وفي البداية لابد من الاشارة الى كتاب ”الوجودية“ وهو من تأليف جون ماكوري وترجمة الدكتور فؤاد زكريا والصادر في سلسلة عالم المعرفة/ الكويت والذي يحتوي على خمسة عشر فصلا تتناول الوجودية بمذاهبها المختلفة والكتاب الاخر هو ”المذاهب الوجودية، من كير كيجارد الى سارتر“ وهذا الكتاب هو من تاليف ريجيس جوليفيه ومن ترجمة فؤاد كامل ومراجعة د. عبدالهادي ابو ريدة ومن اصدار الدار المصرية للتاليف والنشر والترجمة.
الفلسفة الوجودية هي بلا شك احدى الفلسفات المهمة التي ارتبطت بشكل فعال بأزمة الانسان المعاصر في مواجهته للقوى القهرية المتمثلة بالضياع الكوني الذي يتلاشى امامه الانسان وتتشتت قناعاته بين صفحاته اللامتناهية ليغدو خطابه محض ضجيج غير مفهوم وتصبح قناعاته غير مستقرة في عوالم تحوله الى رقم مجهول، وهنا يبدأ احتجاجه الذي يذكرنا باعتراض الفيلسوف ”سورين كيركيجارد“ على فلسفة هيجل المطلقة حين صرخ باعلى صوته ليوصل احتجاجه حين قال”انا لست رقما في فلسفتك المطلقة “ ويكاد هذا يكون احدى نقاط انطلاق الفلسفة الوجودية التي تتخذ من الذات محورا لها واحد ركائزها الاساسية والمهمة جدا.
وبالرغم من ان الكتاب ليس من الكتب ذات الاصدار الحديث الا انه غني بالمعلومات المهمة جدا حول هذه الفلسفة التي ارتبطت بشكل وثيق بالادب وخصوصا في القرن العشرين ولاسيما ارتباطها بالفلاسفة ”جان بول سارتر البير كامي، نيتشه، ميرلوبونتي.. وغيرهم“ ولأجل توضيح الكثير من الالتباسات الفكرية والفلسفية التي التصقت بهذه الفلسفة التي تدعو ضمنا الى الحرية باعتبارها اقترانا للوجود وتماسا معه تقتضيه هذه المسحة العدمية المتداخلة في بنية الوجود نفسه، وهنا نصل الى المدخل الاساسي لهذه الفلسفة، ولاشك ان تاثيرها واضح على حركة الفكر العربي من خلال الترجمات الكثيرة لاعمال فلاسفتها وخصوصا في لبنان وتحديدا”بدار الادب “ ومجلة الاداب التي كانت تتابع الفلسفة الوجودية باكثر من مقالة شهريا.
ويبدأ المؤلف بمقدمة يستعرض فيها الفلسفة الوجودية، والاشكاليات التي اقترنت بها ومحاولة الكثير من فلاسفتها الى تأسيس علم للوجود”انطولوجيا “، او ربما انطلوجيا ظواهرية وعلاقتها بأسبقية الوجود على الماهية هذه المشكلة الاساسية التي اقترنت بالوجودية وميزتها عن غيرها، ثم يحاول المؤلف ان يعطي تعريفا للفلسفة الوجودية ويقرر بانها”هي جملة المذاهب التي ترى ان موضوع الفلسفة هو تحليل الوجود العيني ووصفه من ناحية ان هذا الوجود فعل حرية تتكون وتؤكد نفسها وليس لها منشأ او اساس سوى هذا التأكيد للذات “.
ويستعرض كذلك الوجودية المسيحية، وموقفها من مشكلة اسبقية الوجود على الماهية وفي الفصل الاول من الكتاب يناقش المؤلف منابع الوجودية وخصوصا عند الفيلسوف الدنماركي”سورين كيركيجارد “ باعتباره الاب الروحي لها وواضع اسسها والكثير من اطروحاتها المهمة، وعبر مناقشته لمفهوم الوعي واتحاده بالوجود والنزعة العقلية الديكارتية ومعارضة كيركيجارد لها بمقولته الشهيرة”انا افكر فانا اذن غير موجود “ والتي ناقض بها”الكوجيتو الديكارتي “ وكذلك معارضته لفلسفة هيجل المطلقة، ثم يوضح المؤلف تأثير المسيحية وخاصة المسيحية المشبعة بمذهب لوثر على فلسفة كيركيجارد، ثم يتناول المؤلف احوال الوجود الانساني، حيث يعتبر العاطفة هي اكمل تعبير عن الوجود ويقرر كذلك بان الاختيار هو سمة الوجود الخاصة والوجود هو ان نختار وما على الانسان الا ان يختار نفسه، ثم يقرر بان الوجود يسبق الماهية، وما الفرد الا خالق الماهية الخاصة وهو موجود بقدر ما يحقق هذه الماهية، وكذلك يوضح علاقة الوجود بالمتعالي والمطلق وان الذاتية كلما أمعنت بالتعمق تحس بقربها من المطلق، ثم يناقش علاقة اليأس بالقلق وبالوجود الحقيقي، وان اليأس الحقيقي هو صفة الوجود الذي بلغ ذروة من الانفعال الوجودي وان القلق يرتبط بالامكان وبالحرية، وهو يكشف للموجود عن وجوده، ثم يقرر بان الفلسفة الوجودية تلزم دائما من ابتداء الفرد الذي هو الشيء المتعين نفسه في امتلائه الانطولوجي وهنا يقرر المؤلف بان الفلاسفة الذين ارتبطوا بالوجود كانوا يسعون الى فلسفة ذات”حقيقة حية “ تقربهم من الوجود الحقيقي وتصبح فلسفة عينية على حد تعبير”جبرييل مارسيل“.
في الفصل الثاني من الكتاب يستعرض المؤلف فلسفة نيتشه ويبين النقاط الجوهرية التي كان بها نيتشه يبدو مبشرا بالوجودية، ويقرر نيتشه بانه كان يكتب كتبه بدمه، ويتوصل الى حقيقة هو ان ”الانسان النظري“ الذي تمنى ان يكونه نيتشه ايام شبابه هو نفسه انسان كيركيجارد الذي تمنى ان يكونه ايام حماسه الهيجلي وهنا نصل الى حقيقة مهمة وهي ان الفلسفة لايمكن ان تكون فكرا ولا يمكن ان تتشكل الا داخل مفهومي ”الهم “ و”القلق “ ويستعرض فلسفة مارتن هيدجر الوجودية وكذلك علم الظاهريات.
ويستعرض مفهوم ”الانية “ وتحليله الاساسي لها في فلسفة هيدجر ومفهوم”الوجود في العالم “ باعتباره وجودا مع الناس، ويشير الى كتاب”ما الميتافيزيقيا؟ “ لمؤلفه مارتن هيدجر والصادر في فرانكفورت عام 1930 وفيه يتناول هيدجر ظاهرة القلق والذي يعتبر تكملة للتحليل الوارد في كتابه الاساسي ”الوجود والزمان“، ويثير السؤال الاساسي في كتاب”ما الميتافيزيقيا؟ “ والذي هو”لماذا كان ثمة وجود ولم يكن عدم؟ “ ثم يناقش المؤلف العلاقة بين العقل والاشياء وكذلك العلاقة بين الوجود المثالي المتصور والوجود المتعين في واقعه الانطولوجي وكذلك الكشف عن الموجود المتعين ذاته، ثم يناقش حقيقة اللوغوس ومفهوم التجلي وارتفاع الحجب عن الحقيقة والوصول الى ماهيتها والوصول الى الانية وتوزعها بين الوجود الحقيقي والوجود الزائف ويقرر هنا بأن الانية هي وجود للهم والهم مقترن بها باعتبار ان الوجود هو”وجود - للموت “، ثم يناقش مفهوم الوجود الاصيل والزمانية ويقرر بأن الوجودية باعتبارها مكونه للهم هي التي تمدنا بالمعنى الانطولوجي لانية الانية، ثم يناقش العلاقة بين الزمانية والتاريخية، ويأخذ المؤلف مقولة مهمة من الفيلسوف باسكال هو ان ”الناس لكي يعيشوا سعداء قرروا ان لايعالجوا الموت والجهل والبؤس وان يفكروا بها مطلقا“ ويقرر المؤلف نقلا عن هيدجر ان ليس ثمة وجود الا بالنسبة للانسان، والانسان فان في جوهره، ثم يناقش مفهوم ”العلو“ باعتبار ان الواقع يرتبط بشكل جدلي بالهم من جهة وبالانية من جهة اخرى وهذا يشكل جوهر مفهوم ”العلو“ وعلاقته بالوجود ثم يناقش فلسفة جان بول سارتر من خلال كتابة الشهير ”الوجود والعدم“ باعتباره محاولة في الانطولوجيا الظاهراتية ومدى تأثر سارتر بكتاب هوسرل ”تأملات ديكارتية“ وكذلك يناقش مفهوم”الغثيان “ من خلال كتابه الذي حمل نفس العنوان والذي يقرر في مقدمته بان”كل موجود يوجد بلا سبب، ويحيا عن ضعف، ويموت بالمصادفة “ ويرى سارتر كذلك بان لتجربة”الغثيان “ قيمة ميتافيزيقية، فهي تكشف لنا عن صميم الوجود وتتيح لنا رؤية جديدة لعالم الانسان والاشياء، وليس الغثيان سوى هذا الشعور بالاختناق الذي يسببه ذلك الوجود ثم يقرر بان الغثيان يكشف لنا القلق الذي بدوره يكشف الفرد لذاته باعتباره شعورا وبهذا يحصل على قناعة ان ثمة لعبا في الوجود، وان العدم يطارد كينونة الوجود، ثم يناقش المؤلف مفهوم ”الوجود في ذاته“ واصل العدم عند جان بول سارتر ويقرر بان الانطولوجيا السارترية كما هي عند ”بارمنديس“ تصب في النزعة المادية الخالصة، ثم يصل الى مفهوم ”الوجود لذاته“ من خلال الشعور المدرك لذاته ويقرر المؤلف هنا بان ”الوجود لذاته هو عبارة عن حضور الشعور في العالم“، ومن خلال الحدس يستطيع ”الوجود لذاته“ الحضور في واقعه العيني ازاء الشعور والذي يكون هنا على صلة بمفهوم الحرية، والذي يفرضها نوع من الزمانية تتسم ”بالعلو“ وكذلك من خلال وجود ”الغير“ باعتباره حرية اخرى، وهنا يكون”الوجود لذاته “ ازاء حرية اخرى تجعله في موقف وهذا جزء من فلسفة سارتر وخصوصا في مؤلفه الشهير”مواقف “ والذي صدر في ستة اجزاء وهي مقالات متفرقة نشرها في مجلة”الازمنة الحديثة “ والذي كان يشرف على اصدارها، وكذلك يصل الى ان مفهوم”الحرية “ عند سارتر هو اختيار الانسان لذاته وجعل العواطف لا تملك سيطرة على الارادة، ويقرر هنا سارتر بان”الانسان يوجد في موقف تدخله فيه حريته الخاصة، وكذلك يشارك في العبث الكلي للوجود “ وهنا نصل الى ان الانسان يحمل على كتفيه عبأ العالم كله، وكذلك يبين لنا المؤلف بعض اطروحات سارتر حول الكائن الملقى في الوجود وحماسته التي لا فائدة منها.
وفي الفصل الثاني يناقش المؤلف فلسفة جبرييل مارسيل وكارل يسبرز باعتبارهما القطب الثاني في الفلسفة الوجودية مقابل القطب الاول الذي يشكله ”هيدجر وسارتر“، حيث يناقش المؤلف كتاب ”فلسفة“ وهو من تاليف جبرييل مارسيل ويقع في ثلاثة اجزاء، الجزء الاول تحت عنوان ”الكشف الفلسفي للعالم“، والجزء الثاني بعنوان ”ايضاح الوجود“، والجزء الثالث بعنوان ”ميتافيزيقيا“، وعبر مناقشته لمفهوم ”الاتصال بالغير“ ومفهوم ”التاريخية“ والحرية والعلو والاخفاق والشفرة يتوصل الى ان جبرييل مارسيل بفلسفته الوجودية يحاول ان يؤسس لفلسفة خارج منحى التفلسف لغرض عدم الخوض في الوجود العيني باعتباره اسقاطا وتجسيدا لفلسفة نظرية تحاول ان تبعد الوجود عن ذاته.
ثم يناقش مفهوم ”الفلسفة الحقة“ والوجود المتجسد باعتبارهما نقطة مشتركة في فلسفة جبرييل مارسيل وكارل يسبرز، ثم يناقش مفهوم ”السر الانطولوجي“ وخصوصا في كتاب ”الانسان الجوال“ لجبرييل مارسيل، ثم يناقش الوجود الفردي والفرد في تجسيد وجوده وتأثير ”توما الاكويني“ على كلا الفيلسوفين وذلك في محاولة من المؤلف لتبيان مرجعياتهم المسيحية.
وفي”خاتمة “ الكتاب يحاول ان يضع قاسما مشتركا بين الفلاسفة الوجودين هو ان ”الصدق الكامل للعملية الفينومينولوجية في وصف مواقف الوجود العينية وتحليليها“ ويقرر في خاتمة الكتاب ايضا بان مفهوم ”الانسان المسيحي“ عند كيركيجارد، و ”الانسان الاعلى“ عند نيتشة، و”الانسان القلق“ عند هيدجر، و”الانسان الغثيان“ عند سارتر، و”الانسان العبثي“ عند كامي، و”الانسان اليائس “ عند باتاي حيث يتجلى في ”انسان الامل“ عند جبرييل مارسيل و”انسان الوضوح “ عند كارل ياسبرز في مفاهيمه الغامضة والتي يأخذها عن القديس توما الاكويني عندما يتمنى ان يكون اكثر غموضا من الغموض نفسه. وهناك ملحق في الكتاب تحت عنوان ”علم الظواهر“ هو عبارة عن مناقشة لمفهوم التوقف الفينومينولوجي عند ”ادموند هوسرل“ حيث يناقش الظاهراتية ومفهوم ”الاختزال الماهوي “ وكذلك علاقة الماهية بالوجود، ومن خلال وجهة النظر الوجودية يتوصل المؤلف الى ان حقيقة الادراك الحسي له علاقة بالظاهراتية وخصوصا عند الفيلسوف ”موريس مورلوبونتي“ وفي الختام لابد من الاشارة الى عدم الاحاطة بفلسفة البيركامي والذي سوف يكون لنا مقالة عنها في وقت اخر عبر استعراض”الفلسفة الوجودية والادب “ وهنا تبدو الاهمية الكبيرة لهذا الكتاب الذي يعتبر موسوعة فلسفية مختصرة للفلسفة الوجودية.
من جهة سرعة النجاح اولا، لم يكن سارتر حتى مطلع الثلاثينات سوى متفلسف مغمور، لا يتخطى عالمه باقة صغيرة من افراد تتحلق في مقاهي الحي الاتيني، غير واجدة ما تغري به او مايغرى بها بين الخيارات الفلسفية وشبه الفلسفية الجاهزة التي كانت تتقاطع في الثقافة الفرنسية والعالمية آنذاك من ماركسية الى برجسونية ومن صوفية الى فوضوية. وهكذا، ففي ظلال تلك الخيارات، ومن فكرة ضد هذا او ذاك وفكرة من ذاك وهذا، اسست هذه الجماعة، متمحورة حول سارتر، مناخا خاصا بها ذا نكهة وجاذبية لا تنقصهما الاصالة والترف. ثم فجأة، وبموازاة تقدم ذلك العقد الثلاثيني نحو احتضاره، راح هذا العالم الصغير يتكشف عن تيار فلسفي لا يقل قوة واغراء عن الكبار، محققا فتوحات عمودية وافقية في الحياة الفكرية والفنية وحتى العامة في فرنسا من غير جيوش ولا مؤسسات ومن دون التلويح بمشروع أو بأمل. هذا الامتداد الذي ادهش حتى سارتر نفسه، لم يلبث، بعد الحرب العالمية الثانية، ان وجد اصداء له خارج فرنسا هذه المرة وفي بلدان غربية وغير غربية بما فيها بعض البلدان العربية. ففي العديد من عواصم هذه الاخيرة بالفعل، بدت السارترية اغراء ملموسا لدى كم من الشباب المثقف.ففي بيروت ظهرت لها مؤسسات التسويق ووكالات الترويج الضرورية التي راحت تقصف السوق بالجيد وخصوصا بالغث من النصوص الوجودية او التي تزعم ذلك. وفي بغداد ـ نتذكرـ كان للوجودية مريدون يدهشونك بمثابرتهم على التهام نصوصها المتوفرة، كما يعجبونك بروحيتهم نصف المرحة-نصف القلقة في الوسط الادبي والفني البغدادي الخانق بجديته والمضجر بتقليدية حتى المبشرين بالتمرد من اعضائه. وبفضل اولئك الوجوديين تحول ذلك الوسط من حالته الاولى كنوع من الارستقراطية البدوية المتعثمنة الى حالة جديدة اكثر مدينية بمعنى اكثر حيوية وتناقضا. ومشهورة حتى شعبيا "مقهى الوجوديين" في الباب الشرقي حيث لا يحتسي أحدهم جرعة الشاي إلا متدافعة مع مفردات "العبث" و "العدم" و "الحرية" و "الالتزام" وغيرها من مفاهيم كانوا يرددونها بمناسبة وغالبا بغير مناسبة… كل هذا هاجر وكما الحلم من كل مكان. وها هي السارترية تغط في غياهب النسيان،وكأنما منذ عصور بعيدة، عندما جاءت اجهزة الاخبار تذكرنا قبل ايام، وبنبرة غير احتفالية، بمرور عشر سنوات على موت سارتر. فعشر سنوات فقط، يوما بيوم، كانت كافية لتحويل الفلسفة الوجودية الى ما يشبه الآثار الرومانية. كيف نفسر تراجيديا السارترية هذه؟ وكيف نفهم انعدام، بعد موت سارتر، من يتعهدها بالرعاية لا بين المؤسسات ولا بين النخب ولا حتى بين الافراد؟ ثم كيف نعلل مغادرتها مسرح الوجود كما لو كانت كرة هائلة من رغو؟ كرة هائلة من رغو فعلا، يجب ان يجيب الكثيرون بين الماركسيين. فبالنسبة لهم ليست السارترية بفلسفة الا ظاهريا، انما هي مجرد "صرعة" من الصرعات الدورية التي يحبل بها النظام البضاعي الرأسمالي في سعيه الدؤوب لمحاربة الفلسفة الماركسية، والتي يوفر لها سبل الازدهار والانتشار ويضخم من مشروعيتها واصالتها مستفيدا، في حالة الوجودية، من الحيوية الادبية وثراء الشخصية المجتمعين في سارتر الفرد. بيد ان هذا التفسير المنطقي ظاهريا، سرعان ما يكشف عن اصفراره لتبسيطيته اولا ولجاهزيته ثانيا ولجهل هؤلاء، المطبق عموما، بالسارترية. ويزداد هذا الاصفرار يقينا عندما تعرف بان هذا الموقف مؤسس على اسس ايديولوجية، وبالتالي دوغمائية، وان الماركسيين الفرنسيين هم صاحب الحق باختراعه وعنهم جرت ترجمته حرفيا الى كافة الثقافات الاخرى. لكنه ايديولوجي ودوغمائي ايضا التفسير المضاد الذي يقدمه المثقفون المدافعون عن النظام "الليبرالي" حول نفس الموضوع. فالوجودية السارترية بالنسبة لهم ليست بفلسفة انما هي مجرد "فورة فكرية" او "ردة فعل مشروعة" جاءت أساسا لتعبر عن نزوع "الذات الانسانية" نحو الحرية في لحظة كانت هذه بمواجهة الاخطار التي يمثلها عليها نموذج الجدولة النموذجي ويقصدون به الستاليني. وما عدا ذلك فهي بنظرهم لملومة من الافكار الظاهراتية والفرويدية والهيغلية والماركسية، نسقت ببعض الاصالة والعبقرية. ولا يتردد البعض من التأكيد بان سارتر ظل ماركسيا في الجوهر كما يدل على ذلك منظوره المادي في تفسير التاريخ ومواقفه السياسية االتي بدأها بتأييد الستالينية وانهاها بتأييد المادية… وهكذا، فاذا كان الماركسيون يعتبرون الوجودية السارترية "افرازا من افرازات الرأسمالية"و كان المثقفون الراسماليون يعتبرونها "افرازا من افرازات الماركسية". لكن هذا التناقض الشكلي بين الموقفين يخفي تطابقا جوهريا بن مضمونهما ونقصد به الميل الى نبذ كل ما هو لا ايديولوجي. والسارترية تتميز اكثر ما تتميز بكونها ليست بايديولوجيا بل بكونها ضد-ايديولوجيا، اي فلسفة. لكن هل يمكن اعتبارها فلسفة فعلا كما يرى البعض، ام انها مجرد ادب يتقمص الفلسفة كما يرى كثيرون؟ ان المشكلة التي يثيرها هذا السؤال هي مشكلة وهمية تشبه تماما المشكلة البيزنطية حول الاسبقية بين البيضة والدجاجة. فما دام التعريف الموحد للفلسفة معدوما لا يمكن حل هذه المشكلة نهائيا لحسن الحظ. بلا شك ان الاكاديمين يتفقون جميعا تقريبا، حتى في فرنسا الى حد ما، على رفض اعتبار سارتر فيلسوفا بالمعنى التام كما يرفضون تسمية منظوره بالفلسفة. لكن متى كان الاكاديميون على حق حتى نقبل بفرمانهم في هذا المجال والذي ينكوي على الكثير من الغيرة والشكلية؟ فالماركسية وقبلها الهيغلية ظلتا لفترات طويلة لا تؤخذان كفلسفة من لدن هذه الاوساط التي لا تحتمل منظر كل من يخرج عليها وعلى اجوائها الميتافيزيقية الشرسة ومفاهيمها الباردة كالمومياءات. وسارتر-كما في القرن الماضي ماركس-هو المفكر الكبير الوحيد في القرن العشرين الذي خرج على هذه الاجواء. اما برأينا، فالسارترية هي فلسفة بلا شك شريطة ان نتعامل معها في الهواء الطلق. فقط في الهواء الطلق حيث لا نشعر باننا مقيدون بقيد، اي قيد، نستطيع تلمس اصالتها كفلسفة ونستطيع استجلاء مكوناتها التي تندرج ضمنها، وتتبرر، حتى التناقضات والفضائح التي ارتكبها سارتر وهي كثيره بلا شك. فالسارترية، كما يقول جيل دولوز، هي "تيار من هواء" وكأي تيار من هواء فانها تغريك دون ان تقدم لك شيئا وتجذبك دون ان تجعلك أسيرا، تماما كما الحلم. لكن السارترية لا يمكن فهمها جيدا إلا متموضعين في القرن العشرين. هذا القرن الذي بدأ بالحروب بين القبائل الاوربية وينتهي بوحدتها. افتتح بقيام الثورة الاشتراكية كوعد وامل واختتم بانهيارها ككابوس. لهذا القرن بالتحديد، وله وحده، تنتمي السارترية مما يجعل موتها فيه علامة من علامات اصالتها كفلسفة. فما الذي يعطي السارترية اصالتها كفلسفة ويميزها عن الفلسفات التي سبقتها؟ ان الاطار العام الذي تتموضع فيه السارترية هو، برأينا، اطار فلسفة الحرية الذي تتموضع فيه ايضا الهيغلية والماركسية وتفرعاتها كالفوضوية والسريالية. لكن ما يميزها عن غيرها داخل هذا الاطار هو المشروع الذي تقدمه وهو "اللامشروع". بمعنى أخر. واذا كان مشروع الهيغلية هو الحرية كهدف لتاريخ العقل كمطلق، ومشروع الماركسية هو الحرية كهدف لتاريخ العقل كملموس ومشروع الفوضوية هو الحرية كهدف لتاريخ العقل كفوضى، ومشروع السريالية هو الحرية كهدف لتاريخ العقل كلا شيء، فان مشروع السارترية هو الحرية كهدف لتاريخ العقل كحلم. بلا شك ان السارترية قاطعة في اسبقية الوجود في الوجود, إلا انها قاطعة ايضا في عبثية الوجود. فسارتر يرفض للوجود الانساني كل عقلانية: انه موجود دون ارادة منه-في عالم ملغوم بالزلازل والنهايات-ومع ذلك مسؤول في وجوده. وهكذا اذن فامتيازالوعي الذي يتباهى به الانسان على الاشياء يتحول هنا الى محنة بالقدر الذي يرفض فيه سارتر اعطاء الوجود الانساني اي بعد ميتافيزيقي متخيل او مدرك او مراد، سواء ذلك الذي تقول به الاديان (الله) او ذلك الذي تقول به الماركسية (الانا الجماعية)، وبالقدر الذي لا يعود فيه الانسان شيئا آخر سوى ذاته، اي سوى "الانا" المباشرة.من هنا تتأتى الى مجرد تمرد، كما يأبى من شدة النبل والترف ان يتسطح فيقع في اغراء القطيعة. انه موقف كما هو حالة.. موقف يتجاوز التمرد تمردا لانه بلا غاية وتسامى على المغامرة شبابا لانه بلا امل. "انت موجود كهبة ريح" تقول لنا سيدوري صاحبة الحانة في ملحمة جلجامش كما لو كانت تختصر لنا العبثية الرهيبة التي هي حظ الوجود. وسارتر لا يقول شيئا مختلفا. لكن تراجيديا الوجود هذه العبثية، انما ايضا وخصوصا من وعي "اننا مدانون بان نكون احرارا". فالحرية كتراجيديا هي انبل اشكال وعي الحرية، الا انها تعرف نفسها كمحنة قبل ان تكون امتيازا او حقا، محنة مصدرها الشعور بعدم وجود أي شيء جدير بان نستند له خارج الـ"انا" المباشرة. وطارئة ولا ضرورة، ومجرد مملكة مظلمة داخليا، ينبغي على الذات الفردية عندئذ ان تتشبث بفرديتها وبحريتها باقصى ما يمكن كما لو كان هذا التشبت هو القيمة الوحيدة التي امامها، وبالفعل لقد رفع سارتر الحرية الفردية الى مقام القيمة الاخلاقية والكونية المطلقة التي تحتم عليها تجاوز كافة الحدود سواء تلك التي ترتئيها الايديولوجيات والروحانيات أو تلك التي تضعها العلوم. لكن هذا المنظور الذي يستلهم الفلسفة الفينومينولوجية الى حد كبير سيدفعه سارتر في اتجاه خاص، وهنا تكمن اصالته الفلسفية، بفعل استلهام المنظور الماركسي الخاص بموضوعية العلاقة بين "الأنا" المباشرة وعلمها الانساني الخارجي. فاصالة السارترية تكمن اساسا في محاولتها حل هذه الاشكالية او التناقض بين موضوعية العلاقة بين الذات ونظيراتها من جهة، ومن لازمية مطلقية الحرية الفردية من جهة اخرى: كيف انا كذات استطيع ان اكون حرا في الوقت الذي لا استطيع الا ان اكون في علاقة مع الذوات الاخرى؟ هذه هي المشكلة المركزية التي كرست لها السارترية كل جهد من اجل تلمس حل لها، اي مشكلة التوافق بين الضرورة الموضوعية التي تفرض على الجذرية الفردية ان تقف عند حدود ما، وبين كون هذه الحدود تعيقها عليها التحقق كجوهر حر، وامام استحالة الوصول الى هذا الحل فان السارترية اختارت الانحياز الى الحرية الفردية بشكل مطلق بغض النظر عن النتائج والمغالطات، مؤكدة بعناد ا ن الحرية هي القيمة الوحيدة التي تصدر عنها القيم الاخرى، رافضة المؤسسات بجميع اشكالها الدينية او السياسية او الاجتماعية او الاخلاقية او غيرها. فالمشروع الذي تبشر به هذه المؤسسات هو مشروع عبودية على الدوام مهما زعمت عكس ذلك، نظرا لان المؤسسات لا بد ان تحجر الافراد وتحولهم الى اشياء، وانها كاذبة قطعا عندما تدعي الدفاع عن الحرية لان المؤسسة هي نقيض الحرية بالضرورة. لكن المؤسسة لدى سارتر لا تقتصر على الاحزاب والكنائس، انما تمتد الى مجمل نظم الحياة. من هنا لا يمكن القول مطلقا بان فكرة كهذه كفيلة بخدمة الايديولوجيات اليبرالية والليبرالية الجديدة أو يمكن ان تؤدي وظيفة كهذه. انما بالعكس ان تحقق الحرية الفردية قد يدفع البعض الى الركون الى هامشيتهم الاجتماعية الا انه قد يدفعهم الى الانتفاض وحتى الثورة ضد الأنماط السائدة، وسارتر نفسه لم يتردد في النزول الى الشارع في 1968 ضد ديغول. وعموما فان هذه الايديولوجيات تدرك كغاية اخطار السارترية عليها ومن هنا تجنبها كليا. ان مجد السارترية الوحيد، هو أنها عرفت لحظة حياتها، فاغتنمتها بنشوة، وادركت لحظة احتضارها، فانسحبت بهدوء. من يدري ربما ماتت هذه الفلسفة لأنها فشلت في حل هذه المشكلة التي هي ماتزال على قيد الحياة، وربما الى الأبد.
سجلت في حياتي نجاحاً لا شك فيه : هو صلتي بساتر
وفي أكثر من ثلاثين عامين لم ننم منفصلين إلا مساءاً واحداً. وهذا الإقتران الطويل لم يحد من الاهتمام الذي كان يكنه كل منا للآخر في الحديث : وقد لاحظت إحدى الصديقات أن كلا منا يصغي إلى الآخر بتنبه كبير. على أن أفكارنا قد تبادلت النقد والتصحيح والتأييد بشكل متصل جداً ، حتى أصبحت كلها مشتركة بيننا. وإن خلفنا لرصيداً لا ينفصم من الذكريات والمعارف والصور ، ونحن نستعمل لالتقاط العالم الآلات نفسها ، والصور نفسها ، والمفاتيح نفسها : وغالباً ما يتمم أحدنا العبارة التي يبدأها الآخر، وإذا طرح علينا سؤال ، يتفق لنا أن نشكل معاً جوابين متماثلين. وانطلاقاً من كلمة ، وإحساس ، وظل ،
نجتاز درباً داخلياً واحداً
، ونبلغ في وقت واحد نتيجة – ذكرى أو تقريباً – لا يتوقعها الآخرون قط. وليس يدهشنا بعد أن نلتقي في ألوان خلقنا نفسها ، ولقد قرأت حديثاً تأملات سجلها سارتر حوالي 1952 وكنت أجهلها : فاكتشفت فيها مقاطع واردة كلمة كلمة تقريباً في " مذكراتي " التي كتبتها بعد ذلك بعشرة أعوام.
صحيح أن مزاجينا واتجاهاتنا واختياراتنا السابقة تظل مختلفة ، وقلما تتشابه آثارنا.ولكنها تنبت في تربة واحدة.وقد أخذ علي أن هذا التوافق يناقض الأخلاقية التي تضمنها الجنس الثاني :
إنني أطالب النساء بالاستقلال ، وأنا لم أعرف الوحدة قط. وليست الكلمتان مترادفتين ، ولكني أود قبل أن أوضح رأيي أن أبعد بعض الحماقات. لقد روى البعض أن سارتر كان يؤلف كتبي. ونصحني أحدهم وهو لا يريد بي شراً ، غداة فزت بجائزة الغونكور ، بقوله : " إذا أعطيت أحاديث صحفية ، أوضحي أن " المثقفون " هي من تأليفك ، فأنت تعرفين ما يقال عنكِ : من أن سارتر يمسك بيدك " وقد ادعوا أيضاً أنه صنع لي حياتي الأدبية : والواقع أن تدخله قد اقتصر على أن يقدم لـ " بريس باران " مخطوطتين لي ، رفضت إحداهما. لندع هذا. لقد قيل غالباً أمامي إن كوليت كانت قد وصلت : وهي تنام " : وهذا لفرط ما يحرص مجتمعنا على أن يبقي مثيلاتي في وضعهن ككائنات ثانوية ، أو انعكاسات ، أو دمى أو مصاصات دم لجنس الذكور الكبير.
ومن باب أولى ، فإن أفكاري موحاة من سارتر ، وقد كتب جان غيتون يقول : " لو كانت مع شخص آخر ، لكانت ذات نزعة صوفية " وكتب حديثاً ناقد بلجيكي ، إذا لم أكن مخطئة ، يقول وكأنه يحلم : " لو كان برازياك هو الذي التقته ! " وقرأت في جريدة تدعى لاتريبون ديزاسورانس : " لو كانت تحت تأثير عالم لاهوتي ، بدلاً من أن تكون تلميذة لسارتر ، لكانت من المؤمنات المتحمسات بالإله والقدر. " وإنني بعد مرور خمسين سنة أجد فكرة أبي القديمة : " إن المرأة هي ما يصنع منها زوجها " وقد كان على خطأ كبير ، فهو لم يؤثر قيد شعرة بالتقية الشابة التي ربيت في دير وازو ، وحتى شخصية جوريس الضخمة تحطمت إزاء عناد زوجته الورعة. والحقيقة أن الشباب له ثقله وصموده : فكيف كان لي أن أصاب ، على الشكل الذي كنت عليه في العشرين من عمري ، بتأثير مؤمن أو فاشيستي ؟
ذلك أنهم يقرون عندنا أن المرأة تفكر بواسطة رحمها : وما أدنأ ذلك حقاً !
لقد التقيت برازياك وطغمته : فكنت أشمئز منهم واستفظعهم. وما كنت أستطيع أن أرتبط إلا برجل يعادي كل ما كنت أحتقره : اليمين والخضوع في التفكير والدين. وليس من قبيل الصدفة أن أكون قد اخترت سارتر : لأنني في آخر المطاف قد اخترته. لقد تبعته في جذل لأنه كان يقودني في دروب كنت أريد أن أسلكها ، وفيما بعد ، ناقشنا دائماً طريقنا. واتذكر أني حين تلقيت عام 1940 آخر رسالة له من برومات وكانت عجلى وغامضة بعض الشيء ، ذعرت لدى قراءتي إحدى العبارات للمرة الأولى ، وتسائلت : ترى ، هل يتخاذل سارتر ويتعاقد ؟ وفي الدقيقة التي غمرني فيها هذا الخوف ، شعرت في تصلبي وألمي أني إذا أخفقت في إقناعه بألا يفعل ، فإني سأعيش بعد ذلك ضده إلى الأبد. يبقى أن المبادرات ، فلسفياً وسياسياً ، إنما صدرت عنه. ويبدو أن بعض النساء الشابات قد أصبن من ذلك بخيبة : فأنا أقبل هذا الدور " النسبي " الذي أنصحهن بالفرار منه. لا. إن سارتر هو الخالق ، أيديولوجيا ، ولست أنا ، لقد دفع هناك بمواقف سياسية ، فتعمق في أسبابها أكثر مما أهتممت أن أفعل : وإنما أنا أخون حريتي إذا رفضت أن أعترف بألوان التفوق هذه ، إني إذ ذاك سأكون في موقع المنافسة والنية السيئة اللتين تنشآن عن صراع الجنسين واللتين هما مناقضان للكرامة الفكرية
لقد حافظت على استقلالي ، لأنني لم ألقِ قط مسئولياتي على سارتر : أنا لم أقر أية فكرة وأي حل إلا بعد أن أكون قد نقدتهما وأخذتهما لحسابي. وإن انفعالاتي قد جائتني من اتصال مباشر بالعالم.
وقد اقتضاني تأليف كتبي الخاصة دأباً وبحثاً وتقريراً وصراعاً وعملاً. ولقد ساعدني سارتر ، وساعدته كذلك. وأنا لم أعش من خلاله. والحقيقة أن هذه التهمة سلاح واحد من الأسلحة التي استعملها خصومي ضدي. ذلك أن قصتي العامة هي قصة كتبي ، وانتصاراتي وهزائمي ، وكذلك قصة الهجمات التي تعرضت لها. إذا كتبت امرأة في فرنسا ، أعطت الناس مقارع ليضربوها بها. ولا سيما إذا كانت في السن التي كنت فيها حين بدأت كتبي تنشر. فإذا شاخت ، قدموا لها عبارات الإجلال والإحترام. أما إذا فقدت نضارتها الأولى ، من غير أن تكتسب بعد صدأ القدم ، ثم جرؤت على أن تتكلم ، فما أعنفه هجوماً ذلك الذي تتعرض إليه ! وإذا كنتِ يمينية ، وإذا انحنيت في رشاقة إزاء تفوق الذكور ، وإذا صمت بوقاحة ولم تقولي شيئاً ، فإنهم يوفرونك. أما أنا فيسارية ، وقد حاولت أن أقول أشياء ، ومنها أن النساء لسن كسيحات بالولادة. وقد كان نيلسون ألغرين يقول لي في ربيع 1960 : " لقد ربحتِ ، فقد كونت الأعداء الذين يجب أن يكونوا أعدائكِ.
















