مرفـــأ
....ســــــاحـة لـــلادب والثقــافـــــــة ....
.
.

دوستويفسكي..الإبحار في النفس، واختزال المعاناة


سيف عبد الكريم الربيعي:
تتسبب المعاناة في توليد صراعات جسيمة داخل النفس البشرية، التي قد تؤدي الى انبثاق الابداع لدى الانسان، عن طريق اختزالها ضمن اطار التجربة...هكذا اختزل الاديب الروسي الكبير (فيدور دوستويفسكي) الفقر والمعاناة التي عاشها، باعتقاده ان معاناته ليست بالصدفة الاعتباطية،

انما هي سبيل لفهم الحياة، واسباب الوجود الانساني، الذي اصبح هاجسا في حياته، وتتضح معالجة دوستويفسكي لهذا المفهوم في روايته (الاخوة كارامازوف) حيث وظف فيها صراعاته الداخلية، والتي تشي بمدى فهمه لكينونة الشخصية البشرية التي يخيم عليها التشويش والغموض، وعبر(فاسيليفيتش روزانوف) عن هذه الرواية بانها مركزية في كل ابداع دوستويفسكي، مشيرا الى ان دوستويفسكي يصور لنا نفس الانسان بخفاياها المبهمة، اما (سيغمون فرويد) فقد وصف دوستويفسكي بانه الفنان الذي يستحق الخلود، منطلقا من معاناته، وتحليله لنوازع النفس البشرية، والتي جسدتها هذه الرواية، وروايات اخرى، كـ ((الجريمة والعقاب)) و ((الممسوسون))........الخ
ولد فيدور دوستويفسكي (1821 ـ 1881) في موسكو وتلونت حياته بشتى اطياف العذاب، من فقر ومرض ـ حيث كان مصاباً بنوبات الصرع ـ، واصبحت معاناته تلك معبرا له نحو الابصار بالحقيقة....
انجز روايته الاولى (المساكين) في الرابعة والعشرين من عمره، وانطبعت بها كل تلك الظروف التي مر بها ايام طفولته، واتسمت بالحقيقة الواسعة في البحث عن المصير البشري، التي عبر عنها الناقد الكبير ((بيلنسكي)): (انك فنان عظيم الحساسية... ان الحقيقة تكشف لك وتعلن بوصفك فنانا، انت تلقيتها هبة، فاعرف كيف تقدر هذه الهبة. ابق امينا لها وسوف تصير كاتبا عظيما)).
وفي عام (1849) نفي دوستويفسكي الى سيبريا اوروبا وهو مكبل بالهموم والمرض الذي ينخر في جسده، واستمر النفي حتى عام (1859)، الذي عاد به وقد اصبح رجلا كبيرا يبحث عن الحقيقة، وانعكس تارجح نفسيته وتناقضاته على ملامح شخصياته الروائية، المعبرة عن تكهناته حول امور الحياة.
ظل ناقوس العذاب يقرع في رأسه، أذ اعتقل دوستويفسكي وختمت اوراقه بالشمع الاحمر: كان كل ذنبه الاشتراك في مناقشات بعض الاصدقاء الغاضبين، التي سميت على سبيل المبالغة باسم ”مؤامرة بتراشيفسكي” ومع ذلك ينزل الحكم الى اقسى العقوبات الى الموت بالرصاص، فولدت انتقالة مفاجئة في نظراته الى عوالم الانسان... ومرة اخرى يتدخل القدر، فيخرجونه من السجن مع تسعة من رفاقه، ويقرأ حكم العفو محولا الحكم بالاعدام الى سجن اربع سنوات في سيبيريا.
ويعود دوستويفسكي الى (سانت بطرسبورغ) رجلا منسيا، وقد اصبح لديه انطباع خاص حول الجريمة والعقاب، ظهر بوضوح في روايته ”ذكريات من بيت الموتى” التي تصور كل ماعاناه ايام السجن.
ان سجن سيبيريا والاشغال الشاقة والصرع والفقر وحمى المقامرة والتهتك، والرفض من قبل المجتمع كما يزعم بعض مؤرخي الادب، كل هذه التجارب القاسية في حياته اصبحت مثمرة بفنه، موسعة لقدراته على التعبير عن افكاره، وعبقريته بنقل التجربة الى عالم التفكير واستخلاص الدروس منها، كما اتسعت لديه الرؤى في تحليل المواقف الانسانية... وما بين الايمان والالحاد اخذت شخصيته بالتارجح اكثر، حتى ان (فرويد) كتب عنه قائلا: ”لقد قضى حياته حتى اخر، ايامها، حائرا بين الايمان والالحاد” وقد ارسى دوستويفسكي هذا الصراع بثلاث شخصيات روائية (ايفان واليوشا وديمتري) حيث تبرز من بينهم نظرة دوستويفسكي لعلاقة الحياة بالايمان والالحاد....
لقد حقق دوستويفسكي على حد تعبير (باختين) ثورة داخل الفن الروائي، حين اعطى لابطال رواياته حرية رسم مصائرهم بانفسهم، واعطاهم الحق في الكلام بحرية مطلقة، ويبرز هذا المفهوم في رواية (المراهق)... اما ذروة الخير الذي ملأ نفس دوستويفسكي فقد تمثل بالامير( مشكين) بطل روايته (الابلة) الذي حمله مرضه (الصرع)، وبعض مشكلاته التي ازمت حياته وارهقت فكره، فكان موقع سخرية من الجاهلين فوصفوه بالبله، لما كان يحمله من انعتاق واشراق...
فضلا عن الحقيقة الواضحة في ادب دوستويفسكي، فاننا نلاحظ في نهاية كل رواية من رواياته بزوغ عملية تطهير العواصف المعروفة في التراجيديا الاغريقية...
وبهذا يظل دوستويفسكي الرائد الاكبر للرواية الواقعية، فرواياته تضج بالعبقرية والفكر السامي، مبحرة في اعماق النفس البشرية، مضمنا اياها قيما انسانية رفيعة، وروعة ادبية، وانعتاقاً، وشاعرية لا تضاهى، كما وضمنها صفات النفس البشرية المتعددة والمتناقضة من الايمان والالحاد، والخير والجريمة، والسمو والسقوط

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.