باسكال تابت رهين الأم والحب الأوديبي ليس رهيناً من هو جبران؟ تعدّدت الآراء حول هذا السؤال. منهم من يعتبره أديباً، ومنهم من يعتبره شاعراً، ومنهم من يعتبره فيلسوفاً، وآخرون يعتبرونه كافراً وبعضهم متمرّداً... وقد يكون غاب عن هؤلاء أن جبران أوسع من أن يوضع في خانة معيّنة وأكبر من أن يصنّف ويحدّد. إنّه قبيلة من الرجال في رجلٍ واحدٍ. أمام عبقريّته لا يمكنك أن تكون متجرّداً. عليك أن "تتجبرن" لفترة من الزمن لتتمكّن من الغوص في عالمه المحيطي. جبران، إمّا أن تحبّه وإما أن لا تحبّه. إمّا أن تقرأه وإما لا تقرأه. لا مجال لأنصاف الحلول بين الخيارين. وإذا اخترت قراءته، فعليك أن تعرف مسبقاً أنك ستعتزل نفسك وتنسى أناك ويصبح جبران بعضاً منك أو تصبح أنت بعضاً من جبران. ولأنّ أمثال جبران لا يغيبون بل يظلّون حاضرين في غيابهم، ولأننا نخلّد ذكرى أدبائنا لا بل يخلّدون ذكراهم، نحتفل هذه السنة بمرور مئة وخمسة وعشرين عاماً على ميلاده. من وحي هذه المناسبة سوف ننشر في آخر يوم جمعة من كلّ شهر، طوال عام 2008، موضوعاً يتناول جانباً من جوانب فكره وفنّه وحياته. نُعلن اليوم عن ستّة منها تصدر بحسب التسلسل التالي: الأم في حياة جبران وإنتاجاته؛ الحب الجبراني؛ جبران بين هاجس الموت والتوق إلى اللامتناهي؛ دين جبران بين المسيحيّة والديانات الشرقيّة والثورة على رجال الدين؛ بين جبران ونيتشه أو الإنسان المتألّه؛ وجبران ثورة اللغة العربية.
ولأن حياة جبران ملازمة لإنتاجه، ولأن العائلة هي المسرح الأوّل الذي تنمو وتتبلور فيه شخصيّة الإنسان، ولأن كاملة رحمه لعبت دوراً مهمّاً وأساسيّاً في بلورة شخصيّة جبران، حريّ بنا أن نبدأ موضوعنا الأوّل بنبذة عن طفولة كاتبنا. نتناول اليوم "الأم والحب الأوديبي في حياة جبران وإنتاجاته"، مستعرضين أهم النساء اللواتي مررن في حياته ولعبن دوراً بارزاً. ثم ننتقل الى دراسة أثر المرأة وصورة الأم في إنتاجاته محاولين الإجابة عن السؤال: إلى أي حدّ بلغ حب جبران الأوديبي؟
يخبر جبران أنه يوم بدأ يكتب الشعر وينال عليه الجوائز، سألته إحدى السيّدات أن يُسمع الحاضرين إحدى قصائده التي لاقت استحساناً. أمّا والده فسخر من شاعريّته. ويقول جبران: "كانت تلك، أول مرة أقرأ فيها لجمهور. لا أستطيع أن أصف فرحي تلك اللحظة. شعرت أنهم جميعاً أحبّوني إلاّ أن والدي نظر إليّ قائلاً: إنني آمل أن لا نستمع إلى هذه البضاعة مرّةً أخرى، إلى هذه الأمراض العقليّة. لقد آذاني كما لم يؤذني إنسان من قبل".
إلى هذا الوالد القاسي كانت كاملة والدة جبران الوجه العطوف الحنون بالنسبة إلى ولدها فهي كانت دائمة الحضور إلى جانبه. هذا ما أدّى بكاتبنا إلى صدمة عاطفيّة ناتجة من فظاظة الأب مع ولده ولّدت في نفس هذا الأخير إحساساً بـ"اليتم الأبوي". فزاد تعلّقاً بأمّه وبعطفها عليه فملأت بحنانها الفجوة المعتّمة في نفسه.
إلى ذلك كان خليل جبران ينهال على زوجته ضرباً وشتائم على مرأى ومسمع من ابنه الذي كان لا يزال عوده طريّاً. نخال الولد في مثل تلك اللحظات مذعوراً، واقفاً في زاوية من زوايا المنزل باكياً، والدموع تبلّل يديه الصغيرتين وأكمام قميصه، عاجزاً عن إنقاذ أمّه من وحشيّة أبيه. في هذا الإطار، يمكن القول مع الدكتور غسّان خالد في كتابه "جبران الفيلسوف" "إنّ بيت جبران لم يكن مسرحاً دافئاً كافي الحكمة والدراية، لأنّه مبتور الوحدة مكسور الجناج". من هنا نشأت نقمة الولد على المجتمع الأبوي بكلّ أشكاله ونزع إلى العزلة والرفض في الإندماج العفوي ببيئته. فكان جبران شاشةً بيضاء كتب عليها آل جبران ما كتبوا.
الأم المتكرّرة
من هي المرأة إذاً في حياة جبران؟ وبأيٍّ من الوجوه تجلّت له ووسوست في ذهنه فتقمّصها الى درجة أن لم تغب البتة عنه ولم تكن يوماً غريبة. أهي حوّاء التي كوّنها الله من ضلع آدم، أم هي المرأة التي سئمت الإنتظار في أقبية الإمكان وامتشقت نفسها من ضلع آدم فخلعت مصاريع الوجود ودلفت إلى كون كان سيبقى مسوّدةً لولا وجودها؟ أهي المرأة المعطاء، الأم، مثال الخصب والحنان والعطف والحياة؟
إذا ألقينا نظرة على حياة جبران مع النساء واستعرضناهنّ، نلاحظ أن جميع هذه العلاقات كانت غريبة، فريدة من نوعها. فالمرأة الأولى في حياته بحسب الدكتور خريستو نجم في كتابه "المرأة في حياة جبران" كانت في العقد الثالث من العمر وكان هو في سنّ الرابعة عشرة. ثمّ كانت له علاقة مع جوزفين بيبودي التي كانت تكبره بست سنوات. أمّا حلا الضاهر فتكبره بعامين، وسلطانة تابت أرملة في الرابعة والعشرين من العمر وهو في السابعة عشرة. وميشلين المعلّمة الفرنسيّة التي تعرّف بها عند ماري هاسكل كانت تكبره ببضعة أشهر، ورغم ذلك فهو كان عندما يذكرها لماري يقول لها: "ميشلين العزيزة المسكينة... ميشلين الحلوة التي هي أمّ صغيرة عزيزة وطفلة صغيرة عزيزة". ولن ننسى أبداً الرسائل التي تبادلها جبران مع الأديبة مي زياده. أمّا العلاقة الأهم والأكثر دلالة فهي علاقته بماري هاسكل التي كانت تكبره بعشر سنين وكان هو في الحادية والعشرين يوم تعرّف بها في معرض للوحاته.
إذا دلّت هذه العلاقات على شيء ما فهي تدلّ على نزعة أوديبيّة سيطرت على حياة جبران وعلاقاته. وظهرت هذه النزعة في أوضح وجوهها في علاقته بماري هاسكل. لا يخفى على قارئ مذكرات هاسكل ورسائل الحب بينها وبين جبران نوع العلاقة التي ربطت بينهما. كان جبران متمسّكاً بماري أكثر من أي شخص آخر في هذه الحياة. فهي أمدّته بالعون المادي والمعنوي. وبقيت حتى آخر أيام حياته ترسل إليه خمسة وسبعين دولاراً أميركيّاً في نهاية كلّ شهر. وكانت ساهرة على حاجاته، لا تضنّ عليه بعطفها وحمايتها وحنانها. أضف إلى ذلك أنها ساعدت جبران فنيّاً وأدبيّاً. فهي التي شجّعته لكتابة مؤلّفاته باللغة الإنكليزيّة وكانت تقرأها جميعها قبل أن يرسلها إلى الناشر. وجبران كان يعترف دائماً بجميلها عليه الى درجة أن طلب منها الزواج ليردّ لها بعضاً ممّا أعطته. ورفضت ماري طلبه آنذاك لأنها كانت تعلم رغبة جبران بأن يبقى عازباً، وخصوصاً أنّه كان يردّد ذلك على مسامعها.
وكان جبران في معظم رسائله يعبّر لها عن حبّه وامتنانه كأن يقول لها على سبيل المثال "أنت تجعلين تفكيري أدفأ وأصفى"، "أنت أم هذا الكتاب" قاصداً به "الأجنحة المتكسّرة"، "لم يكن بوسع أحد أن يكتب (النبي) بدونك أنت". وكانت ماري ملجأ جبران الأمين. ألم يكن يردّد لها "ألف مرّة" "لقد التقيت بك مثل طفل صغير. لقد صرت مثل طفل صغير يلتقي بك"، كما ورد في رسائل الحب بينهما تحت عنوان "نبيّ الحبيب" التي جمّعتها ونسّقتها فيرجينا الحلو؟ باح لها مرّة "في السنة التي فقدت بها أمّي، وجدتك في حياتي". هذه التصريحات العفويّة، الصادقة، النابعة من عمق أعماقه دليل على تعلّقه بأمّه التي أحبّها حبّاً شديداً، بلغ حدّ العبادة الى درجة أنه لم يحتمل خسارتها التي كان وقعها قاسياً عليه فأصيب بجمدة. وتروي جوزفين بيبودي في يوميّاتها إثر وفاة والدة جبران: "الطقس ماطر جدّاً وجبران خليل جبران يقف وسط تلك العاصفة الهوجاء تحت المطر. كان مريضاً طول مدّة غيابي. ولا عجب في ذلك. العجب في أن يكون سالماً. كان يبدو شاحباً برّاقاً وهزيلاُ، وهو يقف عند الباب والمطر يتساقط عليه". كيف لا ووالدة جبران كان لها الدور الأكبر في حياته. لم تكن مجرّد أمّ فقط: "ما عهدت والدتي لنفسي، في أدنى دركات كيانها، أقل من شقيقة، ولا في أعلى درجاته، أقلّ من سيّد. لقد أفهمتني، حتى في سني الثالثة، أن الرابطة بيننا كانت كما هي بين أي اثنين من الناس: رابطة حبّ متبادل - وأننا كائنان منفصلان جمعتهما معاً يد الحياة والشرف". فكاملة رحمه كانت جزءاً لا يتجزّأ من جبران فأحسّ ربّما بموته يوم موتها وكانت له حاجة ملحّة لولادة ثانية من رحم الأم التي تعطي الحياة. فكانت ماري هاسكل موضوع رغبته هذه: "لقد أعطيتني الحياة بمعنى حرفي لأنني أعتقد أنني كنت لأموت لو لم أتمكّن من تحقيق هذا الإنتاج". وتذكر ناهده طويل في كتابها عن "شخصيّة جبران" أنه بقي إلى آخر أيام حياته – وقد أصبح ميسور الحال – يقبل من ماري مساعدتها الماليّة وهداياها الكثيرة لأن الهديّة هي في اللاوعي بمثابة الحب الأمومي، وجبران عبّر مراراً عن شعوره البنوي نحو رعايتها: "لقد كنت دائماً أتمتّع بأطايب مائدتك يا ماري، وكنت دوماً تملأين صحني وكؤوسي. والآن لا أشعر بعد بأنني ضيف محبوب بل بالأحرى بأنني طفل في بيت أمّي". وبقي على هذا الشعور حتى بعد زواج ماري ورغم صداقته لبربرة يونغ. ففي خريف 1928 كتب إلى ماري يحدّثها عن اشتداد وطأة البرد في نيويورك وعن حاجته إلى محبّتها الأموميّة الدافئة: "إن قلب أم وحده يمكن أن يعطيني هذا الدفء وهناك مثل هذا القلب صرت أملكه. فليبارك الله هذا القلب، قلب الأمّ". ولم تكن لتضنّ بعاطفتها الأموميّة بل كانت تدفقها عليه وهذا جليّ في قولها له: "إنّ هاتين اليدين الحلوتين الهشتين، تحبّان يا حملي، أن تسقياك الحليب، وأن تغسلا حوافرك، وأن تعقدا شريطاً جديداً أزرق حول عنقك". وكان جبران يتلذّذ بمثل هذه العاطفة لا بل كان في أمسّ الحاجة إليها. ألم يكن يتوجّه إلى ماري في معظم رسائله إليها قائلاً: "يا أمّ قلبي المحبوبة المحبّة"؟
إذا أردنا الغوص أكثر في علاقتهما نلاحظ أن جبران امتنع عن أي علاقة جنسيّة معها. وإذا اطّلعنا على سيرة حياته نلاحظ أن علاقاته الجنسيّة عموماً كانت ضئيلة ولم تنل حيّزاً مهمّاً من حياته. فهو صرف القسم الأوفر منها لإنتاجه الفني والأدبي معتبراً أنّه يفرغ طاقته الجنسيّة في إنتاجاته. ذلك لأنّه يرى الجنس في كلّ شيء من أشياء هذه الحياة "فالجنس موجود في كلّ شيء: في الروح كما في الجسد"، فيقرن الجنس بالخلق الفكري مميّزاً بين الجنس والجسد. ويعترف جبران بـ"أن أكثر المخلوقات شعوراً بالدافع الجنسي في الأرض هم الخلاّقون... الشعراء والنحاتون والرسامون والموسيقيون... أمّا أنا فلست أعرف شيئاً يخلو من الدافع الجنسي". هذا الدافع لا يبلغ ذروته في المفهوم الجبراني في جسد امرأة بل يتسامى إلى الإنتاج الفكري الإبداعي. يمكن أن نستخلص من هذا أن جبران لم يكن يرى في المرأة مجرّد وسيلة لإشباع رغباته وملذّاته بل كانت في حياته أكثر قداسة من أن تمسّ، كانت أيقونة. فالحب عند جبران يتجلّى في الروح "والحبّ إن قادت الأجسام موكبه/ إلى فراش من الأغراض ينتحر/ والحب في الروح لا في الجسم نعرفه/ كالخمر للوحي لا للسكر تنعصر". علاقة جبران بالمرأة لا تشترط إذاً لقاء الجسد الحسي قدر ما تقوم على تفاهم روحيّ.
يبقى سؤال مهمّ: لِمَ امتنع جبران عن الزواج؟ نجيب بأن الزواج مؤسسة أبويّة صغيرة تطغى فيها صورة الأب الذي رفضها جبران منذ نعومته. فلم ير في الزواج سوى سوء معاملة للمرأة وانسحاق لها. من هنا أيضاً نستطيع أن نفهم رفض جبران لأي شكل من أشكال المجتمعات الأبويّة.
وإذا أبحرنا مع جبران في مسيرته الأدبية والفنيّة نلاحظ أنّه يتقمّص المرأة فيقول على لسان وردة الهاني في "عرائس المروج": "هؤلاء البشر الذين يجيئون من الأبديّة ويعودون إليها قبل أن يذوقوا طعم الحياة الحقيقيّة لا يمكنهم أن يدركوا كنه أوجاع المرأة عندما تقف نفسها بين رجل تحبّه بإرادة السماء ورجل تلتصق به بشريعة الأرض. هي مأساة أليمة مكتوبة بدماء الأنثى ودموعها يقرأها الرجل ضاحكاً لأنّه لا يفهمها، وإن فهمها انقلب ضحكه فجوراً وقساوة وأنزل على رأس المرأة من غضبه ناراً وكبريتاً، وملأ أذنيها لعناً وتجديفاً". لنتوقّف هنا قليلاً. أليس الرجل المحبوب في لا وعي جبران هو عبد السلام رحمه زوج والدته الأول الذي فقدته ولم تتمكّن من العيش بقربه واضطرّت إلى المعاناة مع رجل آخر لا يفهمها ولا يفهم معاناتها؟ ألا تذكّرنا اللعنات هنا والتجديف بطفولة جبران الذي كان يسمع لعنات أبيه وتجديفه وشتائمه تنهال كالمطر على أمّه المسكينة فلازمه هذا الألم، فالتزم قضيّة المرأة ودافع عنها وصوّر آلامها بكلّ ما في قلبه من حبّ لأمّه وتعاطف مع آلامها التي صمتت عنها فنطق بها الصبي على طريقته؟ وتكمل وردة الهاني قائلة: "هو نزاع مخيف قد ابتدأ منذ ظهور الضعف في المرأة والقوة في الرجل، ولا ينقضي حتى تنقضي أيام عبوديّة الضعف للقوّة (...) لكنني وقفت ونزعت عني جبانة بنات جنسي وحللت جناحي من رُبط الضعف والإستسلام وطرت في فضاء الحبّ والحريّة...". مشهدٌ يذكّرنا أيضاً بالعائلة الجبرانيّة، يظهر من خلاله رفض جبران لواقع والدته الأليم التي عاشت أسيرة استبداد خليل جبران، مستضعفة منه. ربما تصويره لهذا الواقع محاولة للخروج منه. فوردة الهاني، حققت رغبة جبران في أن يرى أمّه محرّرة من قيودها ومن سلاسل تعذيب زوجها لها. يرفض جبران ضعف المرأة رفضه لضعف أمّه التي دفنت حيّة في منزل والده ويعبّر عن ذلك على لسان وردة: "هي قبور مكلّسة يتوارى فيها مكر المرأة الضعيفة...".
الأم إلإلهة
أحبّ جبران أمّه التي ذهبت إلى بلادٍ بعيدة لكنّ صورتها ظلّت تحيا في جميع مظاهر الطبيعة والحياة. لذا كان دائم الحنين إلى العودة إلى رحمها عارياً "إخلعوا هذه الأثواب ودلوني عارياً إلى قلب الأرض. مددوني ببطء وهدوء على صدر أمّي". ففي لوحة "الأمومة التصاعديّة" نرى الأمومة احتضانيّة، غاية مثاليّة لأمومة قريبة تنطوي في ذاتها على نواة من تلك الأمومة الكونيّة. في هذا الرابط الداخلي نجد معنى علاقة الطفل القوي، المشرق بلون النار، وتحتضنه الأم الكونيّة ولكنّه يرقى إليها بالأم الوسيطة كما يحلّل وهيب كيروز.
ظهرت نزعة جبران الأوديبيّة في "النبي": "أمّا أنت أيها البحر العظيم، أيها الأم الهاجعة. أنت أيها البحر العظيم الذي فيك وحدك يجد النهر والجدول سلامهما وحريتهما. فاعلم أن هذا الجدول لن يدور إلاّ دورة واحدة بعد، ولن يسمع أحد خريره على هذا المعبر بعد اليوم، وحينئذ آتي إليك، نقطة طليقة في أوقيانوس طليق". المغامرة البحريّة التي يخوضها النبي ذات معان ودلالات في علم النفس. هنا يبدو هوام العودة إلى صدر الأمّ وإلى رحمها. ويعود "النبي" الذي عبّر من خلاله جبران عن ذاته وعن رغباته إلى صدرها، "فقد وصل الجدول إلى البحر، وأتيح للأم العظيمة أن تضمّ ابنها إلى صدرها مرّة ثانية"، وذلك بعدما كان في نفسه "شوق عظيم". فقد حقّق المصطفى رغبة جبراننا.
ولا بد للغائص في محيط الإنتاجات الجبرانيّة، أدبيّة أكانت أم فنيّة، من أن يجد الكثير من وجه الأمّ. فإذا تأمّلنا صورة كاملة رحمة نرى فيها نوعاً من التعالي وإكليلاً من الأثير ينوّر وجهها الذي رأى فيه جبران منذ طفولته الأولى الطهارة والحب. في أحد الأيام، كان جبران وماري هاسكل يسيران في الشارع فرأيا قطّة بيضاء ميتةً. وأخذا حينذاك يتحدّثان "عمّا يتجلّى على أوجه الناس من مسحة إلهيّة وهم أموات. وتكلّم جبران عن وجه أمّه: "كانت والدتي أعجب كائن عرفته في حياتي – بوسعي رؤية وجهها الآن على غاية الدقّة... وبعد لفظها أنفاسها امتلأ وجهها من جديد واستعاد لونه الطبيعي، ولم أرَ في حياتي سمة إلهيّة كالسمة المجيدة التي تجلّت على ذلك الوجه!".
صورة والدته كانت مقدّسة، أثيريّة، ملائكيّة. إذا انعمنا النظر في وجهها وفي وجوه النساء اللواتي رسمهنّ جبران، نلاحظ ملامح كاملة رحمه في كلّ وجه. ونشير إلى أن جبران لم يرسم أيّ صورة لوالده ولا لأخيه بطرس لأنّ هذا الأخير لعب دور الأب حين كان كاتبنا في أميركا مع أمّه وأخواته فكان يعمل ويقوم بتأمين حاجات العائلة الماديّة. أضف إلى ذلك أن النساء العاريات في لوحاته لا يحرّكن مشاعر الرجل الجنسيّة. بل هذا العري هو عودة إلى الطبيعة، إلى الحياة التي هي في جوهرها أمّ. وتجدر الملاحظة إلى أن نزعة جبران الأوديبيّة تعدّت إنتاجاته الفنيّة والأدبيّة إلى نظرته إلى الله. يروي ميخائيل نعيمه في كتابه أن جبران رفع المرأة إلى "عرش الله". ففي أحد أحاديثه مع ماري هاسكل يقول جبران: "أكثر الأديان يتكلّم عن الله بصيغة المذكّر. وعندي أن الله أمّ مثلما هو أب. بل هو أبٌ وأمٌّ معاً. والمرأة في نظري هي مثال الله الأم. قد يُدرَك الله الأب بالعقل أو بالخيال. أمّا السبيل إلى الله الأمّ فهو الحبّ. والحبّ هو الخمر التي تعصرها الآلهة من قلوبها لتسكبها في قلوب الناس. وليس يشربها صافية إلاّ الذين صفت قلوبهم من كلّ أدران الشهوات الحيوانيّة. هؤلاء إذا ما ثملوا بالحبّ ثملوا بالله". ليس غريباً أن نسمع مثل هذا الكلام من جبران الذي ثمل بحبّ أمّه. وبما أنّ الأب أيضاً لا يستغنى عنه في هذه الحياة فقد بحث عن صورة الأب الحنون، العطوف، المحبّ، نقيض صورة خليل جبران فكان هذا الأب هو الله الذي لا يخلو من صفات الأمومة والأنوثة. ففي جوهر أبوّة الله أمومة تجعل منه العين الساهرة على أبنائه التي لا تدرك بالعقل بل بالحبّ. والحبّ خمرة إلهيّة لا يمكننا اختبارها إلاّ إذا تحرّرنا من الجسد وشهواته ومن الملذّات الحسيّة. ومن يرمز إلى حبّ الروح المتعالي على الشهوات أكثر من الأمّ؟
يبقى السؤال إلى أي حدّ بلغ حب جبران الأوديبي؟ للوهلة الأولى يبدو الجواب عسيراً وخصوصاً عندما نستنتج أن جبران عشق أمّه إلى حدّ التماهي بها، فحمل في داخله بعضاً من الأنوثة التي تجلّت في هوام الحمل الذي سيطر عليه: "أنا المرأة الحامل: ليس لي إلاّ أن أضع بين أيدي الحياة ما أحمله في أحشائي". تروي ماري هاسكل في مذكّراتها أنّه قال "إنّ شيئاً عظيماً كامن فيّ، ولا أستطيع إخراجه! إنّه "ذات عظمى" وصامتة، جالسة ترقب أناي الأصغر المنهمكة في جميع أنواع الأشياء. ويتراءى لي أنّ جميع أعمالي هي كاذبة، فهي لا تعبّر عمّا أريد التعبير عنه. إنّي أعي دوماً أن ولادة ما آخذة في الحدوث. إنّها كطفل يحاول طوال أعوام أن يبصر النور ولا يستطيع أن يبصر النور. إنّك دائماً تنتظر ودائماً تقاسي آلام المخاض. ومع ذلك فلا ولادة. لكن إذا متّ قبل أن أعطي إلى النور "مولودي هذا"، فلن أنفك عن الرجوع إلى هذه الدنيا حتى تتمّ ولادته...". وتفسّر ناهدة طويل فرزلي ذلك قائلة: "إن هوام الحمل قد يعبّر عن نزعة أنثويّة، وخاصّة أن جبران تشبث بصورة أمّه وقدّس الأم والأمومة". يقول في رسالة إلى ماري هاسكل عام 1915: "فخري بنا، أنت وأنا، أن نتطلع إلى الأمس كما يتطلّع إنسان إلى كآبة وجه أمّه التي بالعذاب حملته وبالعذاب أنجبته إلى الحياة".
الأم الكاملة
نرى عند جبران نزعة طبيعيّة في الإنسان وهي النزعة الخنثويّة أو الأندروجينيّة. كلّ إنسان منّا يحمل في داخله رجلاً جبّاراً قويّاً والمرأة الحنون العطوف. ولكن، وبحسب جنسنا، تظلّ إحدى النزعتين مختبئة في أقبية الإمكان. لكنّها تتفجّرعند البعض وتنبثق فتظهر بحلل مختلفة. عاش جبران هذه النزعة في فنّه وأدبه اللذين رأيا النور بعد آلام المخاض. حبل جبران بالفنّ والأدب. إنّه ككلّ فنّان بل كالخالق يحمل في داخله شيئاً من الأنوثة.
إلى أي حدّ بلغ حب جبران الأوديبي؟ نجيب مذكّرين بقول جبران بأنّه يريد المرأة "نصف بياتريس ونصف فرنشيسكا". بياتريس هي المرأة التي أحبّها دانتي حبّا روحيّاً وألّهها في "الكوميديا الإلهيّة". وفرنشيسكا أيضاً بطلة "الكوميديا الإلهيّة" لكنّها تمثّل المرأة التي تعشق الحياة والحبّ.
فبياتريس إذاً تمثّل المرأة الإلهة في نظر جبران. إنها المرأة الملائكيّة الأثيريّة معشوقة الروح. فيها صورة كاملة رحمة وماري هاسكل. أمّا فرنشيسكا فتمثّل حبّ الجسد، حبّ الشهوة، حب اللذة. إنّها المرأة الشهوانيّة. ولعلّنا في هذه العبارة نقرأ رغبة جبران في التحرّر نوعاً ما من صورة الأم التي يشعر بالذنب إذا ما اقترن أو حاول الإقتران بها. فرنشيسكا تلغي الشعور بالذنب لأنها صورة المرأة العاشقة، الهائمة، المرأة الحسيّة. فإلى جانب صورة الأم التي سيطرت عليه كان جبران بحاجة إلى امرأة يرى فيها الصورة النقيضة أو بالحري الصورة المكمّلة. أليست في الحقيقة كلّ امرأة بعضاً من بياتريس وبعضاً من فرنشيسكا؟
في لاوعيه كان جبران أسير صورة الأم. وفي لاوعيه أيضاً أراد التحرّر من صورة الأم. أليس هو القائل على لسان يسوع، قرينه "إنني حقا أريد الراحة. ولكن ليس تحت السقوف فاسمحوا لي أن أنام الليلة تحت مظلّة الدوالي والنجوم"؟ نقرأ في قوله هذا رغبة بالتخلّص من قيوده الأوديبيّة التي أثقلته منذ صباه. فالتحرّر من البيت هو التحرّر من المرأة الأم التي تحضن أبناءها وتظلّلهم بجناحيها.
في النهاية يسعنا القول إن حب جبران الأوديبي لم يبلغ حدّ المرض بل حدّ الإبداع إذ فجّر جبران عالماً من العوالم الشاسعة المنطوية في كلّ منّا، الدفينة في أعماق أعماقنا. في خبايا أنفسنا حبّ أوديبي يرافقنا حتّى آخر أيّام حياتنا، يتجلّى في حلل ومظاهر مختلفة.
وتبقى المرأة الأم، المرأة الرمز، عنوان إبداع جبران خليل جبران. تقمّص جبران المرأة وكتب بها لا بل هي أمسكت بريشته لتكتب نفسها. جبران مهووس بالمرأة، مسكون بها، مدين لها كما قال يوماً لماري هاسكل "أنا مديون بكلّ ما هو أنا إلى المرأة، مذ كنت طفلاً حتى الساعة، المرأة الأم، والمرأة الأخت، والمرأة الصديقة... والمرأة تفتح النوافذ في بصري والأبواب في روحي".
المصدر: جريدة النهار
هذا ليس كتاباً لأن من يلمسه يلمس إنساناً
أمال نوّار اليوم مع مرور قرن ونصف قرن على إصدارها الأول، من المفيد إعادة قراءة هذا العمل الخلاّق في ضوء الحاضر، والغوص من جديد في منجزات هذا الأثر الفني الذي به على قول عازرا باوند، "كسر ويتمان ظهر الوزن التقليدي" ومنه انطلق قرع الطبول الأولى ليبشر بولادة قصيدة النثر الحديثة، وليفتح الدرب أمام تجارب عدة أعقبته وزلزلت عالم الشعر شكلاً ومضموناً. يستدعي تأمل هذا العمل أولاً، الإحاطة بالظروف الموضوعية والتاريخية التي رافقت حياة ويتمان، وساهمت في تبلور أفكاره ومفاهيمه، وصوغ تجربته الشعرية. ثانياً، الوقوف على طبيعة الرؤية النقدية له منذ صدوره حتى يومنا الحاضر، في سياق تاريخي يلقي الضوء على ما شهدته الحياة الأميركية من تغيرات وتطورات على مختلف الصعد، وعلى تأثير هذا العمل في مسار الشعر الحديث، ومدى أهميته وفاعليته في تجارب بعض شعراء الحداثة الأميركيين والعالميين. ثالثاً، محاولة نقل صورة حيّة لبعض انفعالات القارئ المعاصر ومشاعره وبعض مواقفه النقدية إزاء أشعار ويتمان اليوم. " ما من صديق لي يرتاح في كرسيي/ ليس لي كرسي ولا كنيسة ولا فلسفة" والت ويتمان هذا "الشاعر الأشيب الطيب" بحسب تسمية "وليام أوكانور" له، هذا البوهيمي الريفي الذي لا يخلو سلوكه من الفظاظة ولا مظهره من الخشونة، لم يكن ليخطر في باله قط وهو يخطو خطواته الأولى نحو عالم الأدب والشعر، أن أميركا لم تحظَ قبله بأي شاعر تجري في كتاباته دماء رجل عادي مثله! أول العشب وآخر السنديان لم يكن ثمة ما يشير في بداية حياة ويتمان إلى أنه سيحظى بمستقبل عظيم أو فريد. ولد عام 1819 في بيت خشبي متواضع في ضاحية صغيرة من ضواحي "اللونغ آيلند" في نيويورك. أبوه كان نجاراً وأمه امرأة ورعة لا تتوقف عن الدعاء والصلاة. وكان له ثمانية أشقاء. ونظراً لكبر عائلته وعوزها، لم يتسنَ لويتمان الحصول على أكثر من تعليم إبتدائي بسيط. في عمر الحادية عشر انقطع عن الدراسة ليبدأ العمل في مهن متنوعة، أولها كان منظفاً في مطبعة ثم منضداً للحروف. مابين عمر السابعة عشر والعشرين استطاع هذا الفتى شبه المتعلم أن يصبح معلماً في إحدى المدارس الريفية. في هذه الفترة بدأ بنشر قصائده الأولى، وبالإنخراط في بعض النشاطات الثقافية في مدينة نيويورك. عام 1838 انصرف ويتمان عن مهنة التعليم إلى مهنة الصحافة، واشترى بمساعدة مالية من أصدقائه مطبعة صغيرة في بلدته وبدأ بإصدار صحيفة أسبوعية أسماها "اللونغ آيلندر". غير أن مغامرته هذه لم تدم لأكثر من عام واحد بعدما قادته إلى الإفلاس. في السنوات التالية، لم يتخل ويتمان عن مهنة الصحافة، سوى أن طبيعته الحالمة وقلقه الدائم وعدم قدرته على المواظبة والإنضباط وأحيانا مواقفه السياسية، حالوا جميعهم دون استقراره في وظيفة واحدة مدة طويلة، وقادوه إلى خسارة مناصب مميزة منها منصب رئيس تحرير صحيفة "نسر بروكلين". أثناء عمله الصحافي، كتب ويتمان في موضوعات متنوعة، تراوحت بين التعليم والموسيقى والأخلاق ومحاربة الإدمان والإرشاد. قصائده وقصصه في تلك الفترة كانت وعظية، تقليدية، عاطفية، تعكس المفاهيم الدينية والأخلاقية والفكرية لعصره. ورغم أنه كان ناشطاً سياسياً من مؤيدي الحزب الديمقراطي، غير أنه لم يسع قط إلى تحقيق أية مكانة أو مستقبل خارج إطار الصحافة الأدبية والشعر. وبعيداً عن السياسة، انتقل ويتمان إلى مدينة "نيو أورلينز" في ولاية لويزيانا للعمل في صحيفة حديثة التأسيس، لكن صاحبها لم ترقَ له كتابات ويتمان التي تناولت شؤون الطبقات الدنيا، وتعاطفت مع البحارة وعمال الموانئ والعاطلين عن العمل وغيرهم، فطرده من صحيفته، مما اضطره إلى العودة إلى نيويورك في رحلة بحرية طويلة سيظل يتذكرها طيلة حياته. عام 1850، بعد فشله الذريع في تحقيق بعض الإستقرار المادي أو النفسي، وإخفاقه في بناء شهرة في مجالي الشعر والصحافة، انكفأ ويتمان عن العمل في الصحافة متفرغاً كلياً للكتابة الشعرية. ثمة من يعتبر المرحلة من حياة ويتمان ما بين 1850 و1855 الأهم له فكرياً وروحياً وإن بدت الأكثر فشلاً مهنياً، إذ أنه في مرحلة انطوائه هذه كان غزير الإنتاج الشعري، إضافة إلى أنه بدأ بكتابة قصائد مختلفة في جوهرها وتطلعاتها وأسلوبها عما سبقها من قصائده الركيكة. وكان أبرز تقنياته الشعرية الجديدة تخليه عن القافية والوزن. تجمعت لدى ويتمان في هذه الفترة من الكتابات ما تراوح بين الشعر والنثر، فألف منها مجموعة أسماها "أوراق العشب" نسبةً إلى العشب الشائع الذي ينبت في كل مكان. لم يتعاط النقد برأفة أو لين مع هذه المجموعة التي جاءت منافية لنماذج آداب اللغة الإنكليزية، الرصينة المحتوى، المثقفة النبرة، والمشذبة اللغة. اللافت أيضاً أن هذه المجموعة التي توخى منها ويتمان مخاطبة الإنسان العادي في عصره من خلال محاكاتها لمعتقداته وآمانيه ولعناته وأغانيه ولهجاته العامية، لم تفلح قط في استدراج سمعه أو لفت انتباهه، بل على العكس كان له منها موقفاً أخلاقياً متشدداً يتجاوز في تقليديته ورجعيته موقف النخبة المثقفة الأرستقراطية، وخصوصاً أن الإصدار الثالث من أوراق العشب عام 1860 اتخذ منحى إيروتيكيا ولغويا مفارقاً بلغ ذروته. مع نشوب الحرب الأهلية عام 1860، ما كان من هذا الشاعر الشعبي الذي طالما ضجت كتاباته بالعاطفة الأخوية والقيم الإنسانية، سوى أن يثبت قوله بالفعل. فتطوع ممرضاً لمؤاساة الجرحى في المستشفيات. غير أن حالة الإجهاد التي انتابته عاطفيا وجسديا دفعته إلى العودة إلى بروكلين منتصف عام 1864 بعدما استنزفت فواجع ثلاث طرأت على محيط عائلته قواه المتبقية: فاجعة أخ قضى بالسل، وآخر وقع أسير حرب وظل مجهول المصير لمدة، وثالث أصابه الجنون مما استدعى إدخاله مصحاً للأمراض العقلية. لكن بداية عام 1865 حملت لويتمان بعض الإستقرار المادي، وذلك إثر حصوله على وظيفة حكومية في وزارة الداخلية في واشنطن. اختبارات الحرب منحت شعر ويتمان مزيداً من القوة والزخم أكثر ما تجليا في سلسلة قصائد جديدة أصدرها عام 1865 تحت عنوان "قرع الطبول". سرعة نفاد هذه الطبعة، شجّع ويتمان على إعادة إصدارها، مضيفاً إليها ملحقاً يضم مزيداً من القصائد تحت عنوان "تتمة إلى قرع الطبول"، و أهم ما تضمنته الأخيرة، قصيدتاه في رثاء الرئيس أبراهام لنكولن اللتان تعتبران من أبرز المراثي وأنبلها في اللغة الإنكليزية. مع ظهور الإصدار الخامس من مجموعته بدأت شهرة ويتمان تذيع في كل أرجاء القارة الأميركية وعبر البحار أيضاً. لكن ما إن بدأت حياته الأدبية تتخذ مساراًَ إيجابياً حتى داهم القدر حالته الصحية، إذ أصيب بشلل نصفي نتيجة جلطة دماغية، في أوائل عام 1873، وهو العام نفسه الذي قضت فيه والدته تاركةً إياه كومة حطام ليس أكثر. مرضه أدى به إلى خسارة عمله، وعليه فإن معيشته اعتمدت في هذه الفترة حتى مماته، على النذر اليسير من المال الذي كان يصله من ريع كتبه، وتبرعات بعض الشعراء الأميركيين والإنكليز من أصدقائه. في السنوات الأخيرة من حياته، أقام ويتمان في "كامدن" في ولاية نيوجرزي. إصداره الأخير من أوراق العشب ظهر عام 1892، عام مماته، لذا لُقب بِ"طبعة فراش الاحتضار". هذا الإصدار مثل في نظر ويتمان العمل الأكثر كمالاً واكتمالاً من بين كل سابقاته. أيضاً في العام نفسه، صدرت لويتمان مجموعته النثرية الكاملة؛ كل ما أعرب الشاعر عن رغبته في تخليده. أكثر المسائل التي ظلت إثارة للجدال والتكهنات بعد موت ويتمان، طبيعة هويته الجنسية. طوال حياته ظلّ ويتمان متستراً عليها، ومحاذراً البوح بسرها، حتى أن بين النقاد لاحقاً، من اعتبر أنّ تلك العاطفة الأخوية بين الرجال التي تضجّ بها أشعاره، ما هي حقيقةً إلاّ غطاء عاطفي أفلاطوني لانحرافه الجنسي، لا بل منهم من قال بإمكانية استبدال كلمة "روحي" في شعره بكلمة "جنسي"! لا غرابة بعد ذلك في رثاء ويتمان لحاله بقوله:"لن تفهموني أبداً"، أو في إشارته للقارئ: "أواه، أقول، هذه ليست أعضاء أو قصائد الجسد فقط، بل والروح أيضاً". صوت الطبيعة الباكية ولد ويتمان في بلد بريّ، فجّ، كان لا يزال في طور البحث عن هويته. وشهد في شبابه شباب أميركا العاصف المتبجح، وهو يتخبط في طريقه نحو حرب مغامرة؛ حرب لقنت الأميركيين في ما بعد درساً إنسانياً مكلفاً، كان من نتائجه انتقال هذه الأمة من مرحلة الطيش إلى مرحلة النضج. أيضاً عايش ويتمان مرحلة نزوح هذه الأمة نحو الفكر المادي، ومرحلة عمرانها وتحول مجتمعها مجتمعاً مدينياً صناعياً مستقلاً ومستقراً. وعليه فإن ثمة علاقة حميمة نشأت بينهما، و بين إنتاجه وإنتاجها، ولذا فإن النقد الأميركي اليوم لا يني ينظر إلى "أوراق العشب" في وصفها قصيدة أميركا ألأصيلة، وإلى أميركا بوصفها قصيدتها الأصيلة. لكن مجموعة كهذه جاءت شاذة قلباّ وقالباّ عن نماذج عصرها، لم تكن لتحظى من نعمة النقد آنذاك بغير اللعنة! إنّ ليبرالية أفكار ويتمان، وعدم مجاراة شعره لما كان سائدا في عصره من مفاهيم عامة تتعلق بآداب السلوك والحس الجمالي السليم، إضافة إلى عفوية أسلوبه المتمثل بالبعد عن النموذج الفيكتوري المتسم بالتكلف والفخامة والزخرفة والرطانة اللغوية، جعلت منه أضحوكة أدبية ليس أكثر، عرضة لقدح نقاد عصره وشعراء صالوناته. ولكونه ينحدر من الطبقة العاملة في نيويورك وليس من النخبة المثقفة المتمركزة آنذاك إما في بوسطن أو فيلادلفيا أو فرجينيا، لم يكن في نظر النقاد في حينه سوى دخيل، متعد على عالم الأدب والشعر، لا بل معتوه، بحسب ما جاء في تعليق صحيفة "لندن كرتيك" "لا يفقه بأصول الفن أكثر مما يفقه الخنزير في علم الرياضيات". ليست مستغربةً بالطبع شراسة انقضاض النقد على فريسة دسمة كهذه. فقد عاش ويتمان في زمن تقليدي، محافظ، قاس، ومزدوج المعايير إلى حد جعل شاعرة كبيرة كإميلي ديكنسون، معاصرة له ومنحرفة جنسياً مثله، تجهر بالقول أنها "لم تقرأه لأن ثمة من أخبرها أن شعره مشين"! علينا أن نتخيل فقط كيف أطبق أريستقراطيو عصره بأيديهم على أنوفهم وهم يقرأون بيته الشعري القائل:"إنّ رائحة هاتين الإبطين لهي أريج أعبق من الصلاة". وهل ثمة ما هو أفظع من أن يُشبه شعره بالقيء؟! غير أنّ ما قوّى عزيمة ويتمان على الاستمرار في إطلاق "صرخته الهمجية فوق سطوح العالم"، ما جاء على لسان الشاعر والفيلسوف الألمعي "رالف والدو إمرسون": الزمن وحرباء النقد مع مرور الوقت وتوالي الإصدارات من مجموعة ويتمان، فإن النقد لم يبق على حاله، بل راح يتخذ منحى أكثر تعاطفاً مع تجربته الشعرية. وبعد موته بوقت قصير، كأنما تعويضاً عن الإهمال الذي لحق به في حياته، بدأ النقد ينكّب على دراسة أشعاره وسيرة حياته. وبدأت كتب تظهر تحت عناوين مثل:"ويتمان بوصفه هيغلي"، "ويتمان بوصفه متجاوزاً لعصره"، "ويتمان بوصفه نبي الذات و الديمقراطية و حكومة العالم"، "ويتمان بوصفه الأميركي الأكثر أصالة بين الشعراء الأميركيين، " ويتمان بوصفه مسيح جيلنا"الخ... وعموماً فإن النقد تركّز على أربعة من وجوه ويتمان: كمجدد في الكتابة الشعرية ، كمختبر للغة، كشاعر للديمقراطية، و كنبي للذات. وبدا أن ثمة إجماعاً على كون ويتمان الشاعر الأميركي الوحيد الذي استعان بأشياء وعناصر من الحياة والطبيعة، أصيلة، فطرية، شعبية، نافحاً فيها من روحه الشعرية ومن وجدانه الأصيل، إلى حد يتعذر معه الفصل بين حياته وأشعاره، فهو القائل:"يا رفيقي، هذا ليس كتاباً / من يلمسه يلمس إنساناً". لقد بات في نظر النقد شاعر البشرية جمعاء إذ أن محبته اللامشروطة لم تستثن أحداً، حتى ولا عاهرة. وإضافة إلى اعتباره شاعر الواقعية والحقائق والديمقراطية، فإنه أيضاً بات يُنظر إليه في وصفه شاعراً رائياً، ليس لأنه يرى إلى المستقبل فحسب، بل لأنه يرى إلى الحاضر أيضاً، وإلى عمق الأشياء من حوله حتى لتتبدّى له معجزاتها الصغيرة. تبنى ويتمان في كتاباته الأفكار الفرودية في التحليل النفسي المعاصر، فهو لم يتناول الجنس كوسيلة جسدية رومانسية للتعبير عن الوجدان العاطفي، بل كموضوع حياة وكطاقة تستفز الوعي والمعرفة لدى الإنسان. وفي النظر إلى كل ما تقدم، كان من البديهي أن كتابة شعرية كهذه، مندفعة بنَفَس جديد من رئة جديدة، لا بد أن تحتاج إلى جسد لغوي جديد أيضاً، يستوعب أفقها الإنساني اللامحدود ويخرجها من حدود القافية والوزن والقوالب الشعرية الجاهزة إلى فضاء الكتابة الحرة الرحب. كان من البديهي لروح شعرية كونية شمولية، تجسّد أميركا في وصفها مزيجاً من حضارات الشعوب، أن تتشرّع على احتمالات جديدة لخلق نموذج كوزموبوليتاني للتعبير عن الذات. والواقع أنّ المنحى الراديكالي الذي اتخذه ويتمان شعرياً وفلسفياً لم يتسم بمستوى الجرأة ذاته في ما يخص الجنس. فأشعاره حين تتناول الموضوع الجنسي، تتحاشى تحديد جنس الحبيب حتى ليبدو محتواها إندروجينياً إلى حد ما. مع ذلك فإن ويتمان احتفى بالطبيعة الجنسية للإنسان وبعالم غرائزه في وقت كانت فيه حشمة ولياقة سلوك الآداب الفيكتورية تأبى مجرد الإشارة إليهما. يقول في قصيدة بعنوان"أغنية الدرب المفتوح":"سأذهب إلى الضفة لدن الغابة وأضحي بلا قناع، عارياً". العري له هو شرط الحرية، ودربه المفتوح هو الذي فتح الدرب لاحقاً، للبيتز مثلاً، في الخمسينات، في تبني فكرة حب الرجال. لم ينتمِ ويتمان طوال حياته إلى كنيسة خارج ذاته وشعره. في نظره كل ما في الطبيعة والحياة مقدس وليس الله وحده. كذلك لم يكن مسكوناً بنوستالجيا الماضي، فقصائده لم تعرف وجهة لها غير الأمام، في حركة تستدعي نهوض الإنسان من حاضره وواقعه. آدم ويتمان الجديد يبدأ من نفسه، يخلق نفسه أولاً ومن ثم موطنه، أي على النقيض تماماً من وجهة نظر إليوت القائل:"الوطن هو المكان الذي يبدأ منه الفرد".اكتشاف الماضي والعودة إلى الأصل هما في نظر ويتمان طريقان ينحدران إلى أرض الأموات. ونتساءل: هل كان آدم ويتمان المنشغل بكيفية الإرتقاء بنفسه إلى معرفة تتجاوز في عمقها معرفة الأصل والفصل، أكثر تقدمية وتحضراً من آدم اليوم التائه الذي لا يستقيم لوجوده معنى خارج حدود الهوية والجذور والإنتماء؟ أريستقراطي الروح كان ويتمان موضع تقدير كبار شعراء القرن العشرين في انكلترا، أمثال: تنيسون، سوينبرن، وايلد، هوبكنز، إدوارد داودن، روزيتي وغيرهم. اعتبر سوينبرن أن عظمة ويتمان توازي عظمة وليم بليك، فهما في رأيه شربا من النبع العميق ذاته، و أشعارهما استمدت قوتها من تلك الطاقة الخارقة للعناصر والأشياء الخالدة. لكن ويتمان لم يحظ بالتقدير نفسه من اثنين من أكبر شعراء أميركا: ت. س. إليوت وعازرا باوند. وليس سراً أن أناشيد باوند ورباعيات إليوت لم تخل جذورهما من نسغ ويتمان الواضح، لكن مقت هذين الشاعرين للحرية الأميركية بكل أيديولوجياتها ورموزها الوطنية وصانعي أحلامها هو ما دفعهما إلى التقليل من شأن ويتمان وإنجازاته الشعرية. من جهة أخرى ثمة بين شعراء الحداثة من تأثروا بويتمان وأبرزهم: هارت كرين ود. ه. لورانس وديلان توماس. هؤلاء على رغم البون الشاسع بين أساليبهم الشعرية، شربوا جميعهم من النبع نفسه، فجمعهم بويتمان من المميزات الشعرية ما فرّق بينهم. في رأي النقد أن ما يجمع كرين بويتمان هي تلك الرؤية الشعرية الأسطورية لتجربة أميركا، وما يجمع لورانس به هو هذا الإنفعال والهذيان الروحاني الباطني لأشعاره. في حين أن أشعار توماس جاءت لتذكرنا بذاك النَفَس الملحمي الويتماني المليء بالتعاويذ والحكم البدائية. اعتبر د. ه. لورانس أن "ويتمان أعظم شعراء الحداثة في أميركا، وأنه ليس أرستقراطي المنشأ بل أرستقراطي الروح، وأن الأميركيين لا يستحقونه". ومما قاله هنري ميللر في ويتمان:"أنا لم أفهم أبداً لماذا وجبت تسميته الشاعر الأشيب الطيب، في حين أن لون لغته، مزاجه، كيانه برمته، هو الأزرق المثير "، ويعلّق في مكان آخر أن "ويتمان لم يكن إطلاقاً شاعر الجماهير، بل كان نائيا عنهم كقديس عن أعضاء كنيسة" مضيفاً " ما من شاعر مثله تحلّى بهذه الرؤية الشمولية، حيث ما من حواجز تعيقه عن التواصل مع أي شيء حتى مع الشر". أيضاً اعتبر ميللر أن الشاعر الوحيد الذي يمكننا مقارنته بويتمان هو دانتي، إذ أن الأخير يرمز إلى القرون الوسطى، في حين أنّ ويتمان يجسد في شعره الإنسان المعاصر الذي حتى الآن لم نحظَ به ولا بالحياة العصرية التي تغنى بها! وأعلن بابلو نيرودا قائلاً:"على رغم أن لساني إسباني، غير أن والت ويتمان علّمني أكثر من ثرفانتس إسبانيا. في نتاجه لا يمكننا الوقوع على جهلاء مهانين أو أي وضع إنساني مُساء إليه بطريقة ما". بعض النقاد الأميركيين اعتبروا أن سعي ويتمان إلى إعادة تعريف الطبيعة الجنسية وماهية الجسد هما من الأسباب التي جعلته لاحقاً مثالاً أعلى يحتذيه بعض المثليين والمثليات جنسياً في عالم الأدب والفن أميركيا وعالمياً، ومنهم الشاعر الأميركي آلن غينسبرغ الذي كتب فيه قصيدته الشهيرة:"سوبرماركت في كاليفورنيا" و فيها كان يتحسر على حلم أميركا الضائع؛ حلم ويتمان الذي أضحى كابوس غينسبرغ. الكتّاب السود في أميركا أيضاً تأثروا بويتمان، وعملوا على تبني نموذجه الشعري وتوظيفه في صراعهم ضد التفرقة العنصرية والإمتيازات الإقتصادية. من جهة أخرى لم يخلُ النقد الأميركي بتاتاً من بعض المآخذ السلبية على تجربة ويتمان. الشاعر الأميركي وليام كارلوس وليامز على سبيل المثال أشاد بعبقرية ويتمان لكونه تنبّه منذ البداية إلى أن مشكلة الشعر تكمن أساساً في الشكل وفي التقنية واللغة، غير أنه لاحظ أن جهود ويتمان لم تستمر في التركيز على اللغة والشكل والمفردات، بل انشغلت عنها لاحقاً بالتركيز على المضمون الشعري ورسالته الإنسانية عن الديمقراطية. وعليه فإن تأثير ويتمان على شعراء الحداثة، فاقت مفاعليه النظرية والفكرية تلك اللغوية. الناقد "لويس تركو" أيضاً قدّر ويتمان لأفكاره الشعرية، غير أنه في ما يخص شكل القصيدة ومساهمة ويتمان في تحرير البيت الشعري ، أصرّ على أن ويتمان لم يخترع جديداً، إذ أن الكلدانيين سبقوه إلى ذلك في ملحمة جلجامش منذ بدء التاريخ! أكثر... أكثر... كتب ويتمان شعراً متفائلاً يفيض ببهجة الحياة، وتتبدى فيه كل عناصر الكون والطبيعة متساوية القيمة والأهمية، ومندفعة رغم كل تناقضاتها للإلتقاء في نقطة مركزية يصدح منها اللحن الهارموني الأبدي للأمل. لكن هل يمكننا اليوم إنكار الطبيعة الثنائية لكل ما في الوجود؟ هل يمكننا الفصل بين حياة الإنسان الداخلية والخارجية وتجاهل الصراع الذي يجعل قيمة الحياة نفسها موضع شك دائم؟ لعل ما قاله الشاعر الأميركي "بول زويغ" يجسّد تماماً طبيعة وقع أشعار ويتمان اليوم في نفس القارئ المعاصر، ومفاده أن "قارئ ويتمان اليوم لا يراه سوى في الشوارع أو في صالات الأوبرا، ونادراً ما يزوره في بيته! يسمعه في افتتاحية صحافية، لكن قلما شاركه في مناقشة أو محادثة!" خلو أشعار ويتمان من الدراما والسرد يجعلها تبدو كمتفرج أو متأمل أو عابر سبيل يكتفي بمراقبة الأشياء من الخارج من دون أن يتملكه الفضول في معرفة ما يجري خلف أبوابها الموصدة. ولأن القارئ المعاصر لا يساوم على فضوله أبداً، فهو اليوم يفتقد لدى ويتمان المتستر على حياته الجنسية، المتملص من الإجابة بالسؤال، المتخفي بجلد الحقيقة عن حقيقة جلده، تلك الحميمية في التعبير عن الذات، وتلك الخصوصية التي باتت شرطاً ضرورياً لإشباع الفضول والرغبات ليس فقط في ما يخص علاقة القارئ بالنص، بل أيضاً في ما يخص علاقة الإنسان المعاصر بمختلف مجالات الحياة. باتت الحياة الخاصة للأديب أو الفنان سلعة إستهلاكية تضاف هي الأخرى إلى هذه السوق الهائلة الجشعة الفاغرة الفاه أبداً والتي ما عادت لتميّز في إشباع رغباتها بين سلع ضرورية وكماليات. أكثر... أكثر...هذا أقل ما يريده الإنسان المعاصر. وفي حين كان ويتمان يعبر شوارع مانهاتن كشبح، كحلم، كسراب، مسترقاً السمع إلى الطبيعة والأشياء من حوله، فإن الشاعر الأميركي المعاصر لم يعد يكتفي اليوم بمراقبة اللعبة من خلال مروره العابر أو إصاخة أذنيه فقط، بل غدا طرفاً فاعلاً فيها. وفي حين كانت المرأة مثلاً، في الأمس، في قصيدة ويتمان، تراقب عبر النافذة مجموعة رجال يسبحون عراةً،، بات اليوم في متناول خيالها وجسدها وروحها وقلمها ما يفوق متعة التلصص بكثير. لأجل هذه الأسباب كلها، يبدو من الصعب بعد في زمننا الحاضر، لا بل من المحال، على الإنسان المعاصر موافقة ويتمان على مقولته بأنّ "ما أفترضه أنا ستفترضه أنت". **** نصوص مختارة من شعره إلى مومس من عامة الناس كوني رابطة الجأش، مطمئنة، أنا والت ويتمان، متحرّر وشهواني في ما وراء الحدود عند دفّة سفينة في ما وراء الحدود، عند دفة سفينة، أغنية 1 تعالي... 2 سأنمّي العِشرة بين الرفاق كثيفةً كالأشجار 3 هذه كلها مني لكِ أيتها الديمقراطية، لتكون طوع يمينكِ يا امرأتي! مستلقياَ ورأسي في حجركَ أيها الرفيق مستلقياً ورأسي في حجرك أيها الرفيق، عن الأميركية/ ترجمة أمال نوار المراجع BOOKS "Walt Whitman" By David S. Reynolds ARTICLES "Barbaric Yawp" By Andrew Delbanco / The New York Times. OTHERS Dictionary of Literary Biography, Volume 3. المصدر :جريدة النهار 14/9/2005
(لبنان / أميركا)
عام 1855 وبعد محاولات عدة فاشلة، تمكن الشاعر الأميركي والت ويتمان من العثور على مطبعة صغيرة في بروكلين، وافق صاحبها على طباعة مجلد شعري صغير له، في خمس وتسعين صفحة، ويضم إثنتي عشرة قصيدة تحت عنوان "أوراق العشب". هذه المجموعة لم تحظَ آنذاك بسوى قليل من التعليق والنقد، معظمه سلبي إلى حد التسفيه والتقذيع، لكنها أضحت في ما بعد إنجيل أميركا الجديد وصاحبها نبي الأخوة والديمقراطية. انصرف ويتمان طوال حياته، عوض تأليف كتب جديدة، إلى مواصلة العمل على تلك المجموعة وتطويرها مضيفاً إليها الجديد من القصائد ومنقحاً القديم منها، لتتوالى طبعاتها على مدى سبعة وثلاثين عاماً في تسعة إصدارات مختلفة، آخرها كان عام 1892 أي عام وفاة الشاعر، ولتتجاوز صفحاتها الأربعمئة.
والت ويتمان
في 26 آذار قضى ويتمان جراء إصابته بداء ذات الرئة ودفن في "كامدن". وهكذا تخلّد العشب ومات السنديان.
"كتابك هذا هدية رائعة، وهو النتاج الأدبي الأكثر ذكاء وحكمة من بين كل ما أنتجته أميركا حتى الآن...أنني أحييك وأنت تخطو خطواتك الأولى نحو حياة أدبية عظيمة". أبراهام لنكولن هو الآخر أشاد بعبقرية ويتمان وشاعريته.
شغفه اللانهائي بالحياة علّمه درساً عميقاً في القبول، لا في الإيثار ولا في الرفض، مما جعله بالغ الرضا بغموض الأشياء من حوله إلى درجة تجاهله التام للفروق في ما بينها؛ بين ما هو شخصي أو لا شخصي، غرائزي أو روحاني، ظاهري أو باطني.
مثل الطبيعة.
ليس حتى تحتجب عنكِ الشمس، كيما أحتجب أنا عنكِ،
ليس حتى تأبى أن تتلألأ لكِ المياه
وتخشخش لكِ الأوراق،
كيما تأبى أن تتلألأ وتخشخش لكِ كلماتي.
يا فتاتي، ضربت معكِ موعداً،
وأوصيكِ
أن تتأهبّي، كيما تكوني جديرة بلقائي.
وأوصيكِ
أن تكوني طويلة الأناة، وفي أوج زهوكِ حتى أجيء.
وإلى ذلك الحين،
أحييكِ بنظرة جارحة كي لا تنسيني.
ربّان يافع يتولى القيادة بحذر.
نفيرٌ عبر الضباب يعلو الشاطئ، يصدح بشجن؛
نفيرٌ بحري، نفيرُ إنذارٍ تهدهده الأمواج.
أنتَ يا من يجيد التحذير بحق،
أنتَ يا نفيراً عند صخور البحر
يصدح ويصدح ويصدح
ليُخطر السفينة بموقع حطامها.
ولأنكَ يقظٌ أيها الربّان،
تستجيبُ نداءَ النفير.
مقدّم السفينة ينعطف،
والسفينة المرتاعة مغيرةً اتجاهها،
تسرع بعيداً تحت أشرعتها الرمادية.
السفينة البهية والمهيبة، بكل ثرواتها النفيسة،
تسرع بعيداً بحبور وآمان.
لكن يا أيتها السفينة؛ السفينة الخالدة،
يا سفينة خارج حدود السفينة،
يا سفينة الجسد ويا سفينة الروح
الراحلة
الراحلة
الراحلة.
سأجعل القارة يابسة أبيّة دونها الإضمحلال،
سأنشىء أعظم سلالة بشرية أشرقت عليها الشمس حتى الآن،
سأقيم أراضٍ خلاّبة سماوية
بمحبة الرفاق
بمحبة الرفاق الصامدة مدى الحياة.
على طول أنهار أميركا كلها،
وفي محاذاة شطآن البحيرات العظمى،
وعلى أديم السهوب،
سأشيّد مدناً متواشجة
أذرعها تلتف حول أعناق بعضها البعض
بمحبة الرفاق
بمحبة الرفاق العنفوانية.
لكِ، لكِ، أنا أهزج هذه الأغاني،
بمحبة الرفاق
بمحبة الرفاق الشاهقة.
الإعتراف الذي سبق وأدليت به أعود فأكرره؛
ما سبق وقلته لكَ على الملأ أعود وأكرره:
أعلم أني شديد القلق، وأحمل الآخرين على ذلك،
أعلم أن كلماتي أسلحة، معبأة خطراً، معبأة موتاً.
(حقاً لأني أنا نفسي الجندي الحقيقي،
وليس ذاك الذي هناك بحربته،
وليس أتحدى السلام والأمن وكل القوانين الراسخة
كيما أزعزعها.
أنا أكثر عزماً وخصوصاً أنّ الجميع أنكرني
بما يفوق ما كان ممكناً فيما لو كنت مقبولاً لديهم.
أنا لا أبالي، ولم أبالِ قط، بأي تجربة، بمبدأ أخذ الحيطة والحذر،
بصوتِ الغالبية، ولا بكل هذا الهراء.
والتهديد المُسمّى الجحيم تافه أو نكرة بالنسبة إليّ،
والإغواء المُسمّى الجنة تافه أو نكرة بالنسبة إليّ.
يا رفيقي العزيز،
أنا أعترف بأني حرضتكَ على المضي معي إلى الأمام،
ومازلت أحرضكَ من دون أدنى فكرة عن مآلنا،
أو ما إذا كان علينا أن نكون ظافرَيْن،
أو خاضعَيْن تماماً ومنهزمَيْن.
"Readings on Walt Whitman" Edited by Gary Wiener
"Walt Whitman / The Measure of his Song" Edited by Jim Perlman, Ed Folsom & Dan Campion
"Walt Whitman" Edited by Harold Bloom
"Whitman and Tradition / The Poet in his Century" By Kenneth M. Price
"Whitman a Collection of Critical Essays" Edited by Roy Harvey Pearce
"Whitman and the Cult of Confusion" By Norman Foerster / The North American Review.
"Art Review; Reflections of Whitman in a City He Loved / The New York Times.
James E. Miller Jr., 'Walt Whitman", In Twayne's United States Authors Series Online.
كان يشعر بأنه فارغ من الداخل وعاجز عن كتابة اي شيء. ربما انه ليس كالشعراء العرب الذين يتحفونك بأشعارهم حتى بعد ان يكون الشعر قد هجرهم منذ زمن طويل، فإنه لم يكتب شيئا. كان ينتظر نهاية الحرب لكي يرى شيئا ما وسط هذا الضجيج، ثم جاءته دعوة سويسرا لكي تثير فيه الرغبة القديمة للسفر، وتذكر عندئذ انه كان مسافرا عريقا في كل انحاء اوروبا، بل ووصل به السفر الى افريقيا الشمالية ومصر بعد الاندلس وجنوب اسبانيا. في الواقع ان ريلكه كان شخصا تائها، بلا منزل ثابت، وبلا علائق او روابط. كان يعيش نوعا من «الحرية الحرة» اي الحرية المطلقة التي تحدث عنها ذلك المجنون الآخر: آرثر رامبو. وهي الحالة الوحيدة المناسبة للكتابة الشعرية، وربما لكل كتابة. وصل ريلكه الى محطة القطار مبكرا كعادته لكي يجد مقعدا مناسبا يطل على النافذة ويتيح له ان يرى المناظر الطبيعية ـ وهي خلابة ـ على طول الطريق. أكثر شيء كان يصعب على ريلكه هو ان يجد نفسه محصورا بين شخصين في رحلة سفر! عندئذ كان يشعر بالاختناق، وربما بالهلع الشديد. لا. افضل شيء هو ان تكون حرا داخل القطار وخارجه: اي جسدك في الداخل وعيناك وروحك كلها في الخارج. وابتسم الحظ لريلكه فاذا بامرأة حسناء شابة تجيء لكي تجلس الى جانبه. لنتخيل، ولو للحظة، ان موظفا كبيرا بكرش كبير هو الذي جاء وجلس بدلا من هذه المرأة.. ما الذي كان سيحصل؟ كان ريلكه سيختنق حتما وينغص عيشه طيلة الرحلة. وربما رمى نفسه من الشباك. وفجأة تدخل امرأة مريضة وتقف في الممر الى جانبهما بعد ان امتلأ القطار، فاذا بالشابة الحسناء، جارة ريلكه، تنهض مباشرة لكي تعطيها مكانها. للوهلة الاولى لم ينتبه الشاعر للأمر. ولكن عندما ادرك ما يحصل اذا به يقفز من مكانه قفزة واحدة ويقترح مقعده للمريضة، ويعتذر لأنه تأخر في عرضه عليها. واتفق ريلكه مع الشابة الحسناء على تبادل الجلوس في المقعد المتبقي. فعندما تكون هي جالسة يكون هو واقفا، والعكس بالعكس.. ولحسن الحظ فإن هذه الحالة لم تطل، فقد وجدوا مقعدا للمريضة.. وهكذا عاد ريلكه للجلوس الى جانب جارته. وابتدأ الحوار الذي يحصل عادة بين مسافرين في رحلة طويلة. قال لها ريلكه بأنه يشعر بالفرح والاثارة لامكانية السفر من جديد بعد ان جمدته الحرب طيلة خمس سنوات في ميونيخ، ثم انتقل الحديث من موضوع الى آخر حتى وصل الى الأدب. وقالت له المرأة بأنها تقرأ حاليا رواية «رومان رولان» التي ظهرت للتو. فأجابها ريلكه بأنه يعرف رومان رولان الذي كتب نصا عام 1912 في اسبانيا. وفيه وردت هذه العبارة المهمة التي تتحدث عن «الاحاسيس القصوى للوجود»: اي عن الحالات الحديّة المتطرفة، التي لا يعرفها الا «المجانين» تقريبا. ـ هل تهتمين بالشعر يا سيدتي؟ فأجابته بعد تردد وتلعثم: اهتم «بأصدقائي» القدامى من امثال غوته و«موريك»، وهو شاعر مشهور في المانيا، ولكن غير معروف كثيرا في الخارج. واما من المحدثين فلا يعجبني الا رينيه ماريا ريلكه!.. على المقعد اهتز ريلكه وانفعل، ولكن دون ان يكشف عن هويته حتى الآن. فهو يريد ان يظل مجهولا بالنسبة لها لكي تظل المحادثة طبيعية، عفوية، على طول الخط. عندما اقترب القطار من الحدود السويسرية اخذ ريلكه يشعر بالقلق لأن الشرطة سوف تفحص اوراق المسافرين. وبما انه مشهور بهلعه الداخلي بسبب وبدون سبب، بما انه مسكون بشيء لا يستطيع ان يسيطر عليه، فإنه خاف من ان يكون جواز سفره ناقصا او لاغيا مثلا. من اين تعرفين رينيه ماريا ريلكه؟ فأجابته مندهشة: ولكن لا اعرفه على الاطلاق! بحياتي لم أره.. فرد عليها الرجل: مستحيل. كنت جالسة معه طيلة الرحلة، وقد رأيتكما منخرطين في حديث طويل.. عندئذ فهمت المرأة من هو هذا الشخص الذي يجلس الى جانبها، فهرعت الى مقعدها ووجدته يستقبلها واقفا بالابتسامة بعد ان شعر بأن أمره قد انكشف وانفجرا بالضحك معا. هذه هي باختصار قصة الرسائل الموجهة الى رفيقة في السفر. وقد ترجمها الفرنسيون مؤخرا ونشروها لأول مرة. وقدم لها الناقد «مارك بيتي» بدراسة ممتعة تحت عنوان: «شاعرية اللقاء». وهل هناك اجمل من لقاء الصدفة، اللقاء غير المتوقع؟ كان ريلكه، مثل هولدرلين، يسكن العالم شعريا. كان يحوّل كل شيء الى شعر، الى لحظة متوترة، كثيفة. هل كان يحلم بعلاقة جنسية او غرامية مع تلك المرأة؟ أم بعلاقة عاطفية روحية فقط؟ أم بالكل دفعة واحدة؟ لا يهّم. المهم انه كان يحلم بعلاقة حرة تصل الى حد «اللاعلاقة» اذا جاز التعبير، علاقة قائمة على الدهشة والمفاجأة، علاقة قادرة على ان تخرجه من نثرية العالم. والواقع ان العلاقة انتهت بعد وصول القطار الى محطته الاخيرة. او قل انها استمرت بعد ذلك لفترة قصيرة وبشكل روحاني خالص، ثم توقفت نهائيا. ولم يبق منها الا تلك الرسائل التي تبادلاها عن بعد، وربما كان هذا كل ما يطلبه ريلكه. كان يريد ان يظل نقطة او فاصلة في حياة تلك المرأة المجهولة التي لن يراها بعد الآن ابدا. فقط الرسائل سوف تكون صلة الوصل بينه وبينها. فهذه هي الحالة الشعرية ايضا. الشعر لا يزدهر الا بالفراق. بحياته الوصال لم ينتج شعرا له معنى. انظروا الى ابن زيدون: أضحى التنائي بديلا عن تدانينا.. لقد كانت تلك المرأة اشراقة خاطفة او لمعة في حياة ذلك الشاعر الذي لم يعرف الا الكوابيس والدهاليز الداخلية. وهذا يكفي. ينبغي عدم تعقيد العلاقة اكثر من ذلك او تطويرها، ينبغي تحويلها الى «لا علاقة»: اي الى ذكرى، الى قصيدة.. كل العلاقات تتحول يوما ما الى علاقات: يقول «مارك بيتي» في المقدمة العامة للكتاب بما معناه: الشاعر بحاجة الى مُعاش، وتكدّسات المعاش. ثم يتخمر هذا المعاش ويتكثف في اعماق الذاكرة، او اعماق اللاوعي. وبعدئذ، وكأنما بقدرة قادر، ينفجر فجأة على هيئة قصيدة. لهذا السبب تبدو لنا القصيدة وكأنها معجزة عندما تحصل، عندما يقذف بها الشاعر على الورق. القصيدة بهذا المعنى حظ نادر، انها غلطة، او فلتة لا يجود بها الزمان الا قليلا. وبالتالي فأول شيء ينبغي ان يحسنه الشاعر هو: النسيان. ينبغي ان يهضم كل العلاقات والذكريات، ويسحقها ويصهرها من خلال هذه التفاعلات الكيميائية. وبعدئذ ما عليه الا ان ينتظر لكي تجيء القصيدة، او لا تجيء.. وهذا الكلام ليس الا ترجمة شبه حرفية لما يقوله ريلكه في مقطع شهير من كتابه «دفاتر مالت لوريدز بريج»: «لكي تكتب بيتا واحدا من الشعر ينبغي ان تكون قد رأيت مدنا عديدة، وبشرا عديدين واشياء لا تحصى، وينبغي ان تعرف حتى الحيوانات. ينبغي ان تعرف (او تتحسس) هذا الكلام يذكرنا بالطبع بكلام ابي تمام، او ابي نواس عندما جاءه شاب يريد ان يصبح شاعرا وطلب نصيحته فقال له: احفظ مائة الف بيت من الشعر، ثم انسها، وبعدئذ اكتب الشعر.. (اقول ذلك وانا انقل من الذاكرة البعيدة)..النسيان اذن عملية اساسية: انه يعني الهضم، فالتمثل، فالاستيعاب. الشخص الحفَّّاظ الذي لا يستطيع ان ينسى لا يمكن ان يكون مبدعا. قد يصبح اكاديميا كبيرا، ولكنه لا يمكن ان يكون شاعرا عبقريا. العبقري هو شخص يسحق الاشياء في داخله سحقا ويحول الرصاص الى ذهب والقصيدة هي حصيلة لتفاعلات كيميائية معقدة لا يعرف الا الله سرها.. لكن لنستمع الى بعض المقاطع من شعر ريلكه: ـ 1 ـ احيانا، في جوف الليل، يحصل ان تستيقظ الريح كطفل، ثم تنزل وحدها على طول الممر بخطى رشيقة، حتى تصل الى القرية *** ثم تتقدم الريح او تتعثر حتى تصل الى المستنقع وهناك تقف لكي تصغي الى ما حولها دائر ما اندار: البيوت كلها شاحبة وأشجار السنديان خرساء ـ 2 ـ آه، منحلا في الريح كم من العودات الفارغة! اكثر من شيء يقذفنا، لاحقا، عندما نكون قد عَبَرنا، ويفتح ذراعيه هلعا. ذلك انه لا عودة في الاتجاه المعاكس، كل شيء يجرفنا، والبيت المفتوح في ساعة متأخرة، يظل فارغا. ـ 3 ـ النَفَثْ العتيق للبحر، يا نسمات البحر الليلية، انتِ لا تجيئني لأجل أحد، لأجل ذلك الذي يسهر، لكي يرى كيف يتلقاك: يا نسمات البحر العتيقة، التي يقال بأنها لا تهبّ الا للعنصر الاول، منفجرة، من بعيد، من ذلك الفضاء الأبيض اللانهائي.. آه، كم تحملين معك رائحة شجرة التين المليئة بالنسغ، هناك في الأعالي، تحت ضوء القمر
المصدر :جريدة الشرق الأوسط 
ثم تشعب الحديث وطال دون ان ترد فيه كلمة واحدة عن اعمال ريلكه. والواقع انه كان يشعر بالمتعة الداخلية لأنه شخص مجهول بالنسبة لها، لأنه شخص عادي كبقية الاشخاص الذين يمكن ان نلتقيهم صدفة في السفر، ولكن فجأة راح يطرح عليها هذا السؤال:
عندئذ استدارت المرأة نحوه ونظرت اليه بنوع من الثقة والاستعلاء وقالت اتبعني فقط، ولا تهتم.. ثم ذهبت كي تأكل شيئا تاركة ريلكه وراءها. وعندما عادت، او في طريق العودة، اعترضها شخص وسألها:
تتفكك، تنحلّ، تذوب، ولا يبقى منها الا بقايا في اعماق القلب المهجور.
الشاعر، بهذا المعنى، هو اكبر «انتهازي» على وجه الارض. انه يحول كل شيء الى شعر، او قل انه يستثمر كل شيء من اجل توظيفه كوقود للقصيدة الشعرية.
انها عبارة عن تفاعلات كيميائية تصهر الحياة المعاشة والذكريات عن طريق النسيان، ثم تحولها فيما بعد الى حقيقة شعرية في لحظة ما لا نعرف متى تحصل، بهذا المعنى فليس الشاعر هو الذي يكتب القصيدة، وانما هي التي تكتب نفسها من خلاله، او تملي نفسها عليه.
كيف تطير العصافير، وكيف تتفتح الازهار في الساعات الاولى للفجر. ينبغي ان تستطيع التفكير او اعادة التفكير بدروب في مناطق مجهولة، وبلقاءات غير متوقعة، وبرحيل كنا نراه يقترب منذ زمن طويل. ينبغي ان تستطيع التفكير بأيام الطفولة التي لم تتوضح مجاهيلها بعد.. ينبغي ان تستطيع التفكير بصباحات على شاطئ البحر، بل وبالبحر نفسه، بالبحار، بليالي السفر التي ترتعش عاليا جدا والتي تطير مع كل النجوم. ولكن لا يكفي ان تفكر في كل ذلك او تتذكره، وانما ينبغي ان تتجمع لديك ذكريات كثيرة عن ليالي حب مختلفة.. وينبغي ان تعرف كيف يحتضر الموتى وان تجلس الى جانبهم لكي تعرف كيف يموتون، وينبغي ان تكون النافذة مفتوحة مع الضجة التي تجيء من بعيد.. بل ولا يكفي ان تكون لك ذكريات. وانما ينبغي ان تعرف كيف تنساها عندما تكون عديدة. ينبغي ان تكون مقدرتك على الصبر كبيرة لكي تنتظر عودتها بعد نسيانها. وذلك لأن الذكريات لا معنى لها الا بعد ان تنصهر فينا، بعد ان تختلط بدمائنا وعروقنا، وعندما لا يعود لها اسم ولا هوية. عندما تصبح منصهرة فينا انصهارا كاملا، عندئذ، وعندئذ فقط، يمكنك ان تكتب الكلمة الاولى من بيت الشعر..».
يونيو 2006













