.
.
الاثنين, 11 فبراير, 2008
محيي عيدان
في عام 1983 نشر جان بول سارتر اول عمل روائي له (1) وقد جعل موضوعه الاساسي يدور حول تجربته
الميتافيزيقية (الفلسفية) الاساسية الخاصة في الغثيان La Nausee والذي يعتبره (سارتر) ذا قيمة عظيمة اذ قدم له: كشفا عن الوجود واشكاله فسارتر لا يعتبر الغثيان الذي عايشه والذي يجتاح بعض الناس فجأة وبدون سابق انذار احد اعراض مرض نفسي او عصبي بل ان منشأه هو الوجود نفسه “فالمشاعر الكيانية اذن لا تنشأ عن حادث عارض او طارئ خارجي، بل ترجع الى الوجود في صميمه، تظهر حقيقته الانطولوجية وتلتصق به بوصفها اعمق تعبير عن طبيعته بالذات”(2).
تجربة (سارتر) هذه هي تجربة ذات طابع فردي فلسفي خاصة به/ فالغثيان وفر له رؤية جديدة للوجود، هذا هو ما حدث لانطوان روتانتان بطل رواية ستارتر هذه الذي امتلك رؤية جديدة للوجود والى مصيره كأنسان هو بالذات، بعد ان كان يعيش (بحرية وعدم اكتراث) وبلا مسؤولية سارتر الذي يقدر قضية الحرية في فلسفته الوجودية يعتبر الحرية نسيج الوجود الانساني، وهي لا تنفصل عن مبدأ المسؤولية لذا فان (انطوان روكانتان) في رأي (سارتر) انسان غير حر لانه لم ينجز تأليف كتابه الذي شرع فيه فالكتابة عند (سارتر) هي عمل ابداعي ملتزم، والابداع هو وجه من وجوه الحرية، كما ان مفهومها لا يقتصر على الفعل Action فقط بل يمتد الى العواطف والغرائز والدوافع ومنها (الغثيان) وعلى ضوء الموقف من الغثيان انقسم الناس الى قسمين برأيه اقلية لا يقاومون او يكبحون نوبات (الغثيان) بل يتركونه يجتاحهم وهؤلاء يسميهم (سارتر) بالغشاشة Les tricheurs ومنهم بطل روايته (روكانتان) فهؤلاء يريدون الغوص في الغثيان وذلك من اجل ان يرفعوا الحجاب الذي يمنع عنهم “كشف الوجود” وهؤلاء الاقلية ليسوا اناسا عاديين خاملين خاضعين الى التقاليد والنظام والواجب، انهم اناس تركوا الحرية (للانا) بالتدفق بحرية دون قيود، فهم منسلخون من شخصياتهم ومتحررون من كافة التقاليد سواء عائلية كانت او اجتماعية، بالاضافة الى تحقيقهم لشرط ثان يتمثل في التنكر للماضي ونبذه فالماضي برأي سارتر هو (الانا المتحجرة) أي انها الواقع الجامد التي يجرها (الانسان) وراءه كما يبر شيئا ميتا. هذان الشرطان يشكلان عند (سارتر) ما يسميه بعنصر الغش La tricherie واختياره لهذا المصطلح هو من اجل ابراز عنصري الارادة والتصميم الموجودين في (الغش) والذي تظهره هذه الاقلية من الافراد التي تتلبس الغثيان عن سابق ارادة وتصميم بعكس القسم الثاني فن الناس وهم الاسوياء الذين هم الاكثرية فأنها تقاوم الغثيان وتكبحه فيطلق عليهم (سارتر) اسم الانذال Les salauds فمعظم هؤلاء الناس اما من الذين يظهرون تمسكا وطاعة لقواعد الاخلاق والنظام او من الخاملين الذين يفتقدون الى كيانات خاصة بهم، هؤلاء الاسوياء (الانذال) ثلاث طرق تمكنهم من الخلاص من الغثيان وهي: العلم، السحر، والجنون، الغشاشون من جانبهم نظروا الى هذه الطرق الثلاث على انها حيل يجب الكشف عنها وفضحها: فالعلم برأيهم لا يشكل الا عالم تعسفي يقيمه الانسان ليهرب من عجزه، اما السحر فهو ببساطة (تخيل) انه بالامكان اخراج “الاشياء الثابتة والماهيات المحددة والمعايير المطلقة التي لا تتغير (3) الى الوجود بمجرد ذكر اسمائها، اما الجنون فانه ينحصر بأقامة عالم اعلى (ألهيا) وذلك من اجل اخفاء العدم.
وكما في تجربة سارتر الميتافيزيقية ميز (روكانتان) عن شكلين من الوجود وذلك عن طريق (الغثيان) الذي اصبحت نوباته تجتاحه بكثرة حتى انه شعر ان لا خلاص له منه لانه اصبح هو نفسه غثيانا: “ان الغثيان لم يتركني، ولا احسب انه سيتركني بهذه السرعة، ولكني لا اكابده بعد، فهو لم يعد مرضا ولا نوبة عارضة: انه انا.”.(4).
هذان النوعان من الوجود الذي ميزهم (انطوان روكانتان) بطل الرواية هما: النوع (الشكل) الاول هو الوجود لذاته Letre – pour-soi او الوجود الذي يدرك ذاته، فالشعور Conscience يعتبر شرطا لامكان هذا الوجود والذي هو الوجود الانساني أي وجوده هو، فقد اخذ روكانتان يدرك (يعي) العالم الذي من حوله وكذلك مصيره، وعن طريق وعيه عرف الشكل الثاني من الوجود وهو الوجود ذاته Letre – en – soi والذي هو وجود الاشياء التي تحيط به من كل جانب والتي ادخلت في نفسه الدهشة والرعب، وهذا (الوجود في ذاته) ينعدم فيه الشعور (الوعي) وذلك لان هويته ثابتة وهو دائما يكون مع نفسه، أي لا يمكن ان يكون شيئا اخر لان وجوده مادي، روكانتان لا يرغب في ملامسة الاشياء لان رؤيته لها قد تغيرت فاصبح يرى بعض الاشياء وقد تحولت الى اشكال اخرى ممسوخة وحيوانات حية: (ان الاشياء ينبغي الا “تلمس”ما دامت لا تعيش، اننا نستعملها ونضعها في اماكنها ونعيش وسطها: انها نافعة لا اكثر.
اما انا، فهي تلمسني، وهذا لا يطاق، انني اخاف ان اتصل بها، كما لو انها كانت حيوانات حية)(5).
في هذا الوجود الاشياء لا تملك الوعي وهذا يعني انها لن تتغير فستبقى على (ثباتها) وعلى (جمودها) وعلى (كثافتها) وعلى (صمتها)، وهذا ما دفع روكانتان الى التفكير في سبب وجودها وتساؤله عن اصل وجودها فلم يجد الجواب الملائم سوى ان هذه الاشياء وجدت اعتباطا ومجانيا لان لا احد قادر على اعطاء السبب من وجودها، ويشكل لا شعوري توصل روكانتان الى قناعة من ان الوجود كله وجود عبثي لا معنى له وحتى حياته الخاصة لم يجد لها اجوبة تبررها، سوى ان عليه ان يستمر في الحياة بالرغم انها غير معقولة Absurde هي ايضا في الرواية يوضحنا (سارتر) ان العلاقة بين الوعي (الوجود لذاته) والمادة او الاشياء (الوجود في ذاته) علاقة منفصلة ومستقلة، فالمادة ليست من نتاج الوعي (الذات المطلقة) كما عند هيجل ولا الوعي من نتاج المادة كما عند ماركس، بل هما وجودان منفصلان.
في نهاية الرواية يقرر روكانتان اتمام كتابه، فالاستمرار في الحياة رغم ان الوجود كله هو عبث وان الحياة لا معنى لها ولا شيء يبررها: “ان الحياة ينبغي ان تكون شيئا اخر غير هذا، والغثيان بهذا المعنى لون من الزهو انه شعور بانعدام تبرير ما نفعله” (6).
المصادر:
1 ـ جان بول سارتر، الغثيان، ترجمة سهيل ادريس، دار الاداب، بيروت.
2 ـ سعير الحاج شاهين، لحظة الابدية، صفحة (29) منشورات مؤسسة الدراسات العربية/ بيروت.
3 ـ جو ليفيه، المذاهب الوجودية صفحة 128 ترجمة فؤاد كامل، القاهرة.
4 ـ سارتر، الغثيان، ترجمة سهيل ادريس، صفحة 179 دار الاداب ، بيروت.
5 ـ المصدر السابق صفحة 20
6 ـ البيريس، سارتير والوجودية، صفحة 52 / بيروت.
المصدر :جريدة الاتحاد
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









