أشعلتُ النار في الموقد. وتغشت الشبابيك بالدموع لبرهة قصيرة ثم مالبثت أن جفّت. واختفت من داري القديمة التي أتمت القرن رطوبة ماقبل الخريف. في المطبخ دلوان مليئان بماء النهر النقي، وقد أفرغت كيس مؤونتي من محتوياته، وأزلت الأوراق التي لا لزوم لها عن الطاولة، وفصلت جهاز الهاتف، وتركت البوابة مفتوحة. فليأتِ من يريد أن يزورني على الرحب والسعة. ولكنني أعرف أن أحداً لن يأتي دون دعوة.
لدي هنا كل مايلزم للعمل الجدي؛ فأنا وحيد، وليس ثمة مايشغلني، وأنعم بالدفء، وقد دسست قدميّ داخل خفّين من اللباد الطري الدافئ. والأهم أن ليس ثمة مايدعوني إلى الاستعجال. وهاهي تتنامى في داخلي حالة الاستثارة البهيجة التي تسبق دائماً العمل الميسّر المثمر. في هذه اللحظة بالذات أكتشف بهلع أنني قد تركتُ نظارتي في المدينة.. يا إلهي، ما العمل؟....
ياللأسى!.. انتابني شعور بالنزق كطفل مدلل كانوا قد وعدوه بشراء دمية غالية ثم نسوا.
ركضتُ بلهفة يائسة إلى غرفة أمي: كنتُ قد لمحتُ مرة في سلة الإبر والكشاتبين والأزرار النظارة القديمة التي تستعملها أنفيسا إيفانوفنا- أمي هي الوحيدة التي كانت تنجدني دائماً (الآخرون كانوا ينجدونني أيضاً، ولكن ليس دائماً).
ياللأسف!.. في هذه المرة حتى هي لم تنجدني. فنظّارة أمي كانت جد ضيّقة وضعيفة، لاتزيد درجتها، على الأرجح، عن "زائد واحد ونصف". كم رجتني أن أصطحبها إلى القرية. كانت تقول لي: خذني معك، فهناك سأتحسن كثيراً، وسأبدأ بالمشي وحدي دون مساعدة. كانت ترجوني وكأنها تمزح، فقد كانت تعرف سلفاً أنها لن تذهب. أما أختاي فلا هذه ولا تلك كان بإمكانها أن تذهب معنا وهما تريان الشتاء على الأبواب. ولذا جئت وحدي.
ولكن أي وضع سخيف هذا!. ليس ثمة نظارة، وقلمك يسقط منك على العشب ويضيع، ولا يبقى باستطاعتك أن تفعل شيئاً، وتصبح عاجزاً كالمُقعد، لا قراءة، ولا كتابة... أشعر كيف يتنامى فيّ الغيظ. بدأتْ تتسلل من جميع زوايا بيتنا القديم لا مبالاة كئيبة. أحقاً لم يبقَ لي سوى أن أعيد وصل الهاتف والمذياع والتلفاز، هذه القبور المجصصة،هذه الصناديق الإعلامية اللجوج التي لا تكف طوال الليل عن إسداء النصائح؟!.
نظرت باكتئاب من النافذة إلى وحول آب التي تغطي الطريق، وكأنني آمل حدوث معجزة ما. عبر شارع قريتنا التي تحتضر تلوح أشجار غبيراء جارنا المثقلة بالعناقيد المكتنزة.
ما أكثر هذه الثمار!.. إنك لتشعر من بعيد بثقل العناقيد التي تحني الأغصان وتشدها نحو الأرض. ويخيل إليك أن الشجرة تنتظر بتوتر أغصانها الصبور اللحظة التي سيغير فيها أخيراً سرب من الشحارير الرمادية الجائعة وينهب خلال خمس دقائق كل هذه الثروة الزاهية. شاهدت مرة كيف قضت الشحارير في غارة واحدة على غبيراء حديقتنا. كانت تنقر الثمار بنهم متعجل، وبعضها كان يتعلق بالأغصان ورأسه إلى الأسفل، ومع ذلك لا يكف عن النقر. ولكن لِمَ تحمل بعض أشجار الغبيراء ثماراً برتقالية والأخرى حمراء. الانزعاج النفسي لا يسمح لي بالتفكير في هذا، ولا الإحساس بالفرق اللوني، بل إنني أغضب على ذاتي لأنني أسمح لنفسي بالتفكير. وهذا هو حالي أياً كان ما أفعله. ولكن ما أشد هذا الهدوء وهذه الوحشة. إلاّ أنني مازلت أتماسك وأحجم عن تشغيل أي شيء. وهاهي ذي التقنية المعاصرة اللعينة تجثم حتى تحت الطاولة! البيك آب بلونه الأحمر ينرفزني، يثير حنقي، كراية حمراء أمام ثور هائج. ودون تبصّرٍ، دون تروٍّ أدس القابس في المأخذ... الأسطوانة المغبرة المتروكة منذ الربيع على القرص تبدأ بالدوران. وأيضاً بلا تبصّر بالعواقب أنزل ذراع الإبرة. وتملأ الأنغام الفضاء المؤطر بالجدران. أقاوم، ولكن الأنغام تنفذ ككائنات حية.
"فصول السنة" بأداء الكسي تشيركاسوف. طبعاً هذا هو تشايكوفسكي الذي صدح في الدار ربيعاً وفي موسم حصاد الحشائش! الموسيقا تغمرني كما الدفء. أغمض عيني مستنداً إلى جدار الموقد، أصغي وكأنني أغفو، فالنوم لا يفترض الاستلقاء بالضرورة.... الخيول والفيلة تنام أيضاً وهي واقفة. "لا تفكر كثيراً -قال لي مرة جاري صاحب الأشجار الغبيراء التي تلوح من خلف النافذة- دع الحصان يفكر، فرأسه كبير".
وأنا الآن فعلاً لا أفكر، إنني أصغي إلى "الأغنية الخريفية.".
عيناي جافتان، لكنني أبكي.. إنني أتذكر الطفولة، وماكان قبل نصف قرن. لم يختف شيء. لم يمت شيء، وحتى بيريوزكا- بقرتنا الصغيرة المكسورة القرنين، بيريوزكا التي كنا ننتفع بها مناصفة مع جيراننا، وعندما شاءت الظروف أن ينتقل الانتفاع بها كلها إلينا غدت الضرائب فوق طاقتنا. وتروي أمي كيف قادت بيريوزكا إلى مركز تموين اللحوم الذي يقع على مسافة 40 فرسخاً عند محطة بوندوغا على طريق السكة الحديدية الشمالية. ففيما كانت تمسك برسن البقرة وتقودها عبر الأحراج والقرى، كانت دموع بيريوزكا لا تكف عن السيلان على خديها طوال الطريق.
لو روى لي هذا أي شخص آخر غير أمي لما صدقته. أعرف أن أمي موشكة على الرحيل. وهي أيضاً تعرف هذا، وتحاول أن تجعل منه موضوعاً للمزاح، ولكنني دائماً أقاطعها بعصبية وأقول لها: "ماما، إن جميع أترابي في القرية ماتوا من زمان... وصديقيّ روبتسوف وشوكسين ماتا أيضاً. روبتسوف كان أصغر مني. كلنا متساوون أمام هذا الأمر -شباباً وشيوخاً. لذلك لا تتحدثي بعد الآن عن الموت..."- "لن أتحدث، لن أتحدث". ولكن لا يمر يوم أويومان حتى تعود إلى المزاح من جديد: "الحمد لله، بدأت قدماي بالتورم. هذا يعني أنني لن أعيش طويلاً".
ذاكرتها حادة، وكالسابق لا ترحم، أما طيبة قلبها نحو الأبناء والأحفاد وأبناء الأحفاد فقد غدت أشد رسوخاً ورحابة. إنها تذكر كل شيء،.وذهنها ليس أضعف من ذهني البتة، ولكن موتها وشيك. كلانا يعرف هذا، أنا وهي، ولكنني أحاول جهدي ألاّ أفكر فيه. إشفاق لا حدود له يجتاح كياني.
اليأس يتسلل من جميع زوايا بيتنا الخشبي، لأن كل شيء في هذا المسكن له صلة بأمي. بأي حنين كانت ترنو إلي مساء أمس، عندما كنت أستعد للسفر إلى القرية، تاركاً إياها في المدينة! "خذني معك!". لم أتح لها الفرصة للحديث عن الموت، كنت أنفجر غاضباً، أو أنبري أبرهن لها على أن كل هذا ليس من شأننا. ولكنها تعرف أنه لم يبق لها في هذه الدنيا إلا القليل جداً،وأنا أيضاً أعرف، وأختبئ من هذه المعرفة، كالطفل الذي يغمض عينيه عندما يلعب "الطميّمة". في وقت ماكنت أتمنى أن أموت قبلها... إلى هذا الحد كانت حتميةُ موتِها مقيتة. ثم أدركت فيما بعد، وبفضل أمي نفسها، أن أمنية رحيلي قبلها كيلا أعاني هول الفقدان- هي أيضاً إثم، وهي قمة الأنانية، إنها قريبة من جريمة الانتحار.
كل هذا صحيح، ولكن يالهذه الوحشة!... أن يكون ذهنك بكامل صفائه، وذاكرتك بملء قوتها، وروحك لا تعاني من أي تعب، وتشعر كيف يدنو منك بإصرار سر العدم الدنيوي، وأن مايفصلك عن هذا السر لم يعد سنوات، بل بضعة أسابيع، وربما بضعة أيام لا أكثر.
بمثل هذا الشعور بالضبط بقيت هي في المدينة، وعدت أنا إلى القرية من جديد، وها أنا الآن أتمتع هنا بدفء الموقد والسكون الأليف. ما العمل؟ كنت أتيت بها إلى هنا لو كانت الطريق إسفلتية؛ لو لم يكن "الإسعاف" على بعد ستين كيلو متراً عن المنزل، لو كان... إيه! قريباً، قريباً سينتهي بالنسبة إليها كل شيء... على الجدار فوق منضدتي صورة ضوئية للوحة الفنان فولكوف: بوشكين يغالب الألم وينهض عن الثلج بصعوبة ليسدد نحو المحتال الدولي المتنكر بزي ضابط حرس روسي. موسوعة بينتر الموجزة لا تسمي دانتس ضابطاً -بل تسميه دبلوماسياً.
الكسندر سيرغييفتش بوشكين سيموت؛ لم يتبق له في هذه الدنيا سوى وقت جد قصير. العربة تنتظر، والشاهدان تسمّرا صامتين، وبوشكين يصوب إلى عدو وطنه. أنا ولدت بعد خمس وتسعين سنة. لقد مر قرن إلاّ قليلاً على ذلك الشتاء البطر سبورغي- ولكن لماذا تراني أبكي الآن؟ بلا دموع أبكي، ضاغطاً بأسناني القليلة المتبقية، أبكي على أمي وعلى بوشكين.
ألا يجوز أن يكون السبب، ببساطة، هو أنك تشيخ وتغدو عاطفياً وسريع البكاء؟ يجوز... كل شيء جائز أيها السادة الديمقراطيون!.
في الساعة العشرين من كل يوم، وفي كل من موسكو وفولوغدا، يأتي سمير دياكوف إلى بيتي، وينهمك هذا السمج الممل، محملقاً بعينيه الخاليتين من الحياة، في الإيحاء إلي بدأب ورتابة أنني أعيش في بلد شديد البؤس والقذارة. وفيما هو يحلل أحداث النهار يبصق في وجهي عدة مرات. من أين يعرف أنني لن أنتزع البندقية المعلقة على الجدار، وأركض إلى محطة القطار، لأنفق آخر ماتبقى معي من نقود على شراء تذكرة إلى "بريد نيستروفييه"؟
إنه واثق من أنني لن أفعل هذا أبداً. ياللخنزير... الشيطان الذي يتنبأ بتصرفاتي يعتمد على جهازه الإلكتروني-الشعاعي دون أن يخطر بباله البتة أنه يرتكب خطأ، وأن صبري لم يتبق منه سوى بعض ثمالة. أجل، إنني أتمالك نفسي عن الإمساك به من ياقته. مرة أخرى أؤجل سفري إلى تيراسبول. مرة أخرى أغسل البصقات النتنة بالمطر المتلألئ عبر أشعة الشمس في بلدي فولوغدا.
رأيت نفسي في الحلم شيخاً منذ زمن بعيد
جافاً وطرياً كدخان الخريف
لا يعرف الألم ولا المعاناة.
أبيات لي يقولها عفريت الغابة في الجزء الثاني من حكاية "الشيخ الخالد"، وقد ظلت مبتورة هكذا دون تتمة. فمنذ نحو عشر سنين، وعندما كنتُ أقرأ دون الاستعانة بنظارة، استبدت بي رغبة قوية في أن أكتب الجزء الثاني، ولكن أحد أصدقائي من الذين ارتحلوا استقبل حكايتي آنذاك بفتور. فأجّلت العمل.
إلا أن اهتمامي بالشخصية الوثنية لم يندثر. أم أنه خُيّل إلي مجرد تخيل أن يوري سيليزنيوف استقبل حكايتي بفتور؟ هذا أيضاً جائز. ولكن، على أية حال، لم يقيض للجزء الثاني أن يرى النور.
وقد فات الوقت. وها أنا الآن رهين الـ.... كيف يسمونه؟ -الديوبتر . إنني أصغي إلى النغمات العبقرية الخالدة التي تنفذ إلى الأعماق. إنها تحملك على الاعتقاد بأن لا فرق بين الأحياء والأموات.
الروح لا تموت لأنها فريدة لا شبيه لها. "الأغنية الخريفية" لا شبيه لها. أليست هذه روح تشايكوفسكي تحوم في داري؟ ربما كان هذا تجديفاً.... ولكن عندما أكون وحيداً لا أشعر بفرق بين أصدقائي الأموات والأحياء الذين يعيشون في أماكن مختلفة. فجميعهم بالنسبة لي أحياء، كما هي حية روح بيوتر ايليتش تشايكوفسكي. "أغنيته الخريفية" تصدح، وأنا أتشمم رائحة الفطر المنبعثة من السلّة التي تصرّ من الثقل، وترتعش من رطوبة الغابة أوراق البتولا والحور المحتضرة، إنني أحس بكل مايجري وراء البوابة.
"الآن سأنتعل جزمتي وأخرج إلى الحقل الخريفي -أقول لنفسي فيما أنا أنقل ذراع إبرة البيك آب إلى مكان حصاد الحشائش- أو... لا، فلأسمع كل شيء من البداية".
ولكن أين هي... هذه البداية؟ كيف يمكنني أن أعتبر ولادتي أنا، مثلاً، بداية كل شيء؟ فقبلي بمدة طويلة كان يتدفأ قرب الموقد أبي وأمي وجدّاي وجدّتاي وآباؤهم الأربعة وأمهاتهم الأربع: "أربعة عشر (أنا الخامس عشر)، ولكل منهم أيضاً أجداده وآباؤهم. ولجميعهم كانت تتواثب في الأمسيات الجميرات المتقدة في حضن الموقد. وكل منهم كان يسمع القصف الصقيعي خلف الجدار الدافئ. لا بداية هنا ولا نهاية، كما ليس من بداية ولا نهاية للعمق السماوي الأسود اللانهائي المنتشر بين نجوم الليل. لقد كانت الأنوال تطقطق في الدور، ورؤوس البصل الحلوة تشوى على جمر المساء كما كانت تشوى من أجلي. وتُصنع من شظايا الخشب صلبان صغيرة كتلك تماماً، وتُنسج الحكايا على شفاه الأجداد كما كان جد أمي ميخائيل غريغوريتش يحكي لي في وقت ما حكاية الطيهوج. يتراءى لي الآن الشَبَه المراوغ بينه وبين تشايكوفسكي، ولكنني لا أفلح بحال من الأحوال في أن ألتقط هذا الشبه وأعبر عنه. فما الذي يوحّد بين الجمرات الحمر في هذا المضجع الدافئ المبني في خاصرة الموقد القروي الضخم، وتلك النار المضطرمة في الموقد البطرسبورغي التي كان يرنو إليها معاصرُ جدي العظيم وهو مستغرق في التفكير؟ أوه، هنا كل شيء مُوّحد، مع أن بعضه لايشبه بعضاً! طبعاً، لا في الشقة البطرسبورغية، ولا في منزل الفون "ميك"، النيّر في ضواحي موسكو. كانت الجدران تُصدر في الصقيع أصواتاً كطلقات من بنادق موسينية من العيار الثلاثي ، ولا الطباخون كانوا يسمون البطاطا العادية تفاحاً، إذاً لِمَ أسمعُ الآن رنين جرس جدي المصنوع في فالداي؟ إن وقع السنابل الإيقاعي المنشّط على أحجار الطريق الزلقة، وقهقهة الجمهور المرح الذي يحتفل بعيد المرافع، والتزلج على الجذوع المرققة التي كانت أمي تتحدث عنها كثيراً - إن كل هذا قد تجسد في أشكال جديدة وحلّ دون أي نقصان في هذه الأنغام الخالدة. يغدو من الواضح الآن أنْ لاشيء يذهب دون أثر، ولا شيء يتلاشى، ولا شيء يوجد عبثاً. في حلقي تلين الغصة، ثم تزول مرارة الكرب، ومن جديد أسمع في اليقظة هسيس الثلج الصباحي الذي تجمد خلال الليل، وتبهر بصري الأشعة الذهبية الباكرة التي تنعكس عليه. البرد يسوطنا جميعاً، ونحن جائعون منذ الصباح، ولكننا نركض فوق قشرة الثلج المتجمدة إلى المدرسة، كم نجد من البهجة والجذل في تقصير الطريق الصباحية باجتياز المسافة على خط مستقيم عبر الحقل والغيضة مُجفِّلين طيور الطيهوج المتهيجة التي اجتمعت هنا للتزاوج. وننهمك في فحص كومة الحشيش التي طار منها كما بجناحين ثعلب أحمر أبيض الصدر. أليس هو الذي كان يسعى في المدينة لاستصدار أمر يحظّر على الطياهج الجثوم على الشجر كي تظل "تتجول في المروج الخضراء"؟
لا تزال أمامنا نحن الجذلين والجائعين، مسافة طويلة للوصول إلى المروج الخضراء، وها نحن نرى زرزوراً أسود جاثماً على بقعة قد ذاب عنها الثلج، وهو ليس الأول، إلاّ أننا نرى أول زهرة لبن ثلجية قد نقرت الثلج وأطلت باندهاش على العالم الأبيض. وفيما أنا أصغي إلى الموسيقا أحس بضعف الطفولة في هذا المخلوق الأخضر الصغير. ولكن ما أعظم قوة الحياة الأبدية الجبارة التي لا تقهر!.. البرد الثلجي الأبيض الذي يبهر البصر يسيطر في كل مكان، ومع ذلك فقد أفلح فارسنا الصغير في ضرب أطناب خيمته. أينما نظرت حواليك لن ترى سوى طبقات الثلج التي حجّرها الصقيع. ولكن هنا، على بقعة أرض صغيرة، بعيداً عن أنفاس القطب، على الحافة الشفافة، يذوب الدرع الجليدي ويسيل قطرة قطرة متراجعاً عن البقعة العارية؛ ويفلح فارسنا الطفل- زهرة اللبن البرية في اغتنام الفرصة، فيشق الأرض ويسارع إلى نشر تويجاته.
"الحياة أقوى من الموت"- تندفع هذه العبارة المبتذلة إلى الصفحة البيضاء، وأتراجع أنا وأسمح لها بالوصول، على الرغم من أنني أعلم أن الموازنة بين مفهومي الحياة والموت غير جائزة. فالموت ليس سوى جزء من الحياة، إذاً لِمَ أستسلم للإغواء وأساوي في الحقوق بين الكل والجزء؟ فلأشطب العبارة وانتهى الأمر!.. "ولكنها كتبتْ وأصبحت لها حياتها المستقلة عنك -يخنّ صوت من جانب- هل من العدل أن تحارب مايعيش مستقلاً عنك؟ ثم إن العبارة، كما أرجح، ليست لك، إنها مستعارة". مكار... هذا الصوت الذي يأتي من جانب، دائماً يخرجك عن الإيقاع، يجعلك اثنين، يوسّع وعيك. يفرّق ويسود.
"الروح خالدة"- أواسي نفسي، ولكن الشكوك تساورني من جديد. القلب يصبو إلى التجسيد المادي لهذا الخلود، وأنا لا أستطيع بحال من الأحوال أن أستكين. لا، أنا لا أقصد موتي الشخصي (لا أدري لِمَ أفكر فيه بهدوء تام)، بل أقصد موت أمي الوشيك جداً، أو موت أصدقائي الذي وقع. لا أستطيع تقبل الموت وفهمه، إنني أحتج! وحتى هلاك كلب الجار الذي يطلقون عليه النار ليصنعوا من فروته قبعة شتوية ويسكرون بثمنها على الفور يثير الانزعاج في النفس. فماذا يمكن أن أقول من موت ياشين وشوكشين وسيليزنيوف وروبتسوف وبيريدرييف؟ حتى الآن لا أستطيع أن أرغم نفسي على الجلوس وكتابة ذكرياتي عنهم؛ لا أنفك أتهرب، أبحث عن وسائل جديدة للتصالح مع الواقع اللئيم.
هاقد برزت في ذهني الآن فكرة دنيئة: ليس من فرق بين أصدقائك الراحلين، والأحياء الذين يعيشون بعيداً عنك. وأي فرق بين أن تسمع من آلة تسجيل صوت صديق راحل منذ وقت بعيد وأن تسمع صوت صديق حي ينبعث من سماعة الهاتف؟ ياللشيطان... وسوسة خاطفة ولكنها غير بريئة البتة. إنني أشعر بالخجل. أتناول سترتي السميكة وقبعة الفرو وألف قدميّ كيفما كان بقطع من القماش، وأنتعل جزمة عسكرية من القماش المقوى، وأوقف تشايكوفسكي عند "نيسان" وأخرج من البيت.
في الشارع آب، وفي أذنيّ لا تزال تخرخر قبرة نيسان تشايكوفسكي. لم تطر بعيداً، مع أنك، فيما يبدو، لم تكن تصغي إليها في برهة التأملات الحزينة. يقولون إن صوت القبرة المرح لم يعد يُسمع في ضواحي موسكو منذ عدة سنوات. معنى هذا أن تشايكوفسكي والكسي تشيركاسوف أنقذا روح طائر الحقول الروسية الصغير، وخلّداه في هذه الأيام المدهشة. القبرة التي اختفت من الحياة ظلت، كعندليب اليابييف، ترفرف وتشدو في سماء الفن العالية الخالدة. وتشايكوفسكي قد خلد العندليب أيضاً على ما أظن... ولكن من الذي يصطاد مغنّي الحقول والغابات ويخنقهم، وكيف يعمل هذا؟ في نواحينا لا يزال هؤلاء المغنون يعيشون في بعض الأماكن، ولا يزال بالإمكان سماعهم في الربيع. أي احتفاء بالحياة وأية بهجة تسمع في تغريد القبرة المتقطع اللاهث عندما تصعد إلى السماء مع أغنيتها هبةً بعد هبّةٍ في طيران عمودي، وكأنها ترتقي سلّماً ما. ربما لن أسمع في الربيع أصوات قبراتنا الفولوغودسكية، فأفخاخ التقدم الفولاذية قادرة على أن تسحق لا هؤلاء المغنّين فقط، الذين لا يجدون من يحميهم.. أما ماهو التقدم، فإنني أزداد معرفة به هنا أيضاً عند كل خطوة...
الليلة الخريفية تسافر على عربة تجرها سبعة أحصنة، وقد هبت عاصفة رعدية ليلاً، أعرف أنها العاصفة الأخيرة هذه السنة، وكان ينبغي أن أرتدي ملابسي وأخرج من البيت، ولكنني تكاسلت. بل إنني لم أستيقظ أصلاً. سمعت فقط وأنا نائم دمدمة الرعد، ولم تكن قوية، كانت كأنها مكتومة. وربما كان هذا حلماً لا أكثر؟! لا.. العاصفة دوّت فعلاً، كانت تزمجر لا من الأعلى، بل من الجوانب، كالجرارات التي تعدو قرب البيت، وغالباً في الليل، لا أدري لماذا! وكلما ازدادت شفقتي على سائقيها المخمورين، ازدادوا هم مقاومة ورفضاً لهذه الشفقة. إنني لست بقادر على أن أفخر بأبناء منطقتي إذا كانوا من أمثال ذاك الشاب الأحمق النكرة الذي كان آتياً أمس من القرية الرئيسية، وفي الطريق أوقف جراره قرب قرية تيمونيخا، وجمع أحجاراً من الحقل، وشن هجوماً على طائر كبير غريب، لا يدري أحد من أين جاء وحط هنا.
كان الطائر الضخم يقف ساكناً على كومة عالية من قش السنة الماضية، وقد خفت أن أجفله، وركضت إلى البيت لأجلب المنظار المكبر، لم يسبق قط أن حط طائر مثل هذا في الحقل خلف داري! ربما كان بلشوناً أو لقلقاً جاء إلينا من ضفاف نهر ديسنا المسممة يبحث عن أرض آمنة. من شدة اضطرابي لم أتمكن من إنعام النظر في ألوان الطائر وحفظها في الذاكرة. واليوم لم أجد رغبة في أخذ المنظار، فالطائر طبعاً غادر كومة القش منذ وقت طويل، إلى أين طار ياتُرى؟ وهل مازال حياً؟ البط أيضاً ساذج ويولي ثقته بسهولة إلى درجة أنه في الربيع يغطس ويطبطب الماء بجناحيه في البرك القريبة من الطرقات. صحيح أن البنادق عندنا لا توجد في كل بيت كما في كاراباخ، ولكن لا تزال ثمة بنادق، لا تزال! وهناك ذخيرة أيضاً. وليت أحد الاثنين غير موجود: إما البط أو الذخيرة. "هذا ليس في حدود سلطتك -يقول لي محرّضي الداخلي- فلِمَ تشعر بالانزعاج!".
أحاول ألا أصغي إليه.. "أنا لا أريد أن أنقسم إلى اثنين!- أصيح صامتاً في وجه ذاتي-لا أريد... ولذا فإنني لن أفكر في الذخيرة والبط". أعود من الحقل إلى القرية، أخلع الجزمة على الدرج. أدخل الدار وأضع إبرة البيك آب على الليلة الحزيرانية البيضاء، وتغشى هذه الليلة داري الخشبية الدافئة، وتغمرها بنورها الشمالي الصيفي الأبيض الساجي، وتنسفح على جميع جدرانها وسقوفها الكهرمانية؛ وعندما يختفي النور الفضي الوهمي وتبدأ الشمس الكبيرة الوردية بالإشراق أستند من جديد إلى جدار الموقد الدافئ وأغمض عيني...
وكان حَسْب تشايكوفسكي أن يبدع سلسلة "فصول السنة" وحدها، أو حتى الـ"باركادورا" فقط كي يخلد إلى الأبد في الفن الروسي. لقد غدت روحه خالدة؛ وها أنا الآن أحس بكل كياني حقيقة هذا الخلود. لقد اجتمع كل شيء في هذه الأنغام التي لا تذوي: مهرجان أزهار الأعشاب الحقلية قبل عيد القديس إيفان، وآلاف الروائح - الأصوات المنبعثة منها، والتي تندغم كلها في جوقة عبير واحدة، والشمس العالية في سمتها الناقص الرحيم، والأفق الذي تحرّف تيارات الوهج ملامحه، ونعمة الظل في الهاجرة. لم يحلّ بعد تعب الدنيا، ولا تزال أشجار وطني وأعشابه طافحة بالدم الأخضر. ونهرنا لا يزال نقياً، وضميري عندما أغطس، أو، على الأصح، أسقط في السماء المتمرئية في لجته. "متى كان هذا؟" -أسأل نفسي وأشعر بعبثية السؤال وعدم انسجامه مع حالتي. ليس: "كان"، بل: "يكون". الآن! ليس من شك قد اختفى... ومع أنه يتعذر أحياناً الآن الشرب من النهر، ولم يعد أحد يغني الآن في أيام حصاد الحشائش، فقد سمعت مرة وأسمع الآن غناء، وهو ليس غناء حصّاد واحد، بل غناء فرقة بكاملها عائدة إلى القرية في أمسية متأخرة دافئة. منذ وقت طويل لم يعودوا يزرعون الجودار خلف القرية، ولكنني شاهدته هناك وأشاهده الآن. المنجل يلمع في يد أمي وينصهر في لجة السماء الذهبية. أندس تحت هرم عالٍ من حزم السنابل المتناكبة وأنا ألعب "الطميمة" مع أترابي. أبحث على الحدود بين الحقول عن توت الأرض ويفعم أنفي أريجه الفردوسي حقاً. منذ أسبوع جلبت في دلو الماء قوقعتين لا تفرقان في شيء عن تَيْنِ اللتين وقعتا في دلوي منذ نصف قرن. وفرخ الكركي الأخضر مازال يقف في خليج النهر الصغير الدافئ كشأنه آنذاك.
القوقعتان لا تزالان حيتين في دلوي، وأنا قد شربت كل مافيه تقريباً من ماء، سأعود لأملأه من جديد وأعيدهما إلى النهر. وربما سأرى فرخ الكركي ذاك. لقد كبر لابد خلال هذه الأسابيع الأربعة التي مرت على قدومي إلى هنا. كما كبر أيضاً مهر جاري "ماليش"، الذي ولد أدهم اللون محجّلاً، ولكن لونه فتح الآن -أهي الشمس لفحته؟ إلاّ أن الشمس لم تعد صيفية منذ وقت طويل. ففي داري تصدح "الأغنية الخريفية" الخالدة.
أشعر بالسعادة عن وعي وبعمق، من أين أتت هذه السعادة.. ومتى... لاداعي للسؤال، ربما هي تنسرب من خلال طزاجة الخريف الغابيّة، أو ربما يفرزها كهرمان توت العليق المستنقعي. آخذ الثمار وأنا جالس على طنفسة من الطحلب كأنها فراش غجري محشو بالزغب، أقطف حبات الكهرمان الريانة هذه حفنة حفنة، وأرفعها بكلتا حفنتيّ إلى فمي. يقولون إن بوشكين طلب وهو على فراش الموت أن يشتروا له توت عليق منقوعاً. تذكرت هذا ولم تعد الثمار ثماراً، بل حفنة من دموع برتقالية...
عنب الأحراج المستنقعي أتناوله أيضاً بحفنتيّ. أليست هذه سعادة؟ عنب الأحراج بالحفنات! (شيء مضحك ولكن... لو أنني لم أنسَ في المدينة نظارتي فقط، بل نسيت أيضاً أسناني المعدنية، أو الرسمية، كما يقول جاري مع ذلك لم أكن لأعاني الحرمان على ضفاف بحيرتي الحنون. "احتفِنْ عنبَ الأحراج، واملأ به فمك، واضغط على الثمار المكتنزة بلسانك نحو سقف الحلق واللثة، ولن تموت من الجوع"!
لا شيء يعكر صفو سعادتي الكبرى في هدوء الغابة المشمس سوى البعوض. أرثي للعزيزين علي والقريبين مني، وأخجل لأنني أتناول عنب الأحراج بكلتا حفنتي وأملأ به فمي، فهم الآن محرومون من هذه الإمكانية، فلأضعه في السلة، في السلة! أليست هذه سعادة ! عندما أخرج من الغابة تنظر البقرة إليّ بدهشة وسذاجة وكأنّها تتساءل: مَنْ؟ ومِنْ أين؟ ثم تزفر بعمق وصخب ككير الحداد، ومن شدة غبائها لا تفسح لي في الطريق لأَمُرّ. ما ألذ هذا العناد البقري وأحلاه! وهناك في القرية تقف عند البوابة عجوز لها روح فتاة.
تنظر باتجاهي وتنتظر اقترابي. إنني أعرف ماذا تنتظر وإلامَ تنظر. إنها تتحرق رغبة في معرفة هذا الذي يسير في الطريق. وعندما أقترب بالقدر اللازم تعرف أن القادم هو أنا، وتختفي للتو باستحياء. أليس هذا مبهجاً؟ أليست هذه سعادة؟ إنها لسعادة كبرى أن يكون لك أصدقاء. وعندي أنا، علاوة على هذه الموسيقا وهذا الوطن الأخضر، أم وزوجة وابنة وأخوات وإخوة. صحيح أنهم بعيدون عني، ولكنهم بجانبي، إنني أسمعهم وأراهم جميعاً. أُشعل موقد الحمام بعد السير المتعب كما أشعلَ جيراني الثلاثة مواقد حماماتهم.
إنني سعيد إلى درجة أنني أستطيع أن أميز بالرائحة بين دخان الصنوبر والبتولا والحور...
أم أن مايبعث فيّ النشاط هو هدوء الحقول قبل حلول الشتاء؟ أسراب الإوز المهاجر تتجه نحو الجنوب، وتوت العليق الذهبي قد اختفى من الغابة منذ وقت بعيد. والغرانيق التي تبيت في الحقل البارد لا تكف عن الصياح، وفي منزلي تصدح "الأغنية الخريفية" الخالدة. وكان يمكن لذاك النهار أن يكون طويلاً، سعيداً وطويلاً، لو لم تكن سحب الدخان تتلبد في سماء بريدنيستروفييه المصدر: مجلة الاداب الاجنبية العدد 96
.
.
الجمعة, 28 ديسمبر, 2007
ترجمة :عدنان جاموس
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.












من الولايات المتحدة
نقلتنا الى اجواء شتائيه وريفيه جميله
شكرا لجهدك المتميز
ونحياتي من بغداد
وسنه سعيده