وفي البداية لابد من الاشارة الى كتاب ”الوجودية“ وهو من تأليف جون ماكوري وترجمة الدكتور فؤاد زكريا والصادر في سلسلة عالم المعرفة/ الكويت والذي يحتوي على خمسة عشر فصلا تتناول الوجودية بمذاهبها المختلفة والكتاب الاخر هو ”المذاهب الوجودية، من كير كيجارد الى سارتر“ وهذا الكتاب هو من تاليف ريجيس جوليفيه ومن ترجمة فؤاد كامل ومراجعة د. عبدالهادي ابو ريدة ومن اصدار الدار المصرية للتاليف والنشر والترجمة.
الفلسفة الوجودية هي بلا شك احدى الفلسفات المهمة التي ارتبطت بشكل فعال بأزمة الانسان المعاصر في مواجهته للقوى القهرية المتمثلة بالضياع الكوني الذي يتلاشى امامه الانسان وتتشتت قناعاته بين صفحاته اللامتناهية ليغدو خطابه محض ضجيج غير مفهوم وتصبح قناعاته غير مستقرة في عوالم تحوله الى رقم مجهول، وهنا يبدأ احتجاجه الذي يذكرنا باعتراض الفيلسوف ”سورين كيركيجارد“ على فلسفة هيجل المطلقة حين صرخ باعلى صوته ليوصل احتجاجه حين قال”انا لست رقما في فلسفتك المطلقة “ ويكاد هذا يكون احدى نقاط انطلاق الفلسفة الوجودية التي تتخذ من الذات محورا لها واحد ركائزها الاساسية والمهمة جدا.
وبالرغم من ان الكتاب ليس من الكتب ذات الاصدار الحديث الا انه غني بالمعلومات المهمة جدا حول هذه الفلسفة التي ارتبطت بشكل وثيق بالادب وخصوصا في القرن العشرين ولاسيما ارتباطها بالفلاسفة ”جان بول سارتر البير كامي، نيتشه، ميرلوبونتي.. وغيرهم“ ولأجل توضيح الكثير من الالتباسات الفكرية والفلسفية التي التصقت بهذه الفلسفة التي تدعو ضمنا الى الحرية باعتبارها اقترانا للوجود وتماسا معه تقتضيه هذه المسحة العدمية المتداخلة في بنية الوجود نفسه، وهنا نصل الى المدخل الاساسي لهذه الفلسفة، ولاشك ان تاثيرها واضح على حركة الفكر العربي من خلال الترجمات الكثيرة لاعمال فلاسفتها وخصوصا في لبنان وتحديدا”بدار الادب “ ومجلة الاداب التي كانت تتابع الفلسفة الوجودية باكثر من مقالة شهريا.
ويبدأ المؤلف بمقدمة يستعرض فيها الفلسفة الوجودية، والاشكاليات التي اقترنت بها ومحاولة الكثير من فلاسفتها الى تأسيس علم للوجود”انطولوجيا “، او ربما انطلوجيا ظواهرية وعلاقتها بأسبقية الوجود على الماهية هذه المشكلة الاساسية التي اقترنت بالوجودية وميزتها عن غيرها، ثم يحاول المؤلف ان يعطي تعريفا للفلسفة الوجودية ويقرر بانها”هي جملة المذاهب التي ترى ان موضوع الفلسفة هو تحليل الوجود العيني ووصفه من ناحية ان هذا الوجود فعل حرية تتكون وتؤكد نفسها وليس لها منشأ او اساس سوى هذا التأكيد للذات “.
ويستعرض كذلك الوجودية المسيحية، وموقفها من مشكلة اسبقية الوجود على الماهية وفي الفصل الاول من الكتاب يناقش المؤلف منابع الوجودية وخصوصا عند الفيلسوف الدنماركي”سورين كيركيجارد “ باعتباره الاب الروحي لها وواضع اسسها والكثير من اطروحاتها المهمة، وعبر مناقشته لمفهوم الوعي واتحاده بالوجود والنزعة العقلية الديكارتية ومعارضة كيركيجارد لها بمقولته الشهيرة”انا افكر فانا اذن غير موجود “ والتي ناقض بها”الكوجيتو الديكارتي “ وكذلك معارضته لفلسفة هيجل المطلقة، ثم يوضح المؤلف تأثير المسيحية وخاصة المسيحية المشبعة بمذهب لوثر على فلسفة كيركيجارد، ثم يتناول المؤلف احوال الوجود الانساني، حيث يعتبر العاطفة هي اكمل تعبير عن الوجود ويقرر كذلك بان الاختيار هو سمة الوجود الخاصة والوجود هو ان نختار وما على الانسان الا ان يختار نفسه، ثم يقرر بان الوجود يسبق الماهية، وما الفرد الا خالق الماهية الخاصة وهو موجود بقدر ما يحقق هذه الماهية، وكذلك يوضح علاقة الوجود بالمتعالي والمطلق وان الذاتية كلما أمعنت بالتعمق تحس بقربها من المطلق، ثم يناقش علاقة اليأس بالقلق وبالوجود الحقيقي، وان اليأس الحقيقي هو صفة الوجود الذي بلغ ذروة من الانفعال الوجودي وان القلق يرتبط بالامكان وبالحرية، وهو يكشف للموجود عن وجوده، ثم يقرر بان الفلسفة الوجودية تلزم دائما من ابتداء الفرد الذي هو الشيء المتعين نفسه في امتلائه الانطولوجي وهنا يقرر المؤلف بان الفلاسفة الذين ارتبطوا بالوجود كانوا يسعون الى فلسفة ذات”حقيقة حية “ تقربهم من الوجود الحقيقي وتصبح فلسفة عينية على حد تعبير”جبرييل مارسيل“.
في الفصل الثاني من الكتاب يستعرض المؤلف فلسفة نيتشه ويبين النقاط الجوهرية التي كان بها نيتشه يبدو مبشرا بالوجودية، ويقرر نيتشه بانه كان يكتب كتبه بدمه، ويتوصل الى حقيقة هو ان ”الانسان النظري“ الذي تمنى ان يكونه نيتشه ايام شبابه هو نفسه انسان كيركيجارد الذي تمنى ان يكونه ايام حماسه الهيجلي وهنا نصل الى حقيقة مهمة وهي ان الفلسفة لايمكن ان تكون فكرا ولا يمكن ان تتشكل الا داخل مفهومي ”الهم “ و”القلق “ ويستعرض فلسفة مارتن هيدجر الوجودية وكذلك علم الظاهريات.
ويستعرض مفهوم ”الانية “ وتحليله الاساسي لها في فلسفة هيدجر ومفهوم”الوجود في العالم “ باعتباره وجودا مع الناس، ويشير الى كتاب”ما الميتافيزيقيا؟ “ لمؤلفه مارتن هيدجر والصادر في فرانكفورت عام 1930 وفيه يتناول هيدجر ظاهرة القلق والذي يعتبر تكملة للتحليل الوارد في كتابه الاساسي ”الوجود والزمان“، ويثير السؤال الاساسي في كتاب”ما الميتافيزيقيا؟ “ والذي هو”لماذا كان ثمة وجود ولم يكن عدم؟ “ ثم يناقش المؤلف العلاقة بين العقل والاشياء وكذلك العلاقة بين الوجود المثالي المتصور والوجود المتعين في واقعه الانطولوجي وكذلك الكشف عن الموجود المتعين ذاته، ثم يناقش حقيقة اللوغوس ومفهوم التجلي وارتفاع الحجب عن الحقيقة والوصول الى ماهيتها والوصول الى الانية وتوزعها بين الوجود الحقيقي والوجود الزائف ويقرر هنا بأن الانية هي وجود للهم والهم مقترن بها باعتبار ان الوجود هو”وجود - للموت “، ثم يناقش مفهوم الوجود الاصيل والزمانية ويقرر بأن الوجودية باعتبارها مكونه للهم هي التي تمدنا بالمعنى الانطولوجي لانية الانية، ثم يناقش العلاقة بين الزمانية والتاريخية، ويأخذ المؤلف مقولة مهمة من الفيلسوف باسكال هو ان ”الناس لكي يعيشوا سعداء قرروا ان لايعالجوا الموت والجهل والبؤس وان يفكروا بها مطلقا“ ويقرر المؤلف نقلا عن هيدجر ان ليس ثمة وجود الا بالنسبة للانسان، والانسان فان في جوهره، ثم يناقش مفهوم ”العلو“ باعتبار ان الواقع يرتبط بشكل جدلي بالهم من جهة وبالانية من جهة اخرى وهذا يشكل جوهر مفهوم ”العلو“ وعلاقته بالوجود ثم يناقش فلسفة جان بول سارتر من خلال كتابة الشهير ”الوجود والعدم“ باعتباره محاولة في الانطولوجيا الظاهراتية ومدى تأثر سارتر بكتاب هوسرل ”تأملات ديكارتية“ وكذلك يناقش مفهوم”الغثيان “ من خلال كتابه الذي حمل نفس العنوان والذي يقرر في مقدمته بان”كل موجود يوجد بلا سبب، ويحيا عن ضعف، ويموت بالمصادفة “ ويرى سارتر كذلك بان لتجربة”الغثيان “ قيمة ميتافيزيقية، فهي تكشف لنا عن صميم الوجود وتتيح لنا رؤية جديدة لعالم الانسان والاشياء، وليس الغثيان سوى هذا الشعور بالاختناق الذي يسببه ذلك الوجود ثم يقرر بان الغثيان يكشف لنا القلق الذي بدوره يكشف الفرد لذاته باعتباره شعورا وبهذا يحصل على قناعة ان ثمة لعبا في الوجود، وان العدم يطارد كينونة الوجود، ثم يناقش المؤلف مفهوم ”الوجود في ذاته“ واصل العدم عند جان بول سارتر ويقرر بان الانطولوجيا السارترية كما هي عند ”بارمنديس“ تصب في النزعة المادية الخالصة، ثم يصل الى مفهوم ”الوجود لذاته“ من خلال الشعور المدرك لذاته ويقرر المؤلف هنا بان ”الوجود لذاته هو عبارة عن حضور الشعور في العالم“، ومن خلال الحدس يستطيع ”الوجود لذاته“ الحضور في واقعه العيني ازاء الشعور والذي يكون هنا على صلة بمفهوم الحرية، والذي يفرضها نوع من الزمانية تتسم ”بالعلو“ وكذلك من خلال وجود ”الغير“ باعتباره حرية اخرى، وهنا يكون”الوجود لذاته “ ازاء حرية اخرى تجعله في موقف وهذا جزء من فلسفة سارتر وخصوصا في مؤلفه الشهير”مواقف “ والذي صدر في ستة اجزاء وهي مقالات متفرقة نشرها في مجلة”الازمنة الحديثة “ والذي كان يشرف على اصدارها، وكذلك يصل الى ان مفهوم”الحرية “ عند سارتر هو اختيار الانسان لذاته وجعل العواطف لا تملك سيطرة على الارادة، ويقرر هنا سارتر بان”الانسان يوجد في موقف تدخله فيه حريته الخاصة، وكذلك يشارك في العبث الكلي للوجود “ وهنا نصل الى ان الانسان يحمل على كتفيه عبأ العالم كله، وكذلك يبين لنا المؤلف بعض اطروحات سارتر حول الكائن الملقى في الوجود وحماسته التي لا فائدة منها.
وفي الفصل الثاني يناقش المؤلف فلسفة جبرييل مارسيل وكارل يسبرز باعتبارهما القطب الثاني في الفلسفة الوجودية مقابل القطب الاول الذي يشكله ”هيدجر وسارتر“، حيث يناقش المؤلف كتاب ”فلسفة“ وهو من تاليف جبرييل مارسيل ويقع في ثلاثة اجزاء، الجزء الاول تحت عنوان ”الكشف الفلسفي للعالم“، والجزء الثاني بعنوان ”ايضاح الوجود“، والجزء الثالث بعنوان ”ميتافيزيقيا“، وعبر مناقشته لمفهوم ”الاتصال بالغير“ ومفهوم ”التاريخية“ والحرية والعلو والاخفاق والشفرة يتوصل الى ان جبرييل مارسيل بفلسفته الوجودية يحاول ان يؤسس لفلسفة خارج منحى التفلسف لغرض عدم الخوض في الوجود العيني باعتباره اسقاطا وتجسيدا لفلسفة نظرية تحاول ان تبعد الوجود عن ذاته.
ثم يناقش مفهوم ”الفلسفة الحقة“ والوجود المتجسد باعتبارهما نقطة مشتركة في فلسفة جبرييل مارسيل وكارل يسبرز، ثم يناقش مفهوم ”السر الانطولوجي“ وخصوصا في كتاب ”الانسان الجوال“ لجبرييل مارسيل، ثم يناقش الوجود الفردي والفرد في تجسيد وجوده وتأثير ”توما الاكويني“ على كلا الفيلسوفين وذلك في محاولة من المؤلف لتبيان مرجعياتهم المسيحية.
وفي”خاتمة “ الكتاب يحاول ان يضع قاسما مشتركا بين الفلاسفة الوجودين هو ان ”الصدق الكامل للعملية الفينومينولوجية في وصف مواقف الوجود العينية وتحليليها“ ويقرر في خاتمة الكتاب ايضا بان مفهوم ”الانسان المسيحي“ عند كيركيجارد، و ”الانسان الاعلى“ عند نيتشة، و”الانسان القلق“ عند هيدجر، و”الانسان الغثيان“ عند سارتر، و”الانسان العبثي“ عند كامي، و”الانسان اليائس “ عند باتاي حيث يتجلى في ”انسان الامل“ عند جبرييل مارسيل و”انسان الوضوح “ عند كارل ياسبرز في مفاهيمه الغامضة والتي يأخذها عن القديس توما الاكويني عندما يتمنى ان يكون اكثر غموضا من الغموض نفسه. وهناك ملحق في الكتاب تحت عنوان ”علم الظواهر“ هو عبارة عن مناقشة لمفهوم التوقف الفينومينولوجي عند ”ادموند هوسرل“ حيث يناقش الظاهراتية ومفهوم ”الاختزال الماهوي “ وكذلك علاقة الماهية بالوجود، ومن خلال وجهة النظر الوجودية يتوصل المؤلف الى ان حقيقة الادراك الحسي له علاقة بالظاهراتية وخصوصا عند الفيلسوف ”موريس مورلوبونتي“ وفي الختام لابد من الاشارة الى عدم الاحاطة بفلسفة البيركامي والذي سوف يكون لنا مقالة عنها في وقت اخر عبر استعراض”الفلسفة الوجودية والادب “ وهنا تبدو الاهمية الكبيرة لهذا الكتاب الذي يعتبر موسوعة فلسفية مختصرة للفلسفة الوجودية.
.
.
الاثنين, 11 فبراير, 2008
كريم عباس زامل :
المصدر : جريدة الصباح
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









