مفهوم الحياة فلسفيا عند العاشق الفيلسوف
وفي البلاد العربية لا يزال الحلاج ماثلاً في الأذهان كصاحب كرامات تارة وكمجنون الله تارة أو كمشعوذ تارة أخرى. لكن الانتشار الواسع للقصائد الفارسية الكبرى في بقية الدول الإسلامية رسم ببراعة سيماء الولاية ، والحال الرباني لمن يدعونه منصور الحلاج، فهو الذي صرخ من أعلى الجذع الصيحة الأخروية:" أنا الحق"، التي تعلن الحساب يوم الدين.
ويرى الكاتب لويس ماسينيون أن الحلاج كان يدري فعلاً أنه منذور ليكون دعامة صوفية وشهيداً روحياً للإسلام.
يقدم القسم الأول من الكتاب مراحل حياة الحلاج، فيحدد ارتباطاتها الزمانية والمكانية، بدءاً من تربيته وتعليمه المدرسي في البيضاء، حتى واسط والبصرة (مدرسة الحسن للزهاد). ثم رحيله إلى (أبناء الدنيا) وتلقيه نهج العلماء السلفي، وحفاظه في رحلاته على الاتصال بأبناء السبيل من الفقراء والمساكين.
تطور تعاطفه الرسولي الديني إلى رغبة نهائية في الموت ملعوناً فداء إخوانه، ثم محاكمته، ثم تعذيبه على مسرح بغداد. يلي ذلك آثار هذا الولي المطرود على مدى ثلاثين جيلاً إسلامياً، عبر أسانيد الرواة التي نقلت ذكراه كأمل حي إلى يومنا هذا.
يضع القسم الثاني من الكتاب التصوف الحلاجي ، وفقاً للنصوص، في إطار تطور فكر علم الكلام الإسلامي، عارضاً نقاط التداخل الفلسفي والاختراق الميتافيزيقي الكامنين في مفهوم (عين العشق). وعلم الكلام عند الحلاج ليس سكونياً، بل هو الخبرة الاستبطانية الناجمة عن تعرية الصور، والتي أوصلته إلى تفهم التناقض الثانوي الذي اصطدم به المتصوفة، وقد طابقت طريقة التأمل ذات الثلاثة أوجه طريقة القياس عند أرسطو ذات العناصر الثلاثة، ثم مع ثلاثية غلاة الشيعة الغنوصية.
لكن الكاتب يرى أن منهج الحلاج في علم الكلام يعود إلى ما قبل أرسطو، إلى النحاة العرب في البصرة، إلى الخليل تحديداً، وإلى مبدأ ثلاثية حالات الإعراب الرئيسة، مصرفاً المفردات والنحو على طريقة الوظيفة الثلاثية للمقاطع الصوتية النهائية. وانتهت الطريقة الحلاجية إلى تراجع الإدراك إلى باعثه الذي هو العين الخالص وليس الحادث: الله بكل تفرده. وإذا ما اختفى التعدد عند الاستطراد في الرواية فذلك ليس في وحدة وجود حلولية، بل في وحدة شهود. ويدعو الحلاج إلى وجوب أن نتحد مع الشيء في ذاته لا في ذواتنا: مع العالم على سبيل المثال، بضرب من التعاطف يجلي آلام العالم. فنجد أن "أنعي إليك نفوساً طاح شاهدها…" تشهد على الإلهي، في استحضارها لزيارة مقدسة، بفعل حجاب الدموع العفيف، لكي ترسي العشق بين الـ "أنتم" والـ "أنا". وتتصور مقولته: "أسرارنا بكر.."، ومن ثم صعود كل المقدرين، أي المختارين سلفاً في الأزل، إلى الله في الآن السرمدي (أو بالأحرى صعود كل ما يولّد الله فيهم.
بعد العرض النظري للمذهب الكلامي عند الحلاج يأتي التحليل النظري للأصول الفقهية الحلاجية التي تقتبس مصطلحات الخصم، أي قاموس الإمامية الثورية القرمطية فتستولي عليه لاستخداماتها الخاصة.
ويرى الكاتب في السمة النهائية للمهمة الحلاجية بأن الحلاج قد أضاف إلى شدة الانضباط الداخلي من كبح للشهوات وتهذيب للأخلاق الذي أخذه عن سهل التستري، معرفة سلفية بالسنة الأصولية، اكتسبها من أهل الحديث من المتصوفة الشديدي الحمية للنبي. وقادت الحلاج خبرة بالأحوال الصوفية في حياته الباطنية، إلى أن يختار من بين تقاليد السنة، ما يوجه إلى الزهد والتذلل الشديد لله على وجه الخصوص، ودفعه فيض الإيمان إلى دعوة الناس، إلى الأخذ بقواعد الحياة التي وجدها جيدة لذاته.
أما صفات التبشير فإن الحلاج عاد بعد عامين من المجاورة في مكة، وهناك تيقن من مفهوم الحياة الكاملة، ومن هدف علم الكلام الصوفي. فقد قال لله عز وجل في صلاة ليلته الأخيرة عام 309 هجرية: "أوعزت إلى شاهدك الآني (= الحلاج) في ذاتك الهويّ (الهويّ للكلام عنك أنت بالضمير الأول، أسانيدك للروايات) كيف أنت إذا مثّلت بذاتي (استخدمت ذاتي لخدمتك كرمز بين الناس) عند عقيب كرّاتي (في آخر أحوالي). ودعوت إلى ذاتي (= أنت، يا خالقي) بذاتي (المخلوقة). "إن هذا الاختيار هو الذي طبع الفترة الأخيرة من حياة الحلاج. وقد لاحظ خصومه من الإمامية تطوره، فقد اغتصب حق الدعوة في البداية وهي حكر على نائب الإمام الشيعي وحده، ثم ادعى لنفسه حق إصدار قواعد العبادة، وهو حكر للإمام وحده، وأخيراً وفي حجته الأخيرة، ادعى حق الأمر مثل الله - الربوبية التي لا تكون إلا لله، والتي لم يوكلها حتى للأنبياء من عباده.
يكون الولي فيما يخص الولاية والاتحاد الصوفي أكثر من رسول مكلف مهمة خارجية يتعين إتمامها، وأكثر من مفوض بسلطان الرقيب. ومع توحيد إرادته مع إرادة الله، يجد الولي نفسه في كل شيء وفي كل مكان كمؤد مباشر لعين الإرادة الإلهية، في نوع من الطبيعة الربانية، (المتحولة) في الله.
كما درس الكاتب لويس ماسينيون وبالتفصيل الصيغة الكلامية التي أعطاها الحلاج، والتي كان مدفوعاً لتطبيقها في حياته، والدعوة لها بالمثال، قبل أن يصوغها في نظرية. ويبدو هذا أول ما يبدو في الخطبة التي قالها في مكة في حجة الوداع عام 295 هجرية على جبل عرفات، وأمام جمع من الحجيج: "يا دليل المتحيرين"، ثم ضرب على صدره وصاح: "إلهي، أنزهك عما يفعله عبادك ليتقربوا إليك، وما يقوله موحدوك لكي يوحدوك، وأنزهك عن تسبيح من يقول سبحانك وتهليل من يقول لا إله إلا الله، وعما يقوله فيك أولياؤك وأعداؤك جميعاً، إلهي أوقفتهم في مواقف العجز ثم طالبتهم بتكاليف القدرة. إلهي أنت تعلم عجزي عن مواضع شكرك فاشكر نفسك عني فإنه الشكر لا غير".
يرى الكاتب هنا التأكيد المضاعف على مذهب الكلام الذي طوره الحجاج وعرضه في دعوته: التنزيه الإلهي الخالص، والحضور الرباني بالمنّة الإلهية في الأنفس عبر تطهرها بشعائر العبادة. لأن عقل الولي يسيطر في عين الجمع على كل أفعاله التي تبقى متناسقة وإرادية، لكنها مباركة وإلهية. ولا ينتهي الاتحاد الإلهي بتدمير شخصية الصوفي، بقهرها بالصبر والصحو أو بعزلها بالسكر، لكنه يأخذ بها إلى الكمال وينذرها ويمنحها الولاية ويجعل منها آلته الحرة الحية.
هكذا هو الكشف المطلق والرسالة الأخيرة التي نادى بها الحلاج في دعوته المتوقدة. لقد صرخ بالفرح لحصوله ولامتلاكه لما تاهوا به ولهاً، فيما وراء عبادة الخوف التي تدفع بعضهم إلى التقوقع داخل إطار الفروض، وفيما وراء عبادة الحماسة التي تستجر الآخرين إلى الغلو في الوله عبر أهداف مبتدعة وبوسائل إنسانية، حيث تكون نتيجة هذه الممارسات هي التدمير العبد- وثني للذات على أقدام الألوهية الموصدة. لكن المتصوف عند الحلاج لا ينتهي إلى هذا. إن الاتحاد الإله (عين الجمع) الذي يستهلك فيه المتصوف هو عرس العاشقين الذي ينضم الخالق فيه أخيراً إلى مخلوقه، ويحضنه.
فيبوح المحب لمحبوبه بخطاب حميمي ودّي ملتهب متدفق. ويغدو الحديث مستمراً بينه وبين هذا المحاور الإلهي الذي يستحوذ عليه في إنّيته، مستخدماً معه (أنت أنا) فيربط به كل شيء ويقدم له كل شيء: عذابات وأشواقاً وأملاً.
ويصل الكاتب إلى أنه لا يوجد متصوف عربي بلغت لغته العاشقة اللهيب والعفة في آن معاً، اللذين لهج بهما لسان الحلاج، ولم يكن لرموز الحب الدنيوي أن تحظى بأي استعارة منها تعكر هذه الحماسة.
الفصل الأخير من كتاب آلام الحلاج، توقف عند الترجمة الكاملة مع الشروح لأعمال الحلاج، مضافاً لها الأعمال الفنية التي استلهمتها هذه الأعمال.
وعبر مقاربة النصوص، يصل الكاتب إلى أن الحلاج في نصوصه إنما يترجم الانجذاب العقلي الناتج من صداقة الروح المترفعة عن كل شيء والمتعالية عن الخلافات العرقية، ليس فقط بفعل الاستمرارية المسارية والشكلية التي ربطتها في أربعة أسانيد صوفية في عام 1908 م، بل بفعل أقوى من ذلك، بسبب الانبثاق المفاجىء لدليل واضح في مصلحة هدف عادل أسيء طرحه: أي دليل يعيد الاعتبار لخصم ذي عقيدة حسنة.
اعتمد الكاتب في القسم الأول من هذا الفصل كي يرسم معالم حياة الحلاج، على أسلوب النادرة الشخصية المطبق في تاريخ الأعلام العربي الأصيل، أي أسلوب (أيام العرب) والحديث.
بينما انتهج في القسم الثاني الإطار المنظوم للكلام المعتزلي متوائماً في ذلك مع اختيار الحلاج نفسه، الذي استقى من قاموسهم المذهبي لكي يسمو به. كما اتخذ هذا القسم مثالاً من العامل الصوفي في الدراسة الدينية.
أخيراً يمكن القول: يفهم الحلاج في هذا النص الحافل بالمعاني، الغامض بقدر ما هو مثير للإعجاب، يفهم ختم الولاية التي ستطبع نهاية حياته الصاعقة على كثير من الخواطر المنذورة، لقد استبصر مصيره كونه شاهداً، مردوداً سلفاً إلى واحده (الفرد)، وأحسّ ببعثه المستقبلي، رآه في ومضة أخيرة تفوح بخوراً منبثقة من النفط الذي سيحرق جسده. وقد سبق نقله إلى الساحة التي ستشهد تعذيبه القادم لكي يبكي فيها على جمع النظارة الجاهل المصاب بالخدر، العديم الشعور غداً أمام تعذيبه كما كان لا مبالياً بالأمس لنداءاته الملتاعة بالنشوة. ها هو ماثل كدريئة ملتهبة، عرضة لوجوه كبار الموظفين قتلة التآخي وسبب كل الأزمات والفتن التي أشارت إليها نيرانه، والتي سبرها هو. مضروباً بدلاً منهم بالحكم الصحيح للديان العظيم. هل صاح عبثاً في غلبة الحال:"أيها المسلمون، أغيثوني من الله"؟.
الكتاب صادر عن دار قدمس في دمشق.
تأليف لويس ماسنيون.
ترجمة الحسين مصطفى الحلاج
الخميس, 17 يناير, 2008
نعمة خالد
الحلاج شخصية تاريخية، حكم عليها بالإعدام في بغداد بعد محاكمة سياسية.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













