استفسار هاتفي من هذا النوع إلى استفزازهم بشكل فظيع، فينهالون على البواب عبر الهاتف صراخاً وتوبيخاً، بحيث يجد نفسه عاجزاً تقريباً عن تمالك نفسه وحبس دموعه في عينيه، لاسيما وأنّ الزائر يبقى واقفاً في مواجهته ينتظر الردّ العاجل وقد التصق بالكوّة وثبّت نظراته على البواب بفضول. وكذلك فإن ردّ البواب المرتقب لا يجوز أن يدلّ على شيء من الصراخ والتوبيخ القادميْن من السيد في المكتب الفخم صاحب الأعصاب المرهفة والمرتّب الشهري الضخم. إن واجب البواب يحتم عليه أن يترجم على الفور صرخة الغضب التي أطلقها السيد فوق بسبب انزعاجه الكبير إلى ابتسامة ما تعبّر عن الأسف، وإلى حركة مهذّبة تواسي الزائر وهو يستدير عائداً من حيث أتى وينسى أنهم طردوه.‏

إنّ عملية الترجمة الفورية هذه تحتاج -صّدقوني- إلى تعلّم وإتقان. وأنا أفعل أكثر من ذلك، فكثيراً ما أميل برأسي كلّه، وعليه سماعة الهاتف، إلى الخلف حتى أصل إلى بطانة معطفي المعلق ورائي، واستخدم هذه البطانة كاتماً للصوت، يمنع عن أذنيْ الضيف سماع الصراخ الهائج الوارد من المكتب. وبالمناسبة هناك أمر من الإدارة العليا -أي من صاحب المصنع شخصياً- يمنع معاملة الزائر بخشونة مهما كان هذا الزائر. وينطبق هذا الأمر العلوي طبعاً على الجميع، ولكن لا يطلب تنفيذه عملياً وواقعياً إلاّ من البواب، وقد نفّذته راضياً مسروراً، لأنني أجده أمراً حسناً ويستحق أن يوضع في منزلة أفضل من غيره من أنظمة المصنع.‏

ثم عوّدت نفسي عدم اللجوء للهاتف إلا نادراً وعند الضرورة القصوى صرت أتفحص الزوار وأختبرهم أوّلاً، ثم أقرر ما إذا كانوا على حقّ في طلبهم مقابلة رئيس قسم المشتريات أو وكيله أو رئيس قسم التصميمات أو متعهد المقصف أو حتى أحد المدراء بما فيهم رئيس المستخدمين. وربما تسرّعت في ردّ البعض على أعقابه دون مبرر منطقي، لكني اكتسبت بعد فترة من استلامي العمل وبالتدريج الخبرة والقدرة اللازمتين لاستجواب كلّ شخص يقف أمام كوّتي باسلوب غير متكلّف ولا يثير أية شكوك. إنه أسلوب مختلف تماماً عن أساليب المحققين الجنائيين أو من على شاكلتهم من الفضوليين. أسلوب يبدو حديثاً مرتجلاً شيّقاً يستمتع به الطرفان ويؤدي مع ذلك إلى الوصول بدقة للغرض المطلوب، بحيث أكون في نهاية هذا الحديث قد أحطت إحاطة كاملة بمدى أهمية هذه الزيارة بالنسبة لمصنعنا، وصرت في وضع يمكنني فيه أن أقرّر وأنا مرتاح الضمير: هل أردّ الزائر على أعقابه أم أفسح له الطريق ليدخل!‏

وحتى عندما أصدّ الزائر -وهذا ما يحدث في أغلب الأحيان- أعرف كيف أُقنعه بعدم جدوى لقائه مع ذلك السيّد الذي أراد التكلم معه في مصنعنا. لقد حصلت على معلومات وفيرة حول كلّ الاختصاصات الفنية المتعلقة بعملنا، بحيث أستطيع أن أعطي جواباً دقيقاً إلى مندوب شركة ما جاء ليفاوض رئيس قسم المشتريات في عقد صفقة من الصاج الأبيض مثلاً، وأن أبيّن له فُرص عرضه في النجاح أو الفشل. كذلك تعلمت كيف أطيّب خاطر تجار المفرّق الساخطين الذين يأتون لمقابلة رئيس قسم المبيعات، وأن أهوّن المسألة على الفلاحين الذين يريدون تموين مقصف المصنع بمنتجاتهم الغذائية، وعلى المصمّمين الذين يفدون زرافات وأفراداً ليهاجموا رئيس قسم التصميمات، وليلحّوا عليه في شراء تصميماتهم عديمة الفائدة لنا.‏

كذلك استطعت حماية مصنعنا من شرّ الكتّاب والرسّامين ذوي النظرات القاسية المتحدّية، وهم يحاولون الانتقام من رئيس قسم الدعاية لأنه بعث إليهم رسائل يرفض فيها عروضهم، رغم أنّ هؤلاء المصمّمين والفنانين لا يقتنعون بالكلام العاقل المتزن إلاّ بصعوبة أكبر. وهكذا فأنا هنا على باب المصنع أمثّل شخصياً (ولا يمكنني أن أجد تعبيراً أكثر دقّة من تعبير التمثيل الشخصي) كلّ السادة المدراء والمسؤولين. وإنّ ما يحققه المصنع من زيادة مطّردة في المبيعات يعود إلى أسباب ليس آخرها أنني أقوم هنا بتحصين الشخصيات الكبيرة عندنا، وهي شخصيات ما أسهل تعرّضها للإصابة بالانزعاج من مقابلة الزوّار.‏

لكن هؤلاء السادة لا يحسّون بذلك على الإطلاق. إنّ هذه الشخصيات الهامة لا تفهم مثلاً أنني أحتاج إلى وقت وجهد كبيرين كي أقنع هذا الزائر أو ذاك إقناعاً حقيقياً متيناً لا يتسرّب إليه الشكّ بعدم فائدة الزيارة أو المقابلة المطلوبة. ولقد أدّت النقاشات الطويلة التي كنت أجريها عبر كوّة غرفتي مع الزوار العنيدين إلى أن يتشكّل (بعد أن يمرّ بالكاد نصف ساعة على بدء الدوام) طابور من الناس يزداد طوله من لحظة إلى أخرى. وهاهي ذي الشكاوى من أساليبي في معاملة الزوار تزداد وتزداد. وخاصّة لأنّ بعضهم زيّنت له قلّة أدبه أن يتخذ من الحشد المتزاحم ستاراً يتسلل خلفه إلى داخل المصنع دون استئذان، أو لأن أحد السادة المدراء شاء أن يغادر المصنع مسرعاً على حين غرّة، فعطّله طابور المنتظرين لحظات عن الخروج..‏

صرت أسمعهم يقولون إني أعمل ببطء شديد أو بتثاقل يزيد عن الحدّ المعروف والمسموح به للموظفين بل ويتجاوز الموضوعية. لكنّ هذه الألوان من الشكوى والنميمة لا تكشف إلا عن ضآلة المعرفة بطبيعة عملي، بحيث أنني لا أدري في الواقع كيف أدافع عن نفسي تجاهها. وأودّ أن أرى ما سيحدث لو أنني عاملت الزوار بخشونة واختصار، ربما ظلّ مدخل المصنع في هذه الحالة فارغاً وخالياً من الناس، لكن هواتف الإدارة لن تكفّ عن الرنين ونقل مكالمات الاحتجاج الصارخ، وعندها سوف تسوء سمعة المصنع كثيراً وينخفض رقم توزيع منتجاته بشكل مريع. إذ إنّ أمر الإدارة العليا بعدم الإساءة إلى أيّ زائر كائناً من كان لم يصدر اعتباطاً، وأنا لا أستطيع أن أركض إلى المدير العامّ راجياً منه أن يُخرس تلك الأفواه الشاكية من أساليبي. سيقول لي ساعتها بكلّ بساطة إنّ عليّ أن أفعل كذا دون أن أتجاهل أمراً آخر كذاك. ولكن كيف يمكنني أن أقنع زائراً بأنّ الشركة لا تستطيع استقباله وأبقى سريعاً ومهذّباً في آن واحد؟‏

يستطيع المرء أن يقنع بجملة واحدة شخصاً ما ربح الجائزة الأولى في مسابقة ما" أما أن يقنعه بأنّ التصميم أو النصّ الذي يقترحه أو الصاجات أو الخضار التي يريد بيعها كلها أشياء لا تحتاج الشركة إليها.. أن يشرح له ذلك بأسلوب يؤدي إلى مغادرة الزائر المبنى وهو يتغنّى بمديح الشركة وموظفيها، فهذه مهمة أتمنى لو يجرّبها واحد من زملائي أو أعدائي مرّة واحدة خلال دقيقتين...‏

إذن ماذا بوسعي أن أفعل؟ إنّ طابور المراجعين أمام غرفتي يزداد طولاً يوماً بعد يوم. وأنا أحس بمزيد من الحيْرة والقلق، لأنني أدرك الخطر الذي يداهمني. وهكذا لم يعد كلامي مع الزوار يخرج من فمي سلساً منساباً كما كان فيما مضى. وها أنا ذا أتلعثم وأتصبب عرقاً، بل وأحتاج إلى وقت أطول من الوقت الذي كنت أستهلكه، ودون أن أتوصّل إلى النتائج التي كنت أتوصّل إليها في التخفيف عن أصحاب الحاجات في كلّ الحالات..‏

وقد حدث بالفعل أن ثار أحدهم ضدّي، صرخ في وجهي وشتمني، ثم دفع الباب وانطلق خارجاً بحنق وغضب. ماذا أفعل؟ لم أعد قادراً على تغيير الوضع السيء الذي وصلت إليه الأمور، ولابد لي أن أعترف أخيراً بأن السبب الذي دعاني إلى تسجيل مراحل التطور الذي مررت به في عملي بهذا الإسهاب والتفصيل هو أنني أريد بصراحة أن أبرّر موقفي، راجياً أن أجد في أيّ مكان، خارج المصنع على الأقل، تفهماً لسلوكي وتصرفاتي. فلقد دعيت للمثول غداً أمام السيد مدير المستخدمين، وظننت لأول وهلة أنّ المسألة لن تتعدّى لفت نظري أو تنبيهي من باب التحذير المبدئي. لكني لم أعد الآن أظنّ ذلك، لأنّ رجلاً فظاً جلفاً ذا فم بلا شفتين وقف بالأمس في الطابور أمام كوّتي وطلب مني أن أخبر السيد مدير المستخدمين بقدومه، وقال إنه جاء بناء على استدعائه مباشرة من قبل المدير نفسه.‏

وسألته وأنا أدير قرص الهاتف عن الموضوع الذي يريد التحدث فيه، فاعترف بأنه يتقدّم لشَغل وظيفة البواب التي أعلنت الشركة عنها. وطبعاً نجح الاتصال الهاتفي من المرّة الأولى، وأبلغت من الزائر القادم، لكن سبابتي التي أدرت بها قرص الهاتف بردت فجأة وتصلبت وصارت قطعة من الجليد، أما الرجل فقد دخل المبنى وعاد بعد نصف ساعة منشرح الصدر منبسط الأسارير، حتى أنني سمعته يصفّر بفمه غير المرئي وبوضوح لحناً يعبّر عن الفرحة الغامرة. وتابعته بنظرات مشدوهة وقلت في نفسي: على الإنسان أن يملك جرأة هذا الرجل وأن يكون جريئاً في كلّ شيء. لكني ظللت طوال الوقت أحسّ بشيء من الخجل لأنني لم أستطع أن أكون سوى بواب.. وها أنا ذا أتبيّن الآن أنّ الإنسان يحتاج، لكي يكون بوّاباً أيضاً، إلى جرأة اللصّ الذي يسطو على مصرف. يحتاج إلى تلك الجرأة التي أبحث الآن عنها في نفسي دون جدوى...

 
المصدر:مجلة الاداب الاجنبيةالعدد 92

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.