نصوص التصوف الاسلامي للمستشرقة اني ماري شيمل
د . بُرهان شاوي
(إذا اردت ان تتفهمي التصوف الاسلامي حقا فعليك دراسة نصوص الحلاج )، هكذا قال لي أستاذي البروفسور(هانس هاينريش شنايدر) حينما كنتُ طالبة فتية، ومنذ ذلك الوقت و(الحلاج) لم ينفك يشدني. هكذا تبدأ (آني ماري شيمل) افتتاح كتابها (الحلاج، نصوص التصوف الاسلامي)
الصادر عن دار هيردر في ألمانيا، كما تسترسل في المقدمة موضحة تأثير الحلاج في الثقافة التركية والايرانية والهندية، وتأثيره على الشعر الشرقي الاسلامي، وكيف ان شخصيته استخدمت كرمز نضالي لدى الشعراء الشرقيين، وعلى مدى مختلف العصور، لا سيما حينما تشتد حلكة الظلام ويهيمن الظلم والعنف والاستعباد وعلى خلاف الكثيرين ممن تناولوا التصوف الاسلامي، وبالتحديد شخصية (الحلاج)، في الثقافة العربية، تعمقت المستشرقة التي رحلت عن عالمنا مؤخرا، في التوقف عند الظاهرة الصوفية، وعند شخصية الحلاج بالذات، حيث تتبعت وجهة نظر بعض الشعراء المسلمين في الهند وبلاد البنجاب، حيث استشهدت بالشاعر الهندي المسلم (غالب) الذي كتب في دلهي خلال القرن التاسع عشر عن الحلاج مؤكدا(بان الحلاج نال الجزاء الذي يستحقه لأنه باح بالحب، ومن يبوح بسر الحب ويكشف ستر المحبوب ينال العقاب، حتى وان كان فيض الحب الذي دفعه للصراخ وكشف المستور، اكبر منه).ومن هنا انتقد العديد من المتصوفة (الحلاج) ايضا، وبدأوا يشككون في ادعائه الوصول الى الهدف، ففي رايهم أنه لو تحقق له ذلك لكان قد صمت، (لأن أجراس القافلة تصمت حينما يصل المسافرون الى قبلتهم)، ومن هنا ايضا ، فان صرخة الحلاج :أنا الحق، ليست دليلا على لحظة الالتحام وانما على العكس ، فهي دليل على البعد والفراق.!!
غير ان المستشرقة الجليلة، رحمها الله، أكدت بان المتصوفين المتأخرين رأوا في الحلاج( متوحدا بالوجود)، وان صرخته المدوية عبر القرون هي دليل على ذلك، وعلى هذه النظرة اعتمد العلماء والمستشرقون الأجانب عند حديثهم عنه، حينما ورد ذكره في الغرب لأول مرة في القرن السابع عشر. والواقع ان أول فهم غربي للحلاج كـ(موحد للوجود)، كما أوضحت شيمل، جاء في كتاب المستشرق البروتستانتي (ف.أ.تولوك) في العام 1821 والمعنون ( الشخصية الموحدة للوجود).وبينما كانت دراسات المستشرقين الأوائل، لاسيما المستشرق (يوهان ياكون رايسكه) الذي توفي العام1774، ينظر للحلاج كمجدف وهرطقي، كان المستشرق الفرنسي (بارتلوم دي هيربلوت) في كتابه (المكتبة الشرقية) ينظر الى الحلاج كمسيحي متخف، وقد تبنى هذه النظرة كل من المستشرق (أوغست موللر) و (أدلبرت ميركي)، وحتى في الفترة الأخيرة ظهرت دراسات في اللاهوت الشرقي تؤكد هذه النظرة، ومن اهمها اطروحة (ن. م. داهدال ) الذي رأى بان (الحلاج) تم صلبه بسبب افكاره النصرانية. لكن هناك من ذهب أبعد من ذلك حينما اراد ان يربط بين الحلاج والديانات الهندية القديمة، لا سيما المستشرقان (فون كريمر) و( ماركس هورتون) اللذان يريان بان صرخة الحلاج (أنا الحق) هي ذاتها التي وردت في (الاوبانيشاد): أنا براهما. وهذه هي النظرة السائدة في الثقافة الاسلامية في الهند.
ماسينيون.. و اكتشــاف الحـلاج
أوضحت المستشرقة الجليلة الراحلة في كتابها بأن الفضل يعود للمستشرق (لوي ماسينيون) الذي انفق عدة عقود من عمره في البحث عن آثار الحلاج، وحياته، ونصوصه، وتحقيقها، وترجمتها، وتقديمها، ومن ثم تأكيد تفسيره الجديد للحلاج ودوره في التصوف الاسلامي، رغم ما واجهت دراساته من انتقادات معاصرة، لاسيما من قبل ( دهـدال).ورغم تداخل الروايات وتضارب بعضها، إلا ان معظمها تتفق بان الحلاج ولد في 858 ميلادية في إحدى القرى القريبة من إقليم فارس، وترعرع في (تستار) أو (واسط)، وان لقب (الحلاج) جاءه من مهنة أبيه، رغم ان هناك رواية صوفية عن (حلاج الاسرار)، لكن ما هو ثابت ايضا انه تتلمذ على يد المتصوف الكبير(سهل التستري) الذي توفي العام 896 والذي يعتبر من المؤسسين الأوائل للتصوف الاسلامي، والذي اثر في الحلاج بشدة، بحيث ان الكثير من تعاليمه نجدها في كتاب (الطواسين) للحلاج. وحينما بلغ الحلاج الثامنة عشر انتقل الى بغداد، حيث تتلمذ على كبار المتصوفة هناك، وتزوج ابنة احد كبارهم، الذي رأى فيما بعد انه زوج ابنته لساحر مجدف وكافر زنديق، ولم يكن أمر الحلاج سهلا مع بقية المتصوفة ايضا، فشد رحاله الى الكعبة المكرمة لاداء مناسك الحج، وعند رجوعه الى بغداد زار المتصوف الكبير (الجُنيد) لمناقشته في مسألة صوفية، وكان ذلك في العام 896 حينما كان للحلاج 38 عاما، وهو العام الذي مات فيه( التستري) ايضا.
بعد ذلك ترك عائلته ورحل عن بغداد الى شمال شرق الامبراطورية الاسلامية لسنوات عديدة، ثم الى الجنوب، الى الهند، ثم عاد الى فارس والاهواز واخيرا البصرة، ومنها حج البيت الكريم ثانية بصحبة أربعمائة من اتباعه، ثم عاد بعد ذلك الى بغداد، لكنه أُتهم هذه المرة بممارسة السحر الهندي، فغادرها متوجها الى وادي الهند. ويبدو ان رحلته هذه ما زالت موضع تحقيق، حيث يُعتقد انه بعدها مر بكشمير عابرا الى تركستان، وهذا الاعتقاد يستند الى الانتشار الواسع جدا لاسمه في اغاني وأشعار هذه البقاع في اللغات السندية والبنجابية والكشميرية اكثر مما في أية بقعة اخرى من الأرض العربية والاسلامية.!! وسواء قد انتشر اسمه هناك لاحقا، ام انه انتشر في حياته، فان الأمر لا يعفي من الاعتراف بان للحلاج حضورا مبهرا ورزينا ولديه تأثير عظيم على متصوفة هذه البلدان الاسلامية. غير ان السلطة المركزية في بغداد آنذاك نظرت اليه بريبة، وتخوفت من رحلته الى وادي الهند كثيرا، وخمنت انه يقيم علاقات سرية مع الحركات الدينية المعارضة للسلطة المركزية، والتي كانت منتشرة في ارجاء الامبراطورية الاسلامية آنذاك، وان الحلاج يغطي أهدافه السياسية بتعاليم دينية غامضة. وحينماعاد الى بغداد بعد رحلته هذه، بدأت الرسائل تصله من كل البلدان التي زارها، ومن الطبيعي ان هذه الحفاوة والتقدير، وهذه المكانة الروحية للحلاج قد تركت ردود فعل سلبية لدى بقية رجالات الصوفية، كما بدأ (الصوفيون) يتبعون كل شاردة أو واردة تخصه، وخلال هذه الفترة رحل الحلاج متوجها الى بيت الله الحرام للمرة الثالثة وبقي هناك لمدة سنتين، بعدها عاد لبغداد مستقرا فيها، متخذا من اسواقها مكانا للموعظة.
الحــلاج .. والذاكـرة القـرآنيــة
في هذا الكتاب تواجه آني ماري شيمل دعاوى المستشرقين الذين يحاولون إضفاء مسحة (نصرانية) على الحلاج وربطه بعقيدة التجسيد الآلهي في الانسان وتبطلها، مؤكدة ان للحلاج ولبقية الصوفية (ذاكرة قرآنية)، فهم يعيشون في كلمات القرآن الكريم ومنها، وكما يذهب المستشرق (بيتر نويا) الذي حقق (كتاب الطواسين) عن أربع مخطوطات له، ونشرته جامعة سان جوزيف العام 1972 في بيروت، بان صوفية الحلاج تستند على تعاليم معلمه العظيم ( سهل التستري) الذي كان ينظر الى النبي محمد(ص) باعتباره الضياء الذي كان قبل بدء الخليقة. وهذه الفكرة جسدها الحلاج في (كتاب الطواسين) حيث يفتتح (طس السراج) متحدثا عن النبي الكريم:(سراج من نور الغيب بدا وعاد وجاوز السرج وساد. قمر تجلى من بين الاقمار. كوكب برجه في فلك الاسرار. سماه الحق أميا لجمع همته، وحرميا لعظم نعمته، ومكيا لتمكنه عند قربته. شرح صدره، ورفع قدره، وأوجب أمره، وأظهر بدره، طلع بدره من غمامة اليمامة، واشرقت شمسه من ناحية تهامة، واضاء سراجه من معدن الكرامة. بارشاده أبصرت العيون، وبه عرفت السرائر والضمائر. والحق أنطقه، والدليل أصدقه، والحق أطلقه. هو الدليل، وهو المدلول. هو الذي جلا الصدأ عن الصدر المعلول. هو الذي أتى بكلام قديم، لا محدث ولا مقول ولا مفعول. بالحق موصول غير مفصول. الخارج عن المعقول. هو الذي أخبر عن النهاية والنهايات ونهاية النهاية. رفع الغمام، واشار الى البيت الحرام، وهو التمام، هو الهمام، هو الذي أمر بكسر الاصنام، هو الذي كشف الغمام، هو الذي أُرسل الى الأنام، هو الذي ميز بين الإكرام والإحرام).والحقيقة ان ما يميز تناول (آني ماري شيمل) للحلاج عن جميع الذين تناولوه من زوايا أخرى، أدبيا وفنيا وشعريا من قبل المثقفين والمفكرين العرب، ان ذلك قد ساعدها اغناء تخصصها في مجال الثقافة الاسلامية الهندية - الباكستانية، ومعرفتها للغات عديدة منا التركية والعربية، والهندية، والبنجابية، االى جانب اللغات الأوربية، والتي اتاحت لها الاطلاع على الكثير من المصادر العلمية والتاريخية والمخطوطات النادرة الموضوعة عن الحلاج والتصوف في تلك اللغات، والتي يجهلها المثقفون العرب. لقد ذهبت آني ماري شيمل بعيدا، وعميقا، متتبعة صرخة الحلاج المدوية عبر القرون والعصور، ملتقطة صداها عند جلال الدين الرومي، وغيره من المتصوفة، لكنها تعترف ايضا بسهولة فهم الحلاج فهما غير دقيق، لأن لغته، بقدر ما هي متوهجة وجميلة، فهي عصية على الفهم وصعبة، ومتعددة الدلالة، واحيانا تبدو عباراته غير مترابطة.كما تتوقف (شيمل) عند دور (ماسينيون) الذي أبرز الشخصية الصوفية في الاسلام ودرس نصوصها وخلفياتها، كما تعترف أيضا بان الحلاج هز أعماق كل الذين حاولوا ان يكتبوا عنه، وملأهم بالقلق، بل انها تذهب أبعد في رصد تأثير الحلاج و(كتاب الطواسين) على الشاعر الألماني (فولفجانغ فون غوته)، وذلك من خلال تأثير الحلاج وتجسيد افكاره في الشعر الفارسي الذي وصله عبر الترجمات، هذا التأثير الذي نستنشق عطره في أشعار(الديوان الشرقي للمؤلف الغربي)، وكذلك رصدت تأثيره الكبير على المفكر الاسلامي والاب الروحي لباكستان المعاصرة وبلدان الهند الاسلامية الشاعر ( محمد اقبال لاهوري) لاسيما في أشعار كتابه(جناح جبريل). كما يضم كتاب ( نصوص الصوفية) أدعية وحكايات ونصوصا صوفية ليست عربية الأصل فقط، وانما يشمل ترجمتها من اللغات الشرقية التي كانت تجيدها.وعموما فان الكتاب جهد كبير ومشرف يدفع بالقارئ الى التأمل، ويمنحه لحظة صفاء وسمو خارج هذا العالم الغارق في عتمة الأضواء المزيفة
.
.
الخميس, 17 يناير, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









