. بحذاء السياج الأبيض لالحديقة الكبيرة أبطأت خطواته. في نهاية الشارع تلمع أضواء حمراء. بجوار عامود النور فضي اللون يقف الشبان الخمسة. قال لهم.. .. يا جماعة أنا موظف صغير. في اليوم الأول من كل شهر أقبض تسع جنيهات وخمسة وثلاثين قرشا. أنزل السلم بلا ضجة. لا أتكلم بصوت مرتفع. أمضغ طعامي في هدوء. أحب بنتا حلوة رقيقة كالياسمين. لم أقل لها بعد أنني أهواها. أضاجع امرأة إذا ما سنحت لي فرصة. .. كفوا عن حديثهم. أصغوا ساكنين. مرت عربات التروللي تجر مقطوراتها المزدحمة. النساء يمشين بخطوات بطيئة حذرة راقصة تنظر كل منهن إلي الأخري. طفل صغير يشب علي أطراف أصابعه ويلوح بيده مهددا التمثال الكبير حيث الفارس يمتطي حصانا جامدا من الرصاص. - أنزل صارعني إذا كنت شجاعا حقا .. كتلة رمادية لا تتحرك أبدا. الأصبع يشير في ثبات أزلي. برد خفيف يتساقط فوق الشوارع الرمادية في من فراغ السماء القتيم. صاح الطفل حانقا: - إن لم تنزل سأقذفك بحجر... ظل فمه منفرجا حتي هدأت الضجة التي أحدثها مرور عربة ضخمة لها مدخنة رأسية كالقطار.. .. مديري قصير. أبيض الوجه مشوب بحمرة. كلماته محدودة. متجهم لكنه يضحك أحيانا وعندئذ نطفح بشرا. بعد شهر من مجيئه أشتري عربة بيضاء. عجلة قيادتها في لون السماء. مقاعدها جلدية مكسوة بغطاء شفاف من البلاستيك. مال موظف عجوز بالأرشيف وهمس في أذن زميله: أرأيت؟.. أومأ مجيا وامتدت الشفتين إلي الأمام. وقف بواب المؤسسة كأن يدا جذبته إلي أعلي. توقفت العربة السوداء. نزل البدين كتلة من لحم سمين. وجناته حمراء كالدم. ارتفعت اليد بالتحية. أسرع عامل الأسانسير. همس البواب لعامل البوفيه.. صاحب مصانع الأحذية.. مديري يجيد الضغط علي الجرس الأحمر.. أسمع الرنين فأدخل. رأيت البدين.. امتدت يده بالأوراق وقال: أمضي هذا الورق ليعرف البك حصته من الجلود.. .. عادت العربات تطلق نفيرها. بجوار الرصيف توقفت سيارة بها ثلاثة رجال. أنزل أولهم قدمه. لمست الرصيف. أشار بأصبعه إلي فتاة تحمل بيدها حقيبة كتب مدرسية. تثنت بدلال. صفق بيديه.. - سنأكلك الليلة لحما شهيا.. ضمت شفتيها محذرة. نقلت ا لكتب إلي يدها اليمني. انزلقت بجسمها لتستقر فوق المقعد الوثير. علا النفير. اهتز سياج الحديقة. صاح شاب في وجه الموظف الصغير: - لابد أن نمتلك عربة نضاجع فيها نساء المدينة كلها.. تأوه الثاني وصاح ساخطا: - كلهم يفلعون ذلك أما نحن فلا نمتلك ؟؟؟؟؟؟: - لنحرق ما نملكه.. ونسافر إلي الخارج لنجمع الثروة. تساءل الرابع: - أنسيتم المباراة.. ماذا جري لكم؟؟ نظروا إلي بعضهم في دهشة.. صاحوا محملقين في وجه الموظف الصغير: - ألن تري معنا مباراة كلاي ضد باترسون.. سنراها في التليفزيون. أطرق حزينا. خطواته تعود بطيئة. الليل فوق المدينة متهدج الأنفاس. رجل في مقهي يضرب المنضدة بقبضته غاضبا. امرأة تلعق ا لجيلاتي بأناقة. أصواتهم تتردد خافتة: سنري كلاي الليلة.. سنري كلاي.. تأوهت بنت سمراء »آه ما أجمل فستانها«. عند ناصية الشارع رأي أربعة رجال يتكلمون بحدة عندما أقترب منهم صمتوا. حملقوا في وجهه. .. أنا قارئ قديم. ألتهم صفحات الكتب بسرعة. لا أدخن السجائر منذ أن ارتفع ثمنها. أسمع الموسيقي الكلاسيكية. أسهر حتي الثانية عشرة، وفي الكتب أختلس وقتا قصيرا لاقرأ.. رنين الجرس يزعجني.. قال: - البك سيعرف حصته من الجلود.. وقع هنا.. نظرت إلي البك حائرا. سمين لكم هو سمين. يشعرني بالشحوب في وجهي والنحول في جسدي.. - لكن سيادته صرف حسته من قبل.. لمعت عيناه من وراء النظارة. أطارها سلك من ذهب.. - قلت لك أمضي.. - آسف.. سيادته أخذ حصته.. أنا المسئول.. الدماء الحمراء تدفقت تحت الوجه اللحيم: - يا أفندي أمضي التصريح ولا داعي.. صحيح أخذت حصتي لكن من قال لك إنني سأصرفها هذه المرة لاسمي؟؟ هززت رأسي.. في المكتب جاءني. يده في جيبه. أخرج رزمة نقود.. أغمضت عيناي وتصاعد الدم إلي رأسي.. - لن أسمع لشيء كهذا أن يحدث معي.. قال ستندم ولم أرد لكن المدير استدعاني.. كف عن عنادك هذه أمور بسيطة لا داعي لتعقيدها.. هززت رأسي.. خرجت.. جاء رجل آخر لكنه أقل سمنة.. سيادته يتحدث إليه بصوت هادئ.. كنت أقف أراقبهما.. الرجل يلوح بيده ساخطا في وجه المدير وسيادته يسمع صامتا.. لن أسمع لسمين أن يصرخ في وجهي وأسمع في هدوء. لن أسمع كلاما قاسيا أتلقاه بابتسامة ناعمة ذليلة. لن أحمل ورقا أخضر مطبوع بلحم ودم. مال موظف علي أذن زميله: - سمعت سيادته يزعق لموظف الخامات.. لمعت عينا الثاني.. لكنه لن يستطيع مواصلة التحدي.. قلت لن أقبل أبدا وليحدث ما يحدث وسأشكو إلي من هم أكبر منه... كتبت عشر خطابات.. أنا موظف صغير.. أنا موظف صغير.. أزاح أحد الرجال نظارته التي أنزلقت فوق أنفه.. أصبعه متصلب.. - إنسان يصادع القوي العدمية.. قال الرجل الثاني في بطء وقور: - الفشل البطولي أروع أنواع الهزيمة واليأس.. شد الثالث شعره. صرخ بصوت عال: -هذا زمن الحق الضائع. بالقرب من متجر صغير توقف رجل غليظة شفته السفلي. لمس بيده كتف غلام أبيض ممتلئ واسع العينين. همس بصوت مرتعش: - لن يستغرق الأمر وقتا طويلا.. لن أرهقك فأنا حنون وسأعطيك عشرة قروش.. صمت الرجال الثلاثة وقالوا: - لكن أروع شيء في الوجود.. أننا.. أننا.. فترت صمت. تابعوا كأنهم يقررون أمرا خطيرا: - سنسمع الليلة أغنية أم كلثوم الجديدة.. سنسمع الليلة أغنية أم كلثوم الجديدة وننسي همومنا.. مضي يشق الشارع المزدحم. صرخ بائع الأفلام الكسيح. تلفت حوله حائرا. ناس تعبر الشارع. شبان يقفون عند النواصي يدخنون ويحملقون في الهواء بلا مبالاة. تبرق إعلانات السينما. بجوار الجدار رجل عجوز منحني الظهر يقف ساكنا يدخن بية سوداء. سعل. قال الموظف: .. كل أسبوع تجئ عربة محملة من الأرياف. المعسل الأبيضض الصافي علاج يهدئ من حدة التأشيرات الحمراء. لحوم الخراف مفيدة للعينين وتجعلهما بميزان ما ينبغي رؤيته وما لا ينبغي. السجاد وأغصانه المتشابكة وزخارفه المعقدة يتوه فيها ضوء الشمعة. هزوا رؤوسهم. أسندوا جباههم إلي أكفهم. يجب أن نعيد النظر فيما قدمه إلينا هذا الموظف غالصغير ضئيل الشأن. فليحاول الموضوع إلي سيادته فالموظف يتابع له وهو عادل وسيجازي المهمل.. قال موظف شاب لفتاة لم يمض علي التحاقها بالعمل غير يومين: - مسكين.. جرؤ علي تحدي سيادته فضاع. قال آخر: - سيحفر له حفرة لن يستطيع القيام منها.. سيادته قوي.. أشارت أصبعه مهددة: - ستحول إلي النيابة العامة.. إهمال خطير.. خطاب هام تسببت في ضياعه. - لكنك خذته مني.. - أين أمضائي.. توقيعي.. لا.. أمر لا يمكن السكوت عليه. البواب لم يره. مسكين أضاع نفسه. قالت الفتاة لزميلها.. - من يتحدي سيادته.. أن دمه خفيف وكلامه كالشربات. في العاشرة صباحا جاء السمين. غيره وغيره وغيره. إهمال.. فصل.. أنا مفصول.. يا سيدي أنا مفصول.. لم يسمعني الكبار ولن يسمعوني ما دامت العربات تفرغ حمولتها في بطونهم وتسد آذانهم.. ما العمل يا سيدي؟؟ ما العمل؟؟ في منزل قديم مصمصت امرأة ترتدي الحداد شفتيها حزنا وأسفا: - يا خسارته.. كان رجلا ولا كل الرجال. تأوه رجل يجلس إلي منضدة وأبتلع كأسه الصفراء: - يا حسرتي.. ليتني لم أضيع نفسي في زحمة أيامي. هز العجوز رأسه. قبضت يده علي البية السوداء. - يا خراب الدنيا.. أضعت نفسك ولكنني قلتها كلمة.. سأل الحائر: - أي كلمة يا سيدي؟؟ لوح العجوز بيده. أطلق سحابة دخان كثيفة.. - سيخرب العالم وشيكا. ظل العجوز يردد نفس الجملة، الليل يسحب نفسه ليكتم أنفاس ا لمدينة. رائحة حلوة في متجر قريب. نزل دورة مياه تحت الأرض. قال الغفير الجالس فوق كرسي أمام دورات المياه: - مضي علي هنا عشرين عاما.. عشرون عاما أشم هذه الرائحة. هز رأسه. طلع إلي العالم. فوق الباب وقف مجذوب مسلول يصيح في الناس: - الجبن سيد الأخلاق.. أجبنوا تكسبوا. الأنوار تزداد اشتعالا. الليل المصهور السواد. عند النواحي. أمام المتاجر. رجال ونساء يحملقون في السماء بعيون مفتوحة. يرددون بانتظام بين لحظة وأخري: - واق.. واق.. ت بارك الله الخلاق.. نظر إليهم بأسي. أحس بيد تهزه. التفت مذعورا. وجه يصيح فيه: - غدا سنري مباراة بطل العالم.. غدا.. غدا. في القاعة المظلمة للسينما القريبة همس الرجل لزميله: - أنتظر.. إذا تكلم أكثر من المعدل القانوني سنقبض عليه. في شارع جانبي راح يتأمل الفاترينات. مر من أمام المقهي الذي يجلس به سيادته دائما.. تردد لحظة.. قالوا له لو أنك سويت أمورك معه سينتهي كل شيء.. لكن.. لا.. لن أدخل.. مضي مطرقا برأسهم. في شارع جانبي أوقفه شاب طويل نحيف مستطيل الوجه.. أصغي إليه: - أيرضيك أن يطاردوني لأن صوتي يزعجهم. ظل يسمع. لم يتكلم.. - ألا أستطيع أن أجد عندك مأوي أو مخبأ لي.. أنهم يقتفون آثار رائحتي في الهواء.. في الأرض. الصمت بارد ثقيل. لكم أنت مسكين يا مستطيل الوجه. همس الشاب أخيرا. - لأول مرة التقي بمن لا يسخر مني.. لقد فهمت. رفع الموظف الصغير يده.. آصغي. الميدان.. البيوت.. السماء.. النجوم.. ا لعربات.. اللافتات.. المدينة تردد: - سنري الليلة مباراة كلاي وباترسون.. سنسمع الليلة أغنية أم كلثوم الجديدة.. سنذهب غدا لنري مباراة بطل العالم في كرة القدم. في بطء ابتعدوا صامتين متوغلين في شارع جانبي لا صوت فيه ولا حس
.
.
الخميس, 17 يناير, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









