يقول مكسيم غوركي: (كان قلب الكاتب الروسي ناقوسا للحب, وصوتا جبارا تسمعه كل القلوب الحية في البلاد إن قوة الكلاسيكيين الروس في القرن التاسع عشر تكمن في الروح الديمقراطية العميقة والحماس الانساني الرائع, وخدمة الحقيقة بشكل مبدئي..
وتنطبق هذه الكلمات كليا على دوستويفسكي هذا الكاتب الذي اعتبره توماس مان:( اول اختصاصي نفساني في الادب العالمي).
والحقيقة انه اذا كان دوستويفسكي قد عرف باهتمامه الفائق بالتحليل النفسي للشخصيات التي يرسمها في العدد الاكبر من رواياته ولا سيما روايات مرحلة النضج منها, فإن (المقامر) تقدم نموذجا اكثر تطوراً ذلك ان التحليل النفسي هنا لأيأتي عرضا, بل في جوهر العمل التحليل النفسي.
بل بالاحرى, تحليل الذات نفسيا ذلك اننا نعرف ان ( المقامر) كتبت بدءاً من تلك التجربة الشخصية التي عاشها دوستويفسكي مع القمار,وهو حين كتب الرواية, آل على نفسه ألا يكتب انطلاقا من فعل الندم او من الرغبة في البوح من اجل خاطر البوح نفسه كنوع من الترياق, بل ليخوض اكثر فأكثر مجاهل الروح وأدران النفس , باحثا عبر اسلوبه البارد شكلا عما يحرك تلك الروح ويجعل صاحبها يقدم على ما يقدم عليه وفي هذا الاطار يمكن القول ان اي عمل على الاطلاق في تاريخ الادب لم يتمكن من بلوغ ما بلغته رواية (المقامر) من قدرة على تحليل الدوافع وعلاقة الافعال بتوجهات فاعليها .
كتب دوستويفسكي المقامر عام 1866 وكان في نحو الخامسة والاربعين من عمره وهو كتبها انطلاقا من تجربته ا لشخصية غير انه لم يعش تلك التجربة داخل روسيا بل في الخارج اذ تروي لنا سيرته انه فيما كان مقيما في الخارج أولع بالقمار وراح يلعب ويخسر ولقد تواصل لعبه وخسرانه زمنا ما جعله مفلسا تماما وغير قادر على الاستمرار في العيش خارجاًَ وهكذا عاد الى روسيا خالي الوفاض تماماً, إلا من مشروع كتابة رواية تحكي تجربته.
بطل الرواية-وراويها في الوقت نفسه -يدعى الكسي ايفانوفتش, وهو شاب يعمل لدى جنرال يصحبه الى اوروبا في كل مرة قام فيها برحلة الى بلد اوروبي. وذات مرة يكون الكسي مع الجنرال في زيارة لمدينة-متخيلة -تدعى رولبترغ-من (روليت) بالطبع-وهناك في تلك المدينة يحدث للشاب ان يقع في غرام زوجة اخيه المدعوة بولين, وهي امرأة ذات نزوات ولعوب ما ان تدرك ولعه بها , حتى تبدأ التلاعب به. وذات يوم تعطيه مبلغ 700 فلورين طالبة منه ان يلعب ( الروليت) في الكازينو من اجلها . في البداية يربح الكسي كثيرا من المال, غير انه سرعان ما يخيل اليه انه يتعين عليه ان يواصل اللعب حتى يربح اكثر . وهنا يخسر ما كان ربحه. فيفقد السيطرة على حواسه وعقله ويغوص في نوم من الهذيان المرضي.
اضافة الى هذه الشخصيات ثمة في الرواية شخصيتان اخريان هما دغرييه وبلانش, رجل وامرأة مقامران, يحيطان بالجنرال في انتظار ان يرث ثروة ستأتيه من خالة مريضة له تبدو على وشك الموت. لكن هذه الخالة سرعان ما تصل معافاة الى المكان ويحلو لها ,بدورها ان تجرب حظها في اللعب. وهكذا تبدأ هي الاخرى بخسارة ثروتها بالتدريج حتى تفلس تماماً فلا يكون من المقامرين دغرييه وبلانش إلا ان يتخليا عن الجنرال تماماً. هنا عند هذا المستوى من الحكاية يعود الكسي الى طاولة اللعب من جديد لكنه هذه المرة لن يخسر بل سوف يربح مبلغا كبيراً.. وهنا تعود بلانش وبولين الى الدخول في حياته من جديد ومن جديد نراه يخسر ما كان ربحه, ليفلس ثانية. ويتحول من مقامر هاو ومغامر, الى محترف لعب, بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى, ويبدأ هبوطه الفعلي الى الجحيم. فلم يعد يرغب في أي شيء غير اللعب واللعب طوال الوقت, ويصبح همه الوحيد ان يدبر من المال ما يمكنه من المقامرة في شكل متواصل. طالما انه لم يعد قادراً على مقاومة سحر القمار.
وهكذا, ومن خلال هذه المغامرة البائسة واليائسة التي يعيشه الكسي ايفانوفتش يروح دوستويفسكي واصفا لنا صالة القمار واحوال المقامرين وتصرفاتهم وعلاقتهم باللعب, على نحو مدهش واخاذ, لا يمكن اتيانه إلا من قبل من عاش تلك الحال بالفعل. ولقد ساعد دوستويفسكي على هذا( كونه قد عرف أن يلتقط شخصياته وافكاره اواحلامها وخيباتها في اللحظات نفسها التي تكون فيها غارقة في اعلى درجات التوتر-حسبما يروي واحد من الذين اسهبوا في تحليل هذا العمل , مركزاً على تفوق دوستويفسكي في وصف تلك الحالة الغريبة التي اذ وجدت نفسها تعيش آخر ايامها انصرفت ا لى ذلك الشغف باللعب, الذي خلقها من جديد واعطاها مبرراً للوجود..
لا تعتبر المقامر من اعمال دوستويفسكي الاساسية لكنها مع ذلك تعتبر عملاً عميقاً وصادقاً, ما جعلها, تحتل دائماً, مكانة خاصة في سلسلة اعمال هذا المبدع الروسي الكبير بين ( الجريمة والعقاب) و(الأبله) و(الاخوة كارامازوف) وغيرها من اعمال أسست لنوع متميز من الرواية الحديثة
.
.
الاثنين, 28 يناير, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









