مرفـــأ
كوني لي مرفأ
.
.

ثور في غرفة الجلوس .. الكاتب الانكليزي هيكتور هوغ مونرو

 
ترجمة :عيسى اسماعيل
 
كان "تيوفيل إيشلي" فناناً تشكيلياً. لقد رسم أبقاراً كثيرةً، لأنّه عاش في مكان تتواجد فيه بعض الأبقار، وهذا لا يعني أنّه، مثلاً، عاش في مزرعةٍ للأبقار. كان بيته في ضاحيةٍ مليئةٍ بالبيوت الصغيرة، وعلى أحد جانبي حديقته، امتدّ حقلٌ صغيرٌ رائع لجارته، وهي امرأةٌ غنيّةٌ، وضعت في حقلها بعض الأبقار الجميلة.‏

وفي ظهيرة يومٍ من أيام الصيف كانت الأبقار تتراخى على العشب الطويل تحت كوخٍ كبيرٍ مصنوعٍ من خشب البخور، يومها، رسم "إيشلي" لوحةً لبقرتين حلوبين، في أثناء الاستراحة، تحت أشعة الشمس التي تخترق سقف الكوخ، هنا وهناك، فتشكل بقعاً ضوئية جميلة داخله.‏

وبعد ذلك بفترةٍ من الزمن، عرضت "أكاديمية الفنون"، ولبعض الوقت، اللوحة على الجدران، في معرضها الصيفي، وبعد هذا بأيامٍ معدودة رسم "إيشلي" لوحةً أخرى جميلةً لأبقارٍ جميلة نائمة بهدوء تحت شجر البخور.‏

أصبح "إيشلي" متخصصاً بهذا النوع من الرسم، واستمر فيه لفترةٍ طويلة. ففي لوحته "استراحة الظهيرة" نرى بقرتين إحداهما رمادية اللون والأخرى بنيّة. أمّا لوحته "حلم بائع الحليب" فجاءت بعد لوحته الأولى بأيام قليلة، ثم تلتها لوحته "مكان الاستراحة". وهكذا نرى أنّ لوحاته تحوي أشجار البخور والأبقار الرمادية والبنيّة والعشب الطري. حاول أن يرسم لوحاتٍ أخرى، ذات عناصر مختلفةٍ لكنه فشل، وكانت محاولاته عبثاً، وإضاعة للوقت، ليس أكثر...!!‏

بعد ظهر يوم من أيام الخريف، وكان قد انتهى لتوه من وضع اللمسات الأخيرة للوحته "أعشاب الحقل" جاءت جارته "أديلا بنكسفورد" وبعد أن طرقت الباب الخارجي عدة طرقاتٍ وقالت: "هناك ثورٌ في حديقتي..!!"‏

-"ثور؟! أي نوع من الثيران هو؟!" قال إيشلي بحماقة.‏

-"أواه.. لا أعرف كلّ أنواع الثيران... ثور عادي... حديقتي التي أعددتها جيداً قبل بدء الشتاء.. يتجول فيها ثور.. بالتأكيد لم يأتِ لكي يحسّن من مظهرها.. هناك أزهارٌ بدأت تتفتح وهو يشكل خطراً عليها..." قالت السيدة بصوتٍ حاد.‏

-"كيف دخل الحديقة؟!" سألها إيشلي.‏

-"أعتقد أنّه دخل من البوابة.. فهو لا يستطيع تسلق الجدران...‏

ولا أعتقد أنّ أحداً ما قد رماه من الطائرة في حديقتي..!!‏

السؤال المهم.. كيف نخرجه منها؟!" قالت إديلا بنكسفورد بغضب.‏

فكرّ إيشلي قليلاً ثم قال:‏

-"دعوه يخرج.‏

-"هذا إذا كان ينوي الخروج من تلقاء نفسه.. يجب أن نذهب إلى هناك لنحدثه عن الأمر...!! الخادمة ليست في المنزل.. والطباخة ما تزال نائمةً في فراشها.. أنت جاري.. وأنت رسام.. ولا بدّ أن تعرف شيئاً ما عن الأبقار.. فكرت أنك ربما تساعدني للخروج من هذا المأزق.. هل أنا مخطئة؟!" قالت أديلاّ بعصبيةٍ.‏

-"إنني أرسم الأبقار بالتأكيد، لكنني لا أستطيع القول إنّني أمتلك تجربةً، مثل تجربة راعي البقر، الذي أشاهده في السينما...‏

فنحن نرى حيوانات كثيرة... بقر... خيول.. وربما تعطينا السينما صوراً غير واقعية..." ردّ إيشلي بهدوء.‏

لم تقل أديلا شيئاً بل قادته إلى حديقتها.‏

كانت الحديقة كبيرةً، لكنّ وجود الثور فيها جعلها تبدو صغيرةً. كان الثور ضخماً، أحمراً، داكناً، وله أذنان يكسوهما الشعر، وكان يختلف عن البقرات الصغيرات الجميلات، اللاتي اعتاد إيشلي أن يرسمها.‏

توقف إيشلي، ومعه أديلا، قرب البوابة.. بوابة الحديقة. وأخذ يتأمل مظهر الحيوان وتصرفاته وكانت أديلا صامتةً، لم تتفوه بأية كلمة.‏

"إنّه يلتهم واحدةً من أزهارك النادرة!!" قال إيشلي عندما أدرك أن الصمت أصبح يُعتبر في هذه اللحظات، عملاً جباناً..!!.‏

-"أنت ترى بنفسك كلّ شيء.. لقد التهم ستّ زهراتٍ نادرات..." قالت أديلا.‏

شعر إيشلي أنّ عليه أن يفعل شيئاً ما. تقدّم خطوةً أو خطوتين باتجاه الحيوان. صفق بيديه وقال كلمة واحدةً "هش" غير أنّ الثور لم يبدِ أية ملاحظةٍ تظهر أنّه قد سمع صوت إيشلي.‏

-"لو أنّ دجاجاً قد دخل الحديقة.. وأرسلت لأحضرك كي تخيفه فكنت ستهشّ عليه بشكل جميل...!.. حاولْ أن تبعد ذلك الثور.. تلك زهرةٌ نادرةٌ أخرى تُدعى "زهرة الآنسة لوسي بيكون"...بدأ الآن يلتهمها..." قالت أديلا وهي تحاول بصعوبة أن تسيطر على نفسها، بينما كانت الوردة البرتقالية الكبيرة تدخل فم الثور الكبير...!!‏

-"أنتِ تتحدثين بصراحةٍ حول أنواع الأزهار النادرة... وإنني لا أرى مبرراً.. كي أخبرك أنّه ثورٌ خبيث من يوركشاير..." قال إيشلي.‏

لم يعد باستطاعة أديلا أن تسيطر على نفسها، لوقت أطول، فقد قالت ما يكفي لتثير فضول الفنان كي يقترب من الثور بضع خطوات، التقط عصاً وقذف الثور بها. توقف الثور عن قضم الزهرة، لحظةً واحدةً، ونظر إلى رامي العصا بقسوةٍ..!! نظرت أديلا بغضب شديد إلى إيشلي.‏

حاول إيشلي ثانية مع الثور، وقذفه بالعصا. وهنا، يبدو أنّ الثور قد أدرك أنّ عليه أن يتحرك. ضربه إيشلي، مرةً أخرى بالعصا، فمشى الثور إلى نهاية الحديقة.. ركض إيشلي محاولاً إخراجه، غير أنّ الثور مضى بسرعة. إلى غرفة الجلوس عبر الباب المفتوح...!!‏

كانت هناك زهرات نادرات في أحواض جميلةٍ، في غرفة الجلوس، فبدأ الثور يقضمها...!!‏

لاحظ إيشلي نظرة غضبٍ في عيني الحيوان تقول له "من الأفضل لك أن تبقى خارج الغرفة.. بعيداً..."‏

توقف إيشلي عن محاولاته لإخراج الحيوان.‏

-"سيد إيشلي.. طلبتُ منك أن تطرد ذلك الحيوان من حديقتي، ولم أطلب إليك أن تجرّه إلى غرفة الجلوس. فإذا كانّ لا مفرّ من تواجده هنا، فأنا أفضل أن يكون ذلك في الحديقة وليس في غرفة الجلوس...!!". قالت أديلا بصوت مرتفع.‏

"إنّ طرد الماشية ليس من عملي. لقد أخبرتك بهذا منذ البداية" قال إيشلي.‏

"رجل مجنون" صاحت أديلا بصوت مرتفع حزين. وبعد لحظةٍ كانت أديلا تبدو وكأنها أُصيبت بمسٍ من الجنون.‏

كان الثور قد قضى على الأزهار، كلها، وعلى غلاف أحد الكتب الموجودة على الرفّ الصغير قرب النافذة. بعد ذلك بدا أنّ الثور يفكّر في مغادرة المكان الصغير الذي كان فيه. لاحظ إيشلي ذلك فقذف له بعض الأدوات لأنّه أراد أن يبقى الثور في غرفة الجلوس...!!‏

"هيا.. اذهب إلى المكتبة العامة القريبة من هنا واطلب منهم أن يتصلوا بالشرطة كي يأتوا فوراً ويخرجوا هذا الحيوان من غرفتي.. ربّما يخطر ببالك أن ترسم لوحةً له وهو يتصرف وكأنّه في بيته...!!"‏

بدا إيشلي وكأنّه يريد أن يفعل شيئاً ما. مشى بعيداً.‏

-"إلى أين أنت ذاهب..؟!" صرخت أديلا.‏

-"أريد أن أحضر بعض الأدوات..." كان جوابه.‏

-"أدوات..؟! أنا لم أطلب أية أدوات.. لن أدعك تستخدم أدوات كحبلٍ أو ما شابه ذلك. أخشى أن تُدَمر محتويات الغرفة فيما لو حصلت معركةٌ داخلها...!!"‏

لكن إيشلي خرج مسرعاً وبعد دقيقتين عاد حاملاً مواد الرسم وأدوات أخرى.‏

"هل تعني أنّك ستجلس بهدوء وترسم ذلك الحيوان وهو يقضم أزهاري ويدّمر ما تبقى في غرفة جلوسي؟!" سألت أديلا.‏

-"تلك كانت فكرتك؟..." أجاب وهو يضع القماش أمامه.‏

-"إنني أرفض ذلك بشدة.. أرفض ذلك" علا صراخ أديلا.‏

-"لا أعرف ما الذي يجب عليّ أن أفعله اتجاهك.." قال الفنان.‏

إنه ليس ثورك على أية حال .. ويبدو أنك نسيت‏

-"أنّه في غرفة جلوسي.." جاء جوابها غامضاً.‏

-"وأنتِ يبدو أنكِ نسيت أن الطباخة نائمة وأنّك بصراخك هذا ربّما توقظينها... علينا دائماً أن نفكر بالآخرين..."‏

-"أنت مجنون... مجنون فعلاً.." صرخت أديلا.‏

بعد دقائق قليلة ربّما تذكر الثور أنّ عليه أن يغادر المكان إلى كوخه. فخطا بحرصٍ، خارجاً من غرفة الجلوس، ينظر بعينين، فيهما تساؤلات، إلى الرجل الذي قذفه بالعصا قبل قليل...!‏

مشى الثور متثاقلاً إلى خارج الحديقة.‏

جمع إيشلي أدواته وذهب إلى منزله ليتابع رسم لوحة الثور. وهذه المغامرة الصغيرة كانت بداية نجاحٍ عظيم له. فجاءت لوحته الشهيرة "ثور في غرفة الجلوس" لتحقق نجاحاً عظيماً في "معرض باريس الثاني للفنون". وعندما عُرضت فيما بعد في "ميونيخ" اشترتها الحكومة هناك.‏

أصبح نجاح إيشلي مستمراً بعد ذلك. وبعدها بسنتين أعطت أكاديمية الفنون مكاناً هاماً للوحاته الرائعة.‏

أعطى إيشلي أديلا بنكسفورد نسخةً جديدةً من الكتاب الثمين الذي أتلفه الثور، وآنيتين أو ثلاث أوانٍ مليئة بالأزهار النادرة.‏

ولكن.. لم تعد بينهما صداقةٌ حقيقية أبداً منذ تلك الحادثة...!!‏

المصدر : مجلة الاداب الاجنبية العدد 94 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.