غالب الشابندر
الحديث عن الحلاج طويل وممتع وشاق وساخن، يتواصل مع كل طرف من أطراف المحنة الإنسانية المعقدة، فهي محنة الفكر الحرّ، ومحنة السلطة الغاشمة، ومحنة الجهل، ومحنة الخوف من الحرية، كانت محنته جُماع محنتنا بني البشر في كلّ العصور وكلّ الأزمنة،ولا سيما ذوو الرؤية الشفافة الساخنة التي تتعالى على جزئيات التكوين وتلتحم بالإنسان الكليّ، وتتطلع إلى عالمٍ خالٍ من تناقضاتنا ونفاقنا وطغياننا.
لم يكن الحلاجُ مثقفاً انتقادياً بل كان صرخةً قبل كل شيء، نبعتْ من داخله المتحرق بنور الله عزّ وجلّ، وجبتّـه التي أحرقتْ جسده كانت نسيجاً من خيوط الحلم الإلهيّ الجميل، الذي طالما تحدّث عنه بلغةٍ تختلف عن لغة المدّعين، كان فرحاً عندما صُلِبَ لأنه ودّع هذه الحياة وهو ملطخٌ بدماءِ الله، وليس بدمائه، هناك غنّى للسائرين على درب الحجارة الملعونة كي يحولها إلى منبر فتنقذ نفسها من عار اللعنة، ويجني من الشوك عنباً.
الحلاج أغنية شاقّة، كلماتها من الواقع، الواقع المعاش، التقطها من رصيف الوجود المنبوذ، ولكنْ لأنه مشبَّع بحبّ الله تحولت هذه الكلمات إلى نيران مشتعلة في كل أرجاء الكون، فكانت مصدرَ رعبٍ وخوفٍ على من يصدِّر الرعبَ والخوفَ ليرعب الأطفال ويخيف الحياة، وهذا هو الفارقُ الكبير بين كلماته وكلمات غيره من المتصوفة والعرفانيين، فقد تكون هي نفسها الكلمات، ولكن هناك روحاً مختلفة، هناك العرفان الهابط الذي يتسافل بالوجود حتى يحوله إلى ظلّ بوزن قشرة البصل لا يقوى على مقاومة نفثة مصدور متعَب، بينما هناك العرفانُ الذي يستعيدُ الانسانَ في تضاعيفه وزنه الكونيَّ العظيم، فيكون شاهداً على الوجود وليس الوجودُ شاهداً عليه، لقد تخلّص الحلاجُ في (طواسينه) من سذاجة الدالّ والمدلول، وغاص في محنة العلاقة بينهما، فلم يكنْ حبيسَ الإشارة ولا المشار إليه، بل كان غريقَ ذلك السرّ المهيب الكامن بين الطرفين …
وهو سرٌّ يتكشف بما لا نهاية من الصور والتجليات والمعادلات.
هذا هو الحلاج، حلاجنا، وليس حلاج الذين صلبوه، حلاجنا المشنوق وليس حلاجهم الميت، ومازلنا بل سنبقى في حاجةٍ إلى الرمز الحلاجيّ في مهمتنا النقدية حتى إذا انتظرت الحرية، لأن النقد الرمزيّ ثورة، وله من مستوياته على طبق الذوق البشريّ ما يفوق مباشرة الاشياء لينفذ إلى الجوهر، وفي ذلك كفاية
الحلاج بعد الصلب
مـن الاتحادية إلـى التوحيـد
تحقيق : احمد جليل الويس
الصدفة والفضول يقودانك في كثير من الاحيان لاستكشاف طقوس واماكن موغلة في طلاسم تحير العقول، ولكنـّها ممتعة في الوقت ذاته. بين ساحة الطلائع وجسر الشهداء ثمة نهرٌ عجوز يتهادى برويةٍ مبالغٍ فيها لئلا يزعج من نام على ضفته آمنا مطمئناً بعد أنْ نال ما نال نتيجة أفكاره ومبادئه التي لم يزل متمسكاً بها حتى غاب عن الدنيا غير آسفٍ عليها بعد أن قال جملته الشهيرة "ان الله في جبّتي"، نعم انه الحلاج.. منذ نعومة احلامي وانا مغرمٌ بالمزارات التي كانت جدتي تأخذني اليها وهي تتوكأ على شيخوختها التي تخذلها احياناً فتحدثني عن الطقوس التي تهيؤها مع قطيع من النسوة قبل أن يبدأن بالمراسيم الخاصة بزيارة هؤلاء الذين يعتقد أنهم من اولياء الله والذين يسمونهم باللهجة العراقية "اهل الله" وفي الطريق الى هذه المزارات وحدَّث أنه ربيع حملت ُ معي سرب شموع ٍ ملونةٍ وحفنتين من البخور الهندي، تقول جدتي ان البخور يريح ارواح الميتين وينقل لهم كل ما نفعله او نقوله، وبدأت بالتوجه الى قبر الشاعر الصوفي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بأفكاره ومبادئه الصوفية حتى صلب وهو مطمئن من أنه ُ في يد الله سبحانه وتعالى انه "الحلاج".
من هو الحلاج؟
هو ابو مغيث الحسين بن منصور الحلاج ولد في عام 244 كما تذكر اغلب المصادر التاريخية في بلاد فارس حفيداً لرجلٍ يتبع الديانة الزرداشتية ونشأ الحلاج في مدينة الكوت في وسط العراق وهي نفس المدينة التي قتل فيها المتنبي وتسمى حالياً محافظة واسط، ويعتبر الحلاج اشهر الحلوليين والاتحاديين في عصره، واهم من ترجم للحلاج من اخبار كما يذكر الباحث المتخصص في التاريخ الاسلامي الدكتور حسن الحكيم رئيس جامعة الكوفة هو أبن الساعي البغدادي حيث كانت للبغدادي جهود علمية واضحة تتلخص في تدوين تاريخ مدينة بغداد واخبار علمائها وخلفائها وقضاتها وولاتها بحكم معاصرته لاحداث بغداد زمانياً ومكانياً في العصر الاخير من تاريخ الدولة العباسية ويذكر الحكيم ان البغدادي تصدى في كتاب "اخبار الحلاج" لشخصية الحلاج التي اولاها المؤرخون اهتماماً بالغاً، ولكنَّ ابن الساعي قد افرد لها دراسة مستقلة، ويضيف الحكيم: لعل ما يميز هذا الكتاب هو المعلومات الجديدة التي اضافها ابن الساعي البغدادي وقد أغفلها المؤرخون السابقون لعصره ويعلل الحكيم ذلك بان الاعتقاد السائد آنذاك ان هذه الشخصية قد تأتي بالذي يتصدى للكتابة عنه بالويلات وتجر عليه المآسي ولهذا هو موته بصورة عادية ٍ جداً وكأنها لقطة في فيلم التاريخ الطويل من دون ان يلتفت لها احد آنذاك.
من القبر إلى المزار
يقول الدكتور علي عباس المالكي استاذ التاريخ في كلية الاداب الجامعة المستنصرية: لا عجب ان يتحول قبر الحلاج الى مزار شعبي مقدس رغم كل ما يتجنى التاريخ به عليه، فالحلاج "رحمه الله" كان من الشخصيات التي ظلمها التاريخ طويلاً حتى ما عاد فيها شيء يطعن، وقسى عليها قسوة كبيرة لا تحمد عقباها الا في ذلك العصر الذي اشتهر بالتعصب الديني الذي لم يستند على منطق عقلاني ومنهج علمي، ويضيف المالكي: ان الباحث في تلك الفترة يرى بوضوح مدى قسوة المجتمع الذي تحكمه العقلية الدينية الاحادية والذي يجانب الحقيقة في كثير من الاحيان. ويرى المالكي ان الدارس المتخصص في الأدب العربي حينما يقرأ اشعار الحلاج يجد هذا الرجل ذائباً وفانياً في العشق الالهي الذي لن يصله الا ذو حظٍ كبير ٍ ومنزلةٍ رفيعة ويقرأ المالكي ابياتاً من شعره:
إن الحبيب الذي يرضيه سفك دمي
دمي حلال له في الحل والحـــرم
إن كان سفك دمـي أقصـى مرادكـم
فلا عدت نظرة منكم بسفك دمـــي
والله، لو علمت روحي بمـن علقـت
قامت على رأسها فضلا عـن القـدم
يا لائمي لا تلمني فـي هـواه،
فلـوعانيت منه الذي عانيت لم تلم
يطـوف بالبيـت قـوم لا بجارحـة
بالله طافـوا فأغناهـم عـن الحرم
ضحّى الحبيب بنفس يوم عيدهم
والناس ضحّوا بمثـل الشـاء والنّعـم
للناس حج ولـي حـج إلـى سكن
يهدى الأضاحي وأُهدي مهجتي ودمي
ويتساءل ايمكن لمثل هذا الشعر أن يكتب في غير الذات الالهية التي تمثل المطلق، ولكي نكشف السر الذي جعل قبر الحلاج مزاراً ذهبنا الى شيخ طاعن بالمحبة وقد أحرق الدهر شعره الاسود واطلق خيول الزمان الثلجية فيه لتلهو به ليحدثنا عن سر هذا التحول فقال: كانت احدى النساء ايام اجدادنا تأتي الى النهر وتأخذ منه حاجتها للغسيل والطبخ وما شابه ذلك وفي احدى المرات طلبت من نهر دجلة نذراً وكانت لاتنجب الاولاد فجاءها في منامها رجلٌ طويل القامة كما اذكر قال لها سيأتيك ولد سمَّه الحسين وبعد فترة جاءها مولود جميل فسمَّته "الحسين"، وبعد ذلك بفترة جاء قوم أجانب لا نعرف من هم ولكن كان ابي يقول: انهم من الفرنسيين لكنَّ عمي يقول: انهم من الانجليز الذين يريدون ان يسقطوا الباشا آنذاك.
ويضيف الحاج عمران الكرخي بعد ذلك تبين ان أحد اولياء الله الصالحين مدفون هنا وهو الذي اتى للجدة واخبرها بالمولود، ولكننا لا نعرف من يكون حتى هذه اللحظة لانَّ الانباء متضاربة وانت تعرف ياولدي ان الكل هنا لايقبل أن يتنازل عن رأيه ولذلك اعتقد ان ليس من الضروري ان نبحث عن اسمه او من هو فهذا لا يهم ما يهمنا حقاًَ هو انه ولي من الاولياء الصالحين.
وبعد ان احتسيت الشاي في المقهى القريب من قبر الحلاج مع الحاج عمران الكرخي اصر الحاج على ان يأخذني الى بيته الذي لايبعد سوى امتار قليلة، وهذه الطبيعة هي واحدة من الشيم العربية الاصيلة، لنتناول الغداء مع عائلتهِ.
حائط الحنـّاء .. طقوس وحكايا
جلسنا لساعات طويلة استمع الى احاديث العائلة الغريبة أحياناً عن المزار -القبر- لهذا الولي الذي ما كان احدٌ في عصره ليصدق ان احد جدران قبره سيتحول وبعفوية الى حائط حنــّاء ، حيث تقول الحاجة ام كامل وهي زوجة الكرخي احياناً نذهب الى هناك- وتقصد قبر الحلاج - ونحن نحمل معنا الشموع والحناء نلطخ بها الجدار الذي اعتدنا أن نضع عليه الشموع والحناء حينما نطلب من هذا الولي الصالح شيئاً ونظل نقرأ القرآن لفترة من الوقت وندعو الله ان يستجيب لنا طلباتنا ونذورنا التي كثيراً ما ندّخرها في قلوبنا. وتشرح ام كمال كيف انهم بعد ذلك يذهبون الى النهر القريب -الذي رمي فيه رماد الحلاج - ليسيروا الشموع على وجنة الماء عند الغروب لتبدو مثل لآلىء على وجنة فتاة زنجية حيث تقول: نثبت الشموع التي جلبناها معنا على قطعة فلين او خشبة يابسة قادرة على ان تطفو على سطح النهر ومن ثم نشعل الشموع التي من المحبب والافضل ان يكون عددها فرديا وحينما سألتها لماذا أجابتني بانها لا تدري ولكنها ورثت هذه الطقوس عن امها التي ورثتها بدورها عن جدتها. وتعتقد ام كمال ان افضل وقت لطلب النذر وقت الغروب حينما تبدأ الشمس بالاصفرار وكانها برتقالة تنتظر من يقطفها في يوم الخميس (ليلة الجمعة) من كل اسبوع.
واخبرتنا ام كمال عن طرق اخرى، طقوس غريبة لكنها فعّالة كما تعتقد ولا يمكن لنا الا أن نمسك بكفٍ من ماء على جمرة الاساطير التي تلف المكان اثناء حديثها، تقول ام كمال: هناك نساء يذهبن الى النهر ويقصصن جزءا من ضفائرهن التي تعبق بالحناء ويرمينها داخله وسط الهلاهل والتصفيق طلباً للزواج وهذه العادات بدأت تمارس في السر لانَّ الوضع الامني لا يسمح لنا بالذهاب وحدنا كما كنا، بل بصحبة اخواننا الذين يمنعوننا من ممارسة الطقوس بشكلها الصحيح!!..
مقابر عائلية
في الطريق الى قبر الحلاج مررنا بمقبرة كبيرة اسمها مقبرة العائلات ، ومن حديث حفاري القبور هناك يعتقد اصحاب هذه المقابر العائلية انهم سوف يجتمعون مع ذويهم الذين يدفنون قربهم .
ويقول محمد عبد الله الجنابي وهو حفار قبور في منطقة " الشيخ علي " : هذه المنطقة التي دفن فيها معظم ائمة التصوف الاسلامي في نهاية العصر العباسي الاخير فهناك الشيخ معروف والشيخ جنيد البغدادي وذو النون المصري وبهلول الكوفي واخرون كثيرون ومنهم الحسين بن منصور الحلاج.
ويضيف الجنابي : الاهالي يشترون الاراضي ويشيدون عليها قبورهم الخاصة وفق تقاليد قديمة عند اهل بغداد على وجه الخصوص وهذا امر قديم وهم يعتقدون ان ارواح موتاهم تلتقي قبل ان تذهب الى خالقها جل وعلا في هذه الارض ولذلك تجدهم يحرصون عليها كما يحرصون على بيوتهم ويبنون حولها الاسيجة ولا ابالغ اذا قلت لك بعضهم يبالغون في هذه الظاهرة حتى تكاد قبورهم ان تكون مزارات خاصة لاولياء الله .
مدينة الحلاج او المنصورية
بعد ذلك حاولنا ان نتقدم باتجاه قبر الحلاج واذا بنا في مدينة صغيرة اسمها المنصورية ويبدو لمن يدخلها لاول مرة ان لا علاقة لها بالتكنولوجيا ولا بالتطور الذي وصل اليه العالم .
اوصلنا شيخ محني الاحلام عبر شوارع ملتوية تلتف على بعضها كانها افعاع تسعى الى التهام الغريب الذي لا يعرف عن هذه المدينة شيئا ولا عن اهلها المتصوفة الذين لا يزالون يمارسون طقوسهم السرية لئلا يكفروا في هذ الزمن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل ، وصلنا بعد برهة من المشي الحثيث والتقاط الانفاس المتقطع بعد حين وحين الى قبة صغيرة خضراء زاهية مكتوب على بابها بخط خجول " مقام الحسين بن منصور الحلاج" .
استقبلنا هناك السيد سبع ابراهيم النعيمي سادن المقام على اكمل ما يمكن وفتح قلبه لنا قبل ان يفتح باب المزار ليحدثنا عن هذه المدينة التي اخذت اسمها من شيخها العتيد "الحلاج" .
يقول النعيمي: ان هذه المدينة اخذت اسمها من اسم الحلاج لان اباه يدعى (منصور) واحيانا يسميها المستشرقون منصورية الحلاج واول من اكتشف هذا المقام هم سكان المدينة الاصليون عكس ما يتبادر الى ذهن البعض من ان الاجانب هم الذين اكتشفوا هذا المقام والدليل على كلامي هذا هو ان المستشرقين يظنون ان هذا قبره وهو ليس كذلك فهذا مكان تعبدّه ومقامه اثناء حياته.
نهاية متوقعة ورحلة مترفعة
يقول يوسف زيدان في بحث له تحت عنوان " الحَــلاَّجُ ومُحَاوَلَةُ تَفْجِيرِ اللُّغَــةِ " : فى كل تاريخٍ ــ عامٍ أو خاص ـ لحظاتٌ حاسمة، تحدثُ فيها التحولات الكبرى؛ وقد كانت سنة 309 هجرية من أعظم السنوات حسماً وتحوُّلاً فى تاريخ التصوف.. ففى هذه السنة، وبالتحديد : يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ذى القعدة، أُخرج الحسين بن منصور الحلاَّج من سجنه، فجُلد، وقُطعت يداه ورجلاه ، وشُوِّه، وصُلب، وقُطع رأسه ، وأُحرقت جثته .
ولم تكن الأحداثُ التى وقعت فى هذا اليوم، مُفاجئة.. بل كانت مأساة الحلاج متوقَّعة منذ ان بدأتْ محاكمته ببغداد، قبل قتله ببضعة أشهر تنفيذاً للحكم النهائي، الذى أصدرته هذه المحكمة الفقهية .. تلك المحكمة التى انتهت إلى إلصاق تهمة المروق عن الدين، بهذا الصوفي العارم. بيد أنه يمكن القول، أيضاً ، أن نهاية الحلاج المأساوية، كانت متوقَّعة من قبل ذلك بسنوات طويلة ! فقد سمعه أبو القاسم الجنيد يتكلَّم فى بعض (الحقائق) الصوفية، فانزعج واحتدَّ على الحلاج، وصرخ فيه : أية خشبة سوف تفسدها ... وهى إشارةٌ مبكرة، أنبأت بالمصير الذي ينتظر الحلاج، وبنهايته مصلوباً على خشبة ! ولابد لنا هنا ، من ملاحظة أن هذه النبوءة، ارتبطت .. بل انطلقت ، من كلام قاله الحلاج.
عن لسان سادن مقامه
هو أبو المغيث الحسين بن منصور بن محيي البيضاوي ولد في قرية الطور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء من مدن مقاطعة فارس بإيران والى الشمال من مدينة شيراز في عام 244هـ /858م .
نزلت اسرة الحلاج واسط بعد مقتل أبيه في فترة كانت تغلي بالحروب الداخلية ثم قصد هو تُستر (شوشتر) على نهر كارون ليصحب سهل بن عبدالله التستري أحد كبار الصوفية في القرن الثالث الهجري وتنقل الحلاج بين شيوخ التصوف المعاصرين حتى وصل الى بغداد ليأخذ كبار مشايخ العصر كالجنيد والنوري وابن عطاء وعمرو بن عثمان المكي.. وجرت بين الحلاج وهؤلاء المشايخ وقائع كثيرة، يضيق المقام هنا عن ذكرها، لكنها فى مجملها تشير إلى نأي الحلاج وتفرُّده عن أهل الزمان، وتؤكد شعوره بذاته على أنه : نسيج وحده ..مع أنه يعانى ما يعانيه القوم. وقد عاش الحلاَّج التجربة الصوفية بكل ما فيها من صدقٍ و روعة، وغرق فى بحر النور الآلهي تمام الغرق قصد الحلاج مكة حاجا ليعود الى الاهواز بالقرب من موطنه القديم واعظا ولكنه لم ينجح النجاح المطلوب فجعله يتنقل في خراسان وفارس والعراق ثم ألقى عصا الترحال في بغداد . ويبدو ان الحلاج كان يدعو الى مذهب سياسي وروحي يقوم على فقه معين ورياضة صوفية تتميز كلها بالتطرف والشدة والإصرار على الوصول الى هدف مستهينا بالعقبات ولو بلغت الموت نفسه.
سجن خاص
ويضيف النعيمي: ان السلطات العباسية طاردت الحلاج الى ايران والقت القبض عليه سنة 301هـ بتهمة القرمطة وشهر في بغداد معلقا بحبل مدة ثلاثة أيام ولما أثبت التحقيق بأنه كان يعمل لحسابه خيف من قتله وثورة أنصاره وسجن في دار السلطان في بناية شيدت خصيصا له ثم شكلت محاكمة من قاضي القضاة المالكي أبي عمر الحمادي رئيسا وأبي جعفر البهلول وأبي الحسين الأشناني واستمرت المحكمة سبع سنين او ثماني وأنتهى الأمر بالحكم على الحلاج بالإعدام على الصورة التالية : 1- الضرب ألف جلدة 2- قطع الأطراف الأربعة 3- ضرب العنق 4- إحراق الجثة ثم نثر الرماد في دجلة 5- حمل الرأس إلى خراسان . وهكذا انتهت رحلة الحلاج في هذه الدنيا التي لم يستطع من مسك زمام السلة انذاك من ان يتفهم دعوته .
وقرأ النعيمي دعاء اشبه ما يكون بطقوس حلاجية مازحا معي انا مطمئن منك ولذلك سأقرأه بصوت عال وبدأ يقرأ هذه الكلمات :
نَحَنُ بشَوَاهِدِكَ نلُوذُ
وبِسَنَا عِزَّتِكَ تنَسْتَضِيء
لِتُبْدِى لَنا مَا شِئْتَ مِن شَأْنِكَ
وأنْتَ الذِي فِى السَّماءِ عَرْشُكَ
وأَنْتَ الذِي فىِ السَّمَاءِ إلَه
وفِى الأرضِ إِلَه..
تَجَلَّى كَمَا تَشَاء
مِثْلَ تَجَلِّيكَ فىِ مَشِيئتِكَ كأَحْسنِ صُورَةٍ
والصُّورَةُ
هِىَ الرُّوحُ النَّاطِقَةُ
الذِى أفْرَدْتَهُ بالعلمِ (والبيَانِ) والقُدرَةِ
وهَؤَلاءَ عِبَادُكَ
قَدْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِي تَعَصُّباً لدِينكَ
وتَقَرُّباً إليْكَ
فاغْفرْ لَهُمْ !
فإنكَ لَوْ كَشَفْتَ لَهُمْ مَا كَشَفْتَ لي
لما فَعَلُوا ما فَعلُوا
ولَوْ سَتَرْتَ عَنِّي مَا سَترْتَ عَنْهُمْ
لما لَقِيتُ مَا لَقِيت
فَلَكَ التَّقْديرُ فِيما تَفْعَلُ
ولَكَ التَّقْدِيرُ فيِما تُرِيدُ
وبعد ان اكمل هذه الكلمات اخبرني انه اخر كلمات نطق بها الحلاج قبل صلبه إذ كان مشدوداً على الصليب الخشبي وقبيل حَزَّ رقبته؛ نظر إلى السماء مناجياً ربه بهذه الكلمات .
رمزية الحلاج في الثقافة العالمية
ا لحلاج رمـز الشهيد الحــر والزعيم المؤثر والنموذج الرفيع للرجل الباذل لوجوده من أجل مبدئه والإنسانية في الأدب العربي نفسه , لقد اكتسب الحلاج في العصر الحديث صفة العالمية لقد اعجب الادباء والمثقفون والشعراء والفنانون والمسرحيون بشخصية الحلاج وتصميمه على المضي قدما في الدفاع عن افكاره وتذكر المصادر الحديثة ان شاعر العراق وفيلسوفه جميل صدقي الزهاوي كان من اوائل من تأثر به. كما ان كتابه الذي ترك تأثيراً كثيراً هو (كتاب الطواسين) الذي طبع عدة طبعات وكتب عبد الباقي سرور كتاب (الحلاج شهيد التصوف الاسلامي) وطبع في القاهرة 1961. وظهر كتاب في الالمانية من تأليف الاستاذة (آنه ماري شيميل) سنة 1968. وكتب محمد جلال شرف كتاباً عن الحلاج اسمه (الحلاج الثائر الروحي في الاسلام سنة 1970 في الاسكندرية. وكتب سامي طرطبيل كتاباً اسمه (اسطورة الحلاج) نشره سنة 1979. واصدر الفنان سامي مكارم كتاباً اسمه (الحلاج فيما وراء المعنى والحظ واللون) نشره سنة 1989. ومن وحي كتب الحلاج وبخاصة سيرته ظهرت مجموعة من الروايات منها كتاب (الحلاج أو وضوء الدم) لميشال فريد غريب ورواية (الشهداء والشهود) للكاتبة العراقية لطفية الدليمي نشرتها مجلة آفاق عربية سنة 1976 . وفي عالم المسرح ظهرت مسرحيات تأثرت بالحلاج ومنها مسرحية صلاح عبد الصبور (مأساة الحلاج) طبعت في بيروت سنة 1965. وكتب عدنان مردم بك مسرحية شعرية للحلاج من اربعة فصول اسمها (الحلاج) نشرت في بيروت سنة 1971. وظهرت مسرحية بالانكليزية عن الحلاج كتبها الاستاذ هربرت ميسون الاميركي (موت الحلاج). وفي مجال الشعر أثرت آراء ماسينيون وعروضه لاشعار الحلاج في الشعر العربي اشعاراً وعدّوه بطلاً من ابطال الكفاح الانساني وجعلوا ينظمون في شجون كفاحه وثباته اشعارا تعلو به عن مستوى الانسان العادي. وقد تبناه منهم المتحررون واليساريون على الخصوص ومن اولهم الشاعر علي احمد سعيد (أدونيس) الذي نظم قصيدته التي عنوانها (مرثية الحلاج). وتلاه الشاعر عبد الوهاب البياتي باشعار كثيرة منها تلك التي وردت في كتابه سفر الفقر والثورة سنة 1965. لكن الشاعر العراقي قيس لفتة مراد كان أغزر الشعراء نظماً واكثرهم اهتماماً بالحلاج صدوراً منه عن روح صوفية روحية مثله، وقد ضمن مشاعره هذه ديوانه الصغير(أغاني الحلاج) المطبوع في بغداد 1966 .
علامة مضيئة
ويقول أرنولد رينولدز نيكلسون في مقدمة ;كتابه (فى التصوف الإسلامى وتاريخه) وهو عبارة عن مجموعة مقالات ترجمها الدكتور أبو العلا عفيفي في القاهرة واعيد طبعها عدة مرات : ان الحلاج اتهم بادعاء الالوهية والقدرة على خلق المعجزات ورغم اعلانه براءته مما نسب اليه من آراء "كان الحكم عليه أمرا مقضيا قبل أن تجتمع المحكمة...وجلد بالسوط ثم قطعت يداه ورجلاه وبعد ذلك صلب على خشبة وترك معلقا يومين حتى حز رأسه."
ويضيف اندريه : ان الحلاج كان "واحدا من العظام ذوي الطاقات الفكرية الاستثنائية. انه علامة مضيئة في تاريخ التصوف الاسلامي فمنه بدأ الطريق الذي سلكه التصوف الاشراقي والذي ارتبط باسم المفكر الكبير ابن عربي فيما بعد
.
.
الخميس, 17 يناير, 2008
أضف تعليقا
اضيف في 18 يناير, 2008 09:16 م , من قبل shortstoryy
من الولايات المتحدة
من الولايات المتحدة

عزيزي doctorbob1
شكرا لك على زيارة مدونتي واتمنى ان تكون المدونة قادرة على تقديم ما هو مفيد
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.











من الأردن
سعدت كثيرا بالتعرف على مدونتك هذه
واشكرك على هذا الموضوع الطويل سأعود اليه لاحقا لأستشف منه الكثير
اتمنى لك التوفيق بمدونتك هذه
تحياتي