باسكال تابت رهين الأم والحب الأوديبي ليس رهيناً من هو جبران؟ تعدّدت الآراء حول هذا السؤال. منهم من يعتبره أديباً، ومنهم من يعتبره شاعراً، ومنهم من يعتبره فيلسوفاً، وآخرون يعتبرونه كافراً وبعضهم متمرّداً... وقد يكون غاب عن هؤلاء أن جبران أوسع من أن يوضع في خانة معيّنة وأكبر من أن يصنّف ويحدّد. إنّه قبيلة من الرجال في رجلٍ واحدٍ. أمام عبقريّته لا يمكنك أن تكون متجرّداً. عليك أن "تتجبرن" لفترة من الزمن لتتمكّن من الغوص في عالمه المحيطي. جبران، إمّا أن تحبّه وإما أن لا تحبّه. إمّا أن تقرأه وإما لا تقرأه. لا مجال لأنصاف الحلول بين الخيارين. وإذا اخترت قراءته، فعليك أن تعرف مسبقاً أنك ستعتزل نفسك وتنسى أناك ويصبح جبران بعضاً منك أو تصبح أنت بعضاً من جبران. ولأنّ أمثال جبران لا يغيبون بل يظلّون حاضرين في غيابهم، ولأننا نخلّد ذكرى أدبائنا لا بل يخلّدون ذكراهم، نحتفل هذه السنة بمرور مئة وخمسة وعشرين عاماً على ميلاده. من وحي هذه المناسبة سوف ننشر في آخر يوم جمعة من كلّ شهر، طوال عام 2008، موضوعاً يتناول جانباً من جوانب فكره وفنّه وحياته. نُعلن اليوم عن ستّة منها تصدر بحسب التسلسل التالي: الأم في حياة جبران وإنتاجاته؛ الحب الجبراني؛ جبران بين هاجس الموت والتوق إلى اللامتناهي؛ دين جبران بين المسيحيّة والديانات الشرقيّة والثورة على رجال الدين؛ بين جبران ونيتشه أو الإنسان المتألّه؛ وجبران ثورة اللغة العربية.
ولأن حياة جبران ملازمة لإنتاجه، ولأن العائلة هي المسرح الأوّل الذي تنمو وتتبلور فيه شخصيّة الإنسان، ولأن كاملة رحمه لعبت دوراً مهمّاً وأساسيّاً في بلورة شخصيّة جبران، حريّ بنا أن نبدأ موضوعنا الأوّل بنبذة عن طفولة كاتبنا. نتناول اليوم "الأم والحب الأوديبي في حياة جبران وإنتاجاته"، مستعرضين أهم النساء اللواتي مررن في حياته ولعبن دوراً بارزاً. ثم ننتقل الى دراسة أثر المرأة وصورة الأم في إنتاجاته محاولين الإجابة عن السؤال: إلى أي حدّ بلغ حب جبران الأوديبي؟
يخبر جبران أنه يوم بدأ يكتب الشعر وينال عليه الجوائز، سألته إحدى السيّدات أن يُسمع الحاضرين إحدى قصائده التي لاقت استحساناً. أمّا والده فسخر من شاعريّته. ويقول جبران: "كانت تلك، أول مرة أقرأ فيها لجمهور. لا أستطيع أن أصف فرحي تلك اللحظة. شعرت أنهم جميعاً أحبّوني إلاّ أن والدي نظر إليّ قائلاً: إنني آمل أن لا نستمع إلى هذه البضاعة مرّةً أخرى، إلى هذه الأمراض العقليّة. لقد آذاني كما لم يؤذني إنسان من قبل".
إلى هذا الوالد القاسي كانت كاملة والدة جبران الوجه العطوف الحنون بالنسبة إلى ولدها فهي كانت دائمة الحضور إلى جانبه. هذا ما أدّى بكاتبنا إلى صدمة عاطفيّة ناتجة من فظاظة الأب مع ولده ولّدت في نفس هذا الأخير إحساساً بـ"اليتم الأبوي". فزاد تعلّقاً بأمّه وبعطفها عليه فملأت بحنانها الفجوة المعتّمة في نفسه.
إلى ذلك كان خليل جبران ينهال على زوجته ضرباً وشتائم على مرأى ومسمع من ابنه الذي كان لا يزال عوده طريّاً. نخال الولد في مثل تلك اللحظات مذعوراً، واقفاً في زاوية من زوايا المنزل باكياً، والدموع تبلّل يديه الصغيرتين وأكمام قميصه، عاجزاً عن إنقاذ أمّه من وحشيّة أبيه. في هذا الإطار، يمكن القول مع الدكتور غسّان خالد في كتابه "جبران الفيلسوف" "إنّ بيت جبران لم يكن مسرحاً دافئاً كافي الحكمة والدراية، لأنّه مبتور الوحدة مكسور الجناج". من هنا نشأت نقمة الولد على المجتمع الأبوي بكلّ أشكاله ونزع إلى العزلة والرفض في الإندماج العفوي ببيئته. فكان جبران شاشةً بيضاء كتب عليها آل جبران ما كتبوا.
الأم المتكرّرة
من هي المرأة إذاً في حياة جبران؟ وبأيٍّ من الوجوه تجلّت له ووسوست في ذهنه فتقمّصها الى درجة أن لم تغب البتة عنه ولم تكن يوماً غريبة. أهي حوّاء التي كوّنها الله من ضلع آدم، أم هي المرأة التي سئمت الإنتظار في أقبية الإمكان وامتشقت نفسها من ضلع آدم فخلعت مصاريع الوجود ودلفت إلى كون كان سيبقى مسوّدةً لولا وجودها؟ أهي المرأة المعطاء، الأم، مثال الخصب والحنان والعطف والحياة؟
إذا ألقينا نظرة على حياة جبران مع النساء واستعرضناهنّ، نلاحظ أن جميع هذه العلاقات كانت غريبة، فريدة من نوعها. فالمرأة الأولى في حياته بحسب الدكتور خريستو نجم في كتابه "المرأة في حياة جبران" كانت في العقد الثالث من العمر وكان هو في سنّ الرابعة عشرة. ثمّ كانت له علاقة مع جوزفين بيبودي التي كانت تكبره بست سنوات. أمّا حلا الضاهر فتكبره بعامين، وسلطانة تابت أرملة في الرابعة والعشرين من العمر وهو في السابعة عشرة. وميشلين المعلّمة الفرنسيّة التي تعرّف بها عند ماري هاسكل كانت تكبره ببضعة أشهر، ورغم ذلك فهو كان عندما يذكرها لماري يقول لها: "ميشلين العزيزة المسكينة... ميشلين الحلوة التي هي أمّ صغيرة عزيزة وطفلة صغيرة عزيزة". ولن ننسى أبداً الرسائل التي تبادلها جبران مع الأديبة مي زياده. أمّا العلاقة الأهم والأكثر دلالة فهي علاقته بماري هاسكل التي كانت تكبره بعشر سنين وكان هو في الحادية والعشرين يوم تعرّف بها في معرض للوحاته.
إذا دلّت هذه العلاقات على شيء ما فهي تدلّ على نزعة أوديبيّة سيطرت على حياة جبران وعلاقاته. وظهرت هذه النزعة في أوضح وجوهها في علاقته بماري هاسكل. لا يخفى على قارئ مذكرات هاسكل ورسائل الحب بينها وبين جبران نوع العلاقة التي ربطت بينهما. كان جبران متمسّكاً بماري أكثر من أي شخص آخر في هذه الحياة. فهي أمدّته بالعون المادي والمعنوي. وبقيت حتى آخر أيام حياته ترسل إليه خمسة وسبعين دولاراً أميركيّاً في نهاية كلّ شهر. وكانت ساهرة على حاجاته، لا تضنّ عليه بعطفها وحمايتها وحنانها. أضف إلى ذلك أنها ساعدت جبران فنيّاً وأدبيّاً. فهي التي شجّعته لكتابة مؤلّفاته باللغة الإنكليزيّة وكانت تقرأها جميعها قبل أن يرسلها إلى الناشر. وجبران كان يعترف دائماً بجميلها عليه الى درجة أن طلب منها الزواج ليردّ لها بعضاً ممّا أعطته. ورفضت ماري طلبه آنذاك لأنها كانت تعلم رغبة جبران بأن يبقى عازباً، وخصوصاً أنّه كان يردّد ذلك على مسامعها.
وكان جبران في معظم رسائله يعبّر لها عن حبّه وامتنانه كأن يقول لها على سبيل المثال "أنت تجعلين تفكيري أدفأ وأصفى"، "أنت أم هذا الكتاب" قاصداً به "الأجنحة المتكسّرة"، "لم يكن بوسع أحد أن يكتب (النبي) بدونك أنت". وكانت ماري ملجأ جبران الأمين. ألم يكن يردّد لها "ألف مرّة" "لقد التقيت بك مثل طفل صغير. لقد صرت مثل طفل صغير يلتقي بك"، كما ورد في رسائل الحب بينهما تحت عنوان "نبيّ الحبيب" التي جمّعتها ونسّقتها فيرجينا الحلو؟ باح لها مرّة "في السنة التي فقدت بها أمّي، وجدتك في حياتي". هذه التصريحات العفويّة، الصادقة، النابعة من عمق أعماقه دليل على تعلّقه بأمّه التي أحبّها حبّاً شديداً، بلغ حدّ العبادة الى درجة أنه لم يحتمل خسارتها التي كان وقعها قاسياً عليه فأصيب بجمدة. وتروي جوزفين بيبودي في يوميّاتها إثر وفاة والدة جبران: "الطقس ماطر جدّاً وجبران خليل جبران يقف وسط تلك العاصفة الهوجاء تحت المطر. كان مريضاً طول مدّة غيابي. ولا عجب في ذلك. العجب في أن يكون سالماً. كان يبدو شاحباً برّاقاً وهزيلاُ، وهو يقف عند الباب والمطر يتساقط عليه". كيف لا ووالدة جبران كان لها الدور الأكبر في حياته. لم تكن مجرّد أمّ فقط: "ما عهدت والدتي لنفسي، في أدنى دركات كيانها، أقل من شقيقة، ولا في أعلى درجاته، أقلّ من سيّد. لقد أفهمتني، حتى في سني الثالثة، أن الرابطة بيننا كانت كما هي بين أي اثنين من الناس: رابطة حبّ متبادل - وأننا كائنان منفصلان جمعتهما معاً يد الحياة والشرف". فكاملة رحمه كانت جزءاً لا يتجزّأ من جبران فأحسّ ربّما بموته يوم موتها وكانت له حاجة ملحّة لولادة ثانية من رحم الأم التي تعطي الحياة. فكانت ماري هاسكل موضوع رغبته هذه: "لقد أعطيتني الحياة بمعنى حرفي لأنني أعتقد أنني كنت لأموت لو لم أتمكّن من تحقيق هذا الإنتاج". وتذكر ناهده طويل في كتابها عن "شخصيّة جبران" أنه بقي إلى آخر أيام حياته – وقد أصبح ميسور الحال – يقبل من ماري مساعدتها الماليّة وهداياها الكثيرة لأن الهديّة هي في اللاوعي بمثابة الحب الأمومي، وجبران عبّر مراراً عن شعوره البنوي نحو رعايتها: "لقد كنت دائماً أتمتّع بأطايب مائدتك يا ماري، وكنت دوماً تملأين صحني وكؤوسي. والآن لا أشعر بعد بأنني ضيف محبوب بل بالأحرى بأنني طفل في بيت أمّي". وبقي على هذا الشعور حتى بعد زواج ماري ورغم صداقته لبربرة يونغ. ففي خريف 1928 كتب إلى ماري يحدّثها عن اشتداد وطأة البرد في نيويورك وعن حاجته إلى محبّتها الأموميّة الدافئة: "إن قلب أم وحده يمكن أن يعطيني هذا الدفء وهناك مثل هذا القلب صرت أملكه. فليبارك الله هذا القلب، قلب الأمّ". ولم تكن لتضنّ بعاطفتها الأموميّة بل كانت تدفقها عليه وهذا جليّ في قولها له: "إنّ هاتين اليدين الحلوتين الهشتين، تحبّان يا حملي، أن تسقياك الحليب، وأن تغسلا حوافرك، وأن تعقدا شريطاً جديداً أزرق حول عنقك". وكان جبران يتلذّذ بمثل هذه العاطفة لا بل كان في أمسّ الحاجة إليها. ألم يكن يتوجّه إلى ماري في معظم رسائله إليها قائلاً: "يا أمّ قلبي المحبوبة المحبّة"؟
إذا أردنا الغوص أكثر في علاقتهما نلاحظ أن جبران امتنع عن أي علاقة جنسيّة معها. وإذا اطّلعنا على سيرة حياته نلاحظ أن علاقاته الجنسيّة عموماً كانت ضئيلة ولم تنل حيّزاً مهمّاً من حياته. فهو صرف القسم الأوفر منها لإنتاجه الفني والأدبي معتبراً أنّه يفرغ طاقته الجنسيّة في إنتاجاته. ذلك لأنّه يرى الجنس في كلّ شيء من أشياء هذه الحياة "فالجنس موجود في كلّ شيء: في الروح كما في الجسد"، فيقرن الجنس بالخلق الفكري مميّزاً بين الجنس والجسد. ويعترف جبران بـ"أن أكثر المخلوقات شعوراً بالدافع الجنسي في الأرض هم الخلاّقون... الشعراء والنحاتون والرسامون والموسيقيون... أمّا أنا فلست أعرف شيئاً يخلو من الدافع الجنسي". هذا الدافع لا يبلغ ذروته في المفهوم الجبراني في جسد امرأة بل يتسامى إلى الإنتاج الفكري الإبداعي. يمكن أن نستخلص من هذا أن جبران لم يكن يرى في المرأة مجرّد وسيلة لإشباع رغباته وملذّاته بل كانت في حياته أكثر قداسة من أن تمسّ، كانت أيقونة. فالحب عند جبران يتجلّى في الروح "والحبّ إن قادت الأجسام موكبه/ إلى فراش من الأغراض ينتحر/ والحب في الروح لا في الجسم نعرفه/ كالخمر للوحي لا للسكر تنعصر". علاقة جبران بالمرأة لا تشترط إذاً لقاء الجسد الحسي قدر ما تقوم على تفاهم روحيّ.
يبقى سؤال مهمّ: لِمَ امتنع جبران عن الزواج؟ نجيب بأن الزواج مؤسسة أبويّة صغيرة تطغى فيها صورة الأب الذي رفضها جبران منذ نعومته. فلم ير في الزواج سوى سوء معاملة للمرأة وانسحاق لها. من هنا أيضاً نستطيع أن نفهم رفض جبران لأي شكل من أشكال المجتمعات الأبويّة.
وإذا أبحرنا مع جبران في مسيرته الأدبية والفنيّة نلاحظ أنّه يتقمّص المرأة فيقول على لسان وردة الهاني في "عرائس المروج": "هؤلاء البشر الذين يجيئون من الأبديّة ويعودون إليها قبل أن يذوقوا طعم الحياة الحقيقيّة لا يمكنهم أن يدركوا كنه أوجاع المرأة عندما تقف نفسها بين رجل تحبّه بإرادة السماء ورجل تلتصق به بشريعة الأرض. هي مأساة أليمة مكتوبة بدماء الأنثى ودموعها يقرأها الرجل ضاحكاً لأنّه لا يفهمها، وإن فهمها انقلب ضحكه فجوراً وقساوة وأنزل على رأس المرأة من غضبه ناراً وكبريتاً، وملأ أذنيها لعناً وتجديفاً". لنتوقّف هنا قليلاً. أليس الرجل المحبوب في لا وعي جبران هو عبد السلام رحمه زوج والدته الأول الذي فقدته ولم تتمكّن من العيش بقربه واضطرّت إلى المعاناة مع رجل آخر لا يفهمها ولا يفهم معاناتها؟ ألا تذكّرنا اللعنات هنا والتجديف بطفولة جبران الذي كان يسمع لعنات أبيه وتجديفه وشتائمه تنهال كالمطر على أمّه المسكينة فلازمه هذا الألم، فالتزم قضيّة المرأة ودافع عنها وصوّر آلامها بكلّ ما في قلبه من حبّ لأمّه وتعاطف مع آلامها التي صمتت عنها فنطق بها الصبي على طريقته؟ وتكمل وردة الهاني قائلة: "هو نزاع مخيف قد ابتدأ منذ ظهور الضعف في المرأة والقوة في الرجل، ولا ينقضي حتى تنقضي أيام عبوديّة الضعف للقوّة (...) لكنني وقفت ونزعت عني جبانة بنات جنسي وحللت جناحي من رُبط الضعف والإستسلام وطرت في فضاء الحبّ والحريّة...". مشهدٌ يذكّرنا أيضاً بالعائلة الجبرانيّة، يظهر من خلاله رفض جبران لواقع والدته الأليم التي عاشت أسيرة استبداد خليل جبران، مستضعفة منه. ربما تصويره لهذا الواقع محاولة للخروج منه. فوردة الهاني، حققت رغبة جبران في أن يرى أمّه محرّرة من قيودها ومن سلاسل تعذيب زوجها لها. يرفض جبران ضعف المرأة رفضه لضعف أمّه التي دفنت حيّة في منزل والده ويعبّر عن ذلك على لسان وردة: "هي قبور مكلّسة يتوارى فيها مكر المرأة الضعيفة...".
الأم إلإلهة
أحبّ جبران أمّه التي ذهبت إلى بلادٍ بعيدة لكنّ صورتها ظلّت تحيا في جميع مظاهر الطبيعة والحياة. لذا كان دائم الحنين إلى العودة إلى رحمها عارياً "إخلعوا هذه الأثواب ودلوني عارياً إلى قلب الأرض. مددوني ببطء وهدوء على صدر أمّي". ففي لوحة "الأمومة التصاعديّة" نرى الأمومة احتضانيّة، غاية مثاليّة لأمومة قريبة تنطوي في ذاتها على نواة من تلك الأمومة الكونيّة. في هذا الرابط الداخلي نجد معنى علاقة الطفل القوي، المشرق بلون النار، وتحتضنه الأم الكونيّة ولكنّه يرقى إليها بالأم الوسيطة كما يحلّل وهيب كيروز.
ظهرت نزعة جبران الأوديبيّة في "النبي": "أمّا أنت أيها البحر العظيم، أيها الأم الهاجعة. أنت أيها البحر العظيم الذي فيك وحدك يجد النهر والجدول سلامهما وحريتهما. فاعلم أن هذا الجدول لن يدور إلاّ دورة واحدة بعد، ولن يسمع أحد خريره على هذا المعبر بعد اليوم، وحينئذ آتي إليك، نقطة طليقة في أوقيانوس طليق". المغامرة البحريّة التي يخوضها النبي ذات معان ودلالات في علم النفس. هنا يبدو هوام العودة إلى صدر الأمّ وإلى رحمها. ويعود "النبي" الذي عبّر من خلاله جبران عن ذاته وعن رغباته إلى صدرها، "فقد وصل الجدول إلى البحر، وأتيح للأم العظيمة أن تضمّ ابنها إلى صدرها مرّة ثانية"، وذلك بعدما كان في نفسه "شوق عظيم". فقد حقّق المصطفى رغبة جبراننا.
ولا بد للغائص في محيط الإنتاجات الجبرانيّة، أدبيّة أكانت أم فنيّة، من أن يجد الكثير من وجه الأمّ. فإذا تأمّلنا صورة كاملة رحمة نرى فيها نوعاً من التعالي وإكليلاً من الأثير ينوّر وجهها الذي رأى فيه جبران منذ طفولته الأولى الطهارة والحب. في أحد الأيام، كان جبران وماري هاسكل يسيران في الشارع فرأيا قطّة بيضاء ميتةً. وأخذا حينذاك يتحدّثان "عمّا يتجلّى على أوجه الناس من مسحة إلهيّة وهم أموات. وتكلّم جبران عن وجه أمّه: "كانت والدتي أعجب كائن عرفته في حياتي – بوسعي رؤية وجهها الآن على غاية الدقّة... وبعد لفظها أنفاسها امتلأ وجهها من جديد واستعاد لونه الطبيعي، ولم أرَ في حياتي سمة إلهيّة كالسمة المجيدة التي تجلّت على ذلك الوجه!".
صورة والدته كانت مقدّسة، أثيريّة، ملائكيّة. إذا انعمنا النظر في وجهها وفي وجوه النساء اللواتي رسمهنّ جبران، نلاحظ ملامح كاملة رحمه في كلّ وجه. ونشير إلى أن جبران لم يرسم أيّ صورة لوالده ولا لأخيه بطرس لأنّ هذا الأخير لعب دور الأب حين كان كاتبنا في أميركا مع أمّه وأخواته فكان يعمل ويقوم بتأمين حاجات العائلة الماديّة. أضف إلى ذلك أن النساء العاريات في لوحاته لا يحرّكن مشاعر الرجل الجنسيّة. بل هذا العري هو عودة إلى الطبيعة، إلى الحياة التي هي في جوهرها أمّ. وتجدر الملاحظة إلى أن نزعة جبران الأوديبيّة تعدّت إنتاجاته الفنيّة والأدبيّة إلى نظرته إلى الله. يروي ميخائيل نعيمه في كتابه أن جبران رفع المرأة إلى "عرش الله". ففي أحد أحاديثه مع ماري هاسكل يقول جبران: "أكثر الأديان يتكلّم عن الله بصيغة المذكّر. وعندي أن الله أمّ مثلما هو أب. بل هو أبٌ وأمٌّ معاً. والمرأة في نظري هي مثال الله الأم. قد يُدرَك الله الأب بالعقل أو بالخيال. أمّا السبيل إلى الله الأمّ فهو الحبّ. والحبّ هو الخمر التي تعصرها الآلهة من قلوبها لتسكبها في قلوب الناس. وليس يشربها صافية إلاّ الذين صفت قلوبهم من كلّ أدران الشهوات الحيوانيّة. هؤلاء إذا ما ثملوا بالحبّ ثملوا بالله". ليس غريباً أن نسمع مثل هذا الكلام من جبران الذي ثمل بحبّ أمّه. وبما أنّ الأب أيضاً لا يستغنى عنه في هذه الحياة فقد بحث عن صورة الأب الحنون، العطوف، المحبّ، نقيض صورة خليل جبران فكان هذا الأب هو الله الذي لا يخلو من صفات الأمومة والأنوثة. ففي جوهر أبوّة الله أمومة تجعل منه العين الساهرة على أبنائه التي لا تدرك بالعقل بل بالحبّ. والحبّ خمرة إلهيّة لا يمكننا اختبارها إلاّ إذا تحرّرنا من الجسد وشهواته ومن الملذّات الحسيّة. ومن يرمز إلى حبّ الروح المتعالي على الشهوات أكثر من الأمّ؟
يبقى السؤال إلى أي حدّ بلغ حب جبران الأوديبي؟ للوهلة الأولى يبدو الجواب عسيراً وخصوصاً عندما نستنتج أن جبران عشق أمّه إلى حدّ التماهي بها، فحمل في داخله بعضاً من الأنوثة التي تجلّت في هوام الحمل الذي سيطر عليه: "أنا المرأة الحامل: ليس لي إلاّ أن أضع بين أيدي الحياة ما أحمله في أحشائي". تروي ماري هاسكل في مذكّراتها أنّه قال "إنّ شيئاً عظيماً كامن فيّ، ولا أستطيع إخراجه! إنّه "ذات عظمى" وصامتة، جالسة ترقب أناي الأصغر المنهمكة في جميع أنواع الأشياء. ويتراءى لي أنّ جميع أعمالي هي كاذبة، فهي لا تعبّر عمّا أريد التعبير عنه. إنّي أعي دوماً أن ولادة ما آخذة في الحدوث. إنّها كطفل يحاول طوال أعوام أن يبصر النور ولا يستطيع أن يبصر النور. إنّك دائماً تنتظر ودائماً تقاسي آلام المخاض. ومع ذلك فلا ولادة. لكن إذا متّ قبل أن أعطي إلى النور "مولودي هذا"، فلن أنفك عن الرجوع إلى هذه الدنيا حتى تتمّ ولادته...". وتفسّر ناهدة طويل فرزلي ذلك قائلة: "إن هوام الحمل قد يعبّر عن نزعة أنثويّة، وخاصّة أن جبران تشبث بصورة أمّه وقدّس الأم والأمومة". يقول في رسالة إلى ماري هاسكل عام 1915: "فخري بنا، أنت وأنا، أن نتطلع إلى الأمس كما يتطلّع إنسان إلى كآبة وجه أمّه التي بالعذاب حملته وبالعذاب أنجبته إلى الحياة".
الأم الكاملة
نرى عند جبران نزعة طبيعيّة في الإنسان وهي النزعة الخنثويّة أو الأندروجينيّة. كلّ إنسان منّا يحمل في داخله رجلاً جبّاراً قويّاً والمرأة الحنون العطوف. ولكن، وبحسب جنسنا، تظلّ إحدى النزعتين مختبئة في أقبية الإمكان. لكنّها تتفجّرعند البعض وتنبثق فتظهر بحلل مختلفة. عاش جبران هذه النزعة في فنّه وأدبه اللذين رأيا النور بعد آلام المخاض. حبل جبران بالفنّ والأدب. إنّه ككلّ فنّان بل كالخالق يحمل في داخله شيئاً من الأنوثة.
إلى أي حدّ بلغ حب جبران الأوديبي؟ نجيب مذكّرين بقول جبران بأنّه يريد المرأة "نصف بياتريس ونصف فرنشيسكا". بياتريس هي المرأة التي أحبّها دانتي حبّا روحيّاً وألّهها في "الكوميديا الإلهيّة". وفرنشيسكا أيضاً بطلة "الكوميديا الإلهيّة" لكنّها تمثّل المرأة التي تعشق الحياة والحبّ.
فبياتريس إذاً تمثّل المرأة الإلهة في نظر جبران. إنها المرأة الملائكيّة الأثيريّة معشوقة الروح. فيها صورة كاملة رحمة وماري هاسكل. أمّا فرنشيسكا فتمثّل حبّ الجسد، حبّ الشهوة، حب اللذة. إنّها المرأة الشهوانيّة. ولعلّنا في هذه العبارة نقرأ رغبة جبران في التحرّر نوعاً ما من صورة الأم التي يشعر بالذنب إذا ما اقترن أو حاول الإقتران بها. فرنشيسكا تلغي الشعور بالذنب لأنها صورة المرأة العاشقة، الهائمة، المرأة الحسيّة. فإلى جانب صورة الأم التي سيطرت عليه كان جبران بحاجة إلى امرأة يرى فيها الصورة النقيضة أو بالحري الصورة المكمّلة. أليست في الحقيقة كلّ امرأة بعضاً من بياتريس وبعضاً من فرنشيسكا؟
في لاوعيه كان جبران أسير صورة الأم. وفي لاوعيه أيضاً أراد التحرّر من صورة الأم. أليس هو القائل على لسان يسوع، قرينه "إنني حقا أريد الراحة. ولكن ليس تحت السقوف فاسمحوا لي أن أنام الليلة تحت مظلّة الدوالي والنجوم"؟ نقرأ في قوله هذا رغبة بالتخلّص من قيوده الأوديبيّة التي أثقلته منذ صباه. فالتحرّر من البيت هو التحرّر من المرأة الأم التي تحضن أبناءها وتظلّلهم بجناحيها.
في النهاية يسعنا القول إن حب جبران الأوديبي لم يبلغ حدّ المرض بل حدّ الإبداع إذ فجّر جبران عالماً من العوالم الشاسعة المنطوية في كلّ منّا، الدفينة في أعماق أعماقنا. في خبايا أنفسنا حبّ أوديبي يرافقنا حتّى آخر أيّام حياتنا، يتجلّى في حلل ومظاهر مختلفة.
وتبقى المرأة الأم، المرأة الرمز، عنوان إبداع جبران خليل جبران. تقمّص جبران المرأة وكتب بها لا بل هي أمسكت بريشته لتكتب نفسها. جبران مهووس بالمرأة، مسكون بها، مدين لها كما قال يوماً لماري هاسكل "أنا مديون بكلّ ما هو أنا إلى المرأة، مذ كنت طفلاً حتى الساعة، المرأة الأم، والمرأة الأخت، والمرأة الصديقة... والمرأة تفتح النوافذ في بصري والأبواب في روحي".
المصدر: جريدة النهار
.
.
الخميس, 31 يناير, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.











