إنه يرتعشُ، ويزمجرُ ويزأرُ مثل أسدٍ حديدي.
إنه يلمعُ مثل عظامٍ مصبوغةٍ لثور.
في اللّيلِ يشعّ ضوؤه الأماميُ الوحيدُ
على الطّريقِ العام، مثل قرنٍ معوجٍ
لوحيدِ قرن.
إنه يبدو مثل موتٍ ينتظرُ راكباً.
ها أنتَ تركبُ وتمضي.
ليلَ نهارٍ، سنةً إثر أخرى،
وبينما تصنعُ المسافاتُ البرّاقةُ لأنفاسِك
متاهاتٍ تحاكي تضاريسَ الأرض،
تمتطي الموتَ
الطريقُ دليلُكَ.
تمتطي موتَك
ولا تموت.
هو ذا يشعُّ
وأنتَ تمتطي شعاعَه.
القائد العسكري يطلب أغنية
إلى فيكتور جارا، وإلى كلّ من غنّى
بعد الانقلاب الذي دبّرته المخابرات الأميركية في 9//1973، والذي أطاح بالزعيم الشعبي المنتخب سلفادور أليندي وأودى بحياته، و قبيل وقوع بابلو نيرودا فريسة للحمّى ووفاته، قال: "إنه جسد فيكتور جارا، المقطّع إرباً، كيف لك أن لا تعرفه؟ آه، يا الله! إن كانت تلك هي الطريقة التي يقتلون فيها عصفوراً غَرِداً!... وقالوا إنه غنىّ، وغنّى، وغنّى، حتى أثار حنقَ الجنود...".
من كتاب ماتيلدا أوروتيا بعنوان "حياتي مع بابلو نيرودا"
كان الذي أدهشني
حين سمعتكَ للمرّة الأولى تغنيّ
ولم أكن مهيأ لذلك البتة،
هو الحنان الآسر في صوتكَ
يتهادى سلساً عبر أوتار غيتاركَ
مثل زهورٍ تتنهّد خلف أسلاك شائكة.
كيف لي وأنا أسمعُ خشبَ الغيتار يرنّ
بعد سنوات عديدة من لمسِ أوتاره،
أن لا أشعرَ الألمَ الذي يسري في يديكَ،
وأن لا أرى عينيك تحدّقان
في الحدقة البلهاء للشّمس
حيث جمهرة من رفاقكَ السجناء في الملعب
يشاهدون كيف كنتَ تتحوّلُ أمام أعينِهم إلى طيف.
القائد العسكري طلب أغنية،
وكان يعرفك جيداً.
انتشلكَ من بين الحشود
التي أُجبرت على التجمهر
تحت ضرب الهراوات وأعقاب البنادق.
القائد العسكري طلب أغنية،
معلناً أنّ أليندي، "المخلّص المزيّف"، قد مات،
وأن بينوشيه هو الحاكم الآن،
وبالرغم من أنه أدرك أن الحاضرين
بدوا جميعاً خائفين مما سيأتي،
إلا أنّه طلب أغنية.
"وأنت، أيها المغنيّ، ألستَ لسان الشعب؟
أرني يديكَ،
أليست هذه هي الأصابع
التي تعزفُ على قلوب الفقراء
وتحوّلهم إلى ملائكة؟"
أرني يديكَ.
هكذا، وببطء،
ترفعُ يديكَ أمامكَ،
اليسرى أولاً
ومن ثمّ اليمنى
وقد فصدتها البلطةُ.
وفيما كانت عيناكَ تزوغان
وتنتفخان
كأنما لتُصيباكَ بالعمى
كي لا ترى ما كان يحدث،
كنتَ ما تزالُ ترى
تلك الأصابعَ
تتلوى على طاولته
بكماءَ مثل أطفال ضائعين.
وترى ما كان مرفوعاً، ينبضُ أمامكَ،
مرفوعاً في وجه القائد العسكري،
الذي لم يُشفَ غليله،
والذي جنَّنتهُ رباطةُ جأشكَ
فانقضّ عليكَ، يصرخُ،
"غنّ، الآن، يا ابن السافلة، غنّ!"
ضارباً،
رافساً،
يداه معقودتان في حنق،
فيما كانت أوتارُ أصابعكَ تشتدّ
مثل جسدٍ سقط للتوّ على الشاطئ،
ثم تكوّرَ ليحمي الجرحَ في البطن،
ثمّ تعثّر،
ثمّ نهضَ وهو يعرجُ،
نابذاً تاريخَه من ذكرياتٍ ومهارات.
أعلمُ كيف نهضتَ، رافعاً يديك،
وهما تسيلان مثل شمعدان
اقتُلعت منه شموعُه،
ومن محاجره الحمراء كالرّمان،
الحمراء مثل قلب الببغاء،
شمعٌ كثيفٌ ظلّ يسيلُ شفّافاً
يفيضُ ثم يفيضُ،
فيما كانت عيناك تتسعان،
وحنجرتك تتحفّز
وصمّام وجودك يُفتَحُ،
هاتفاً بالألوف الذين ينتظرون أغنية:
"أيها الرفاق، دعونا نلبي لهذا الشخص رغبته!"
وبصوتٍ يتدفّقُ كالدّم
رحتَ تغنيّ،
تنقرُ على الوترِ نقراتٍ خفيفة
وتغنيّ،
وراح الجميعُ يغنّي،
الآلاف من السّجناء راحوا يغنون
داخل الملعب
وينشدون نشيدَ الأمة.
الجميعُ يغنون تحت الرطوبة الحارقة
حتى جُنّت الرشاشاتُ
وأصابتها عدوى شجاعتكَ
وأفقدتها صوابهَا قوةُ أصواتكم،
فراحت تفعلُ الشيءَ الوحيدَ
الذي تقدرُ على فعلهِ الرشّاشات.
كولورادو، 2006
السبت, 19 يناير, 2008
ترجمة عابد اسماعيل
هذا يشبه ركوبكَ الموت، ولكن من دون أن تموت
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













