باريس - بغية الذهاب أبعد من القصة الشهيرة عن حبها مع رودان أو عن إقامتها الطويلة في مستشفى الأمراض النفسية والعقلية، يقدم متحف رودان في باريس معرضاً إستعادياً لمجموعة النحاتة كاميل كلوديل من أجل «إلقاء نظرة جديدة على فنانة في عصرها».
اقرأ المزيد




كاميل كلوديل نحاتة خارج أثر رودان
وفاة زوربا اليوناني رواية مضادة لفيليبوس فيليو
صدر مؤخراً للكاتب اليوناني فيليبوس فيليبو، صاحب السياسي نيكوس كافادياس والأيام الأخيرة في حياة الشاعر كوستاس كفافيس رواية جديدة بعنوان وفاة زوربا اليوناني، تؤسس بتفاصيلها لرواية مضادة ل (زوربا اليوناني) لنيكوس كازندزاكيس، التي كان قد خلدها علي
المصدر:جريدة الراية- الخميس 24 أبريل 2008
صدر مؤخراً للكاتب اليوناني فيليبوس فيليبو، صاحب السياسي نيكوس كافادياس والأيام الأخيرة في حياة الشاعر كوستاس كفافيس رواية جديدة بعنوان وفاة زوربا اليوناني، تؤسس بتفاصيلها لرواية مضادة ل (زوربا اليوناني) لنيكوس كازندزاكيس، التي كان قد خلدها علي الشاشة عملاق السينما الأمريكية أنطوني كوين، بإخراج اليوناني العالمي ميخائيل كاكويانيس.
حيث يجعلنا فيليبو في هذا العمل الجديد أمام شخصية مختلفة ل (زوربا) هي أقرب إلي (يورغي) الإنسان العادي والشخصية الحاضرة، منها إلي (أليكسيس) الأسطوري، فزوربا هنا مجرد رجل بسيط يكاد لا يمت بصلة لذلك القروي الحكيم، الهادئ والرابط الجأش وزير النساء، كما طرزه كازندزاكيس في زوربا اليوناني.
وبحسب فيليبو لم يلتق زوربا بكازندزاكيس في جزيرة كريث، وهو لم يشارك في اي حرب، ولم يكن علي الإطلاق زير نساء كما يطل علينا في الرواية السابقة، بل هو قد تزوج من امرأة واحدة لا غير؛ وكان بالأحري رب أسرة محافظ، سهل الانقياد، وعلي قدر متواضع من الثقافة، وكان علي الأرجح من مؤيدي الزعيم اليوناني الكبير أليفثيريوس فينيزيلوس، وقد اقتصرت حياته علي الكدح من أجل البقاء ولقمة العيش .
اي أن الصورة التي يرسمها فيليبو لزوربا تختلف كليا عن الصورة التي حاكها عنه كازاندزاكيس، كإنسان خارق الامتيازات، ذي قدرة فائقة علي معايشة الأشياء بأسرها وكأنها تحدث للمرة الأولي، وعلي إسباغ نفس العذرية علي كافة العناصر الفانية منها والسرمدية علي السواء : الهواء، والنار، والمرأة، والخبز. يحدثنا عنه كازندزاكيس:
(.. وحين أتذكر أي غذاء كان قد قدمه المعلمون أو الكتب لروحي الجائعة خلال سنوات طويلة، ثم أتذكر أي عقل أسديّ صلب مَنحَني زوربا خلال عدة أشهر فقط، عندها أجد صعوبة كبيرة في احتمال المرارة والغضب اللذين أشعر بهما).
فبالقياس لفيليبو يكون كازنتزاكس قد اختلق مختلف التفاصيل المتعلقة بحياة زوربا، بداية من زيارة بطل القصة للكاتب كازاندزاكيس في بيته بجزيرة (أيينا) اليونانية في صيف 1941، وحتي آخر أحداث الرواية، وهو يؤكد بهذا الصدد أن الكثير من الوقائع والأحداث التي أذكرها في الكتاب حدثت في مكان آخر وزمن آخر، ولكنها بالطبع حدثت فعلاً.
وقد اعتمد فيليبو في هذا السياق علي توظيف قدر كمية هائلة من المعلومات الوثائقية، غيبت عن العمل الإبداعي أفق الخيال القادر علي نحت شخصية روائية بذاتها؛ بحيث طغي السرد التقريري عبر كل أحداث الرواية علي جماليات الحبكة الخيالية.
تجعلنا رواية وفاة زوربا اليوناني أمام زوربا قبل وفاته بوقت قليل، وهو بين مجموعة من المفكرين والأدباء والشعراء وأهل الفن،منهم فارناليس وكارافيداس وسيكاليانوس وغالاتيا كازاندزاكيس وماريا بونابارت وميلينا ميركوريس وباندليس بريفيلاكيس وثناسيس كلارا وأريس فيليخيوتيس.
كان الوقت صيفاً وكانت اليونان ترزح حينها تحث الاحتلال النازي، بينما يعصف الخوف والجوع بالناس. ولكن هذه الجماعة من المفكرين، سواء من كانوا منهم مجرد عابرين بالجزيرة قاصدين جهات أخري، أو أولئك الذين يصطافون فيها، كانوا علي قدرة علي القفز فوق هذا المناخ العسير وخلق مساحة من الحرية الوجودية، كانت تمكنهم من ترك العنان لشغبهم كما لو كانوا وحدهم علي الأرض: البعض منهم ينشد الشعر، والبعض الآخر يتنزه علي شاطئ الجزيرة...... أو هذا الذي يهرج أو ذاك الذي يغازل الحسناوات....، بينما كان كازندزاكيس قد بدأ فعلاً في إنجاز روايته زوربا وكانت زوجته إليني برفقته تكتب علي الآلة الكاتبة دون كللّ ولا مللّ.
ويفترض بحسب الرواية؛ أن زوربا سيذهب إلي جزيرة أيينا ليقنع صديقه الكاتب (كازندزاكيس) بأن يساعده علي إعادة فتح واستغلال المنجم في ماني مرة أخري، ولكن منذ اللحظة التي سيطلع فيها علي خطط صديقه الكاتب بشأن الكتابة عنه، صار شغله الشاغل الذي ينام ويصحو عليه هو صيرورة هذه الرواية، وفق ما في ذلك من إطراء كبير لشخصه البسيط، وكثير من الناس سيسعدون بأن يصيروا أبطال كتاب ما، حيث سيقرأ الآخرون سيرتهم ويطلعوا علي أعمالهم ومآثرهم. مع ذلك نجد هنا أن زوربا كان قد استشعر بعضا من القلق بشأن عدم تأكده إذا ما كان أمرا كهذا سيكون مفيدا أو إيجابيا علي عائلته وأبنائه، حيث أن السيرة الذاتية للإنسان ربما هي شيء خاصّ به ويتوجب أن تبقي طيّ الكتمان ومحفوظة في السر.
وقد اعتمد الكاتب فيليبو في وفاة زوربا اليوناني علي مجموعة من الوثائق تعود إلي حقبة ما بعد عام 1941، كان قد تحصل عليها، كذلك علي ردّود فعل أبناء زوربا الذين اعترضوا علي تقديم كازندزاكيس لوالدهم كصعلوك متشرد؛ خائن لزوجته ونصف مجنون ولا يتحدث إلا بفاحش القول . وهو قد وظف للحبكة صورا ثابتة للشخصيات التي لعبت دوراً ثانوياً في الرواية حسب تغيرّها وتشكلها بعد ذلك بمرور الزمن، السيدة ميلينا ميركوري (وزيرة الحضارة في الثمانينيات) علي سبيل المثال؛ ظهرت منذ ذلك الوقت وهي مصممة علي استعادة الآثار اليونانية التي هُربت إلي خارج اليونان، أو الشاعر فارنليس وهو يحاول أن ينافس الشاعر الكبير إليتيس (الحاصل علي جائزة نوبل) في التحبب والتودّد وتغزل الجنس الآخر، وغالاتيا مخالفة للنبل المعهود، أما إليني زوجة مؤلف زوربا اليوناني والتي لم تظهر كثيرا هنا، بل هي قد اختفت تقريباً، نجدها تعرض تعليقاتها وكتاباتها لمساندة قضية المرأة .
وينسج فليبو بين هذه الشخصيات كمجموعة متصلة، يغلب علي أفرادها الغرور والإعجاب المفرط بالنفس، حيث يسود الشعور عند هؤلاء بأنهم أعلي مكانة من بقية البشر، أما بالنسبة لزوربا فأنه يبقيه علي تلقائيته، إنسان يسكنه نهم حقيقي للحياة، يعيش كما يمليه عليه مزاجه، هزلي ومرح، تلمع عيناه لمجرد رؤية امرأة جميلة، ...... وهو يظهر في شخصيته المتفجرة التي يسطرها قلم كازندزاكيس، كتوازن بإطلاق بين الشجاعة والحكمة والرقة والإنسانية، وبإمكانه أن يسحر..أياً كان، حتي رزينا محتشما ومحافظا متكثما.
ويبقي زوربا اليوناني أغرب الشخصيات التي تعرف عليها كازاندزاكيس في أحد أيام عام 1917 بمنجم الغرانيت في منطقة (ماني) جنوب شبه جزيرة البولوبونيز قرب خليج صغير جميل وهاديء، والتي عاش فيها الكاتب فترة من الوقت مع عامل المناجم زوربا الذي سيلعب دورا مهما في حياة هذا الروائي والفيلسوف العملاق.
( ينحدر زوربا من قرية علي جانب جبل الأولمب، تعرّف عليه كازندزاكيس عندما تشاركا في مشروع منجم الغرانيت، ولكن المشروع ذهب هباء، وتبدد في عشق زوربا للحياة ورقصته الشهيرة علي شاطيء المتوسط، وعزفه علي آلة السانتور، وهي آلة موسيقية تشبه آلة (القانون) العربية. وبعد أن افترق كازندزاكيس وزوربا، توجه الأخير إلي صربيا، باحثا هذه المرة عن المنغنيز، وجمع حوله ممولين لمشروعه، وشغّل عمالاً وفتح أنفاقاً تحت الأرض وتزوج أرملة لأنه لم يستطع تحمل العيش وحيداً، وبالرغم من غربته وبعده عن الوطن إلا أنه لم ينس صديقه وكان يراسله باستمرار حتي وفاته).
وتظل علاقة كازندزاكيس ببطل رائعته الشهيرة(زوربا اليوناني) عامل المناجم البسيط ، من أكثر علاقات كبار الكتاب بشخصياتهم غموضا وجمالاً وخصباً والتباساً.
لم يكن زوربا متعلماً، إنما كان حكيماً، تلك الحكمة التي تنساب كالنهر الرقراق في ليلة قمرية دافئة، وكان شخصا مفعما بحيوية وقوة وحس متدفق، وشهماً، وكان عملياً، أمام ما كان يسميه زوربا فار الكتب وكان زوربا من بين الذين اثروا في حياة كازاندزاكيس، والذين أشار إليهم الكاتب نفسه وهم : هوميروس، وبوذا، ونيتشة، وبيرغسون. وأشار إلي تأثير كل شخصية من هذه الشخصيات عليه في جانب معين، ويقول عن زوربا علمني أن أحب الحياة، وأن لا أخاف من الموت. وقال إنه لو أنا سؤال العمر كان مطروحا أمامه، حول اختيار دليل روحي، لأختار(زوربا) بدون تردد .
يكتب زوربا من صربيا في 17 يوليو22:
(.. تلقيت رسالتك الأخيرة ووجدت أنك تفرط في مدحي، لا تسخر من فكرة امتلاكنا قيمة أخري، وبحثنا عن شيء أفضل من الآخرين؟ من جهتي كل الذين عرفتهم يقتصرون علي المال وحده. يتزوجون يعيشون رتابة الحياة الزوجية. وأنا لا أصنفك ضمن هذا النوع. أنا فقط لم أتزوج إلا من باب المزاح. السيدة زوجتي توفيت، وحسنا فعلت. وما زلت أضحك علي أصدقائي الذين أشفقوا علي مصيري آنذاك.
أنا الآن لا أخشي الإله، لا أخشاه مطلقا، مطلقا. ربما لأنني قد استجبت لكل أوامره.. كما أنني لا أخاف الموت لأنه لا يساوي شيئاً. وكما أنني لا أساوي شيئا بدوري، فأنا لا أخشي أخطر عناصر الطبيعة، مهما فعلت، وحتي إذ جاء ذنب مذنب ليضربنا ويحولنا إلي سلاطة طماطم، فأنا أضحك.
سأسألك حول نقطة أخشاها وتتملك أحاسيسي بقوة. الشيخوخة تخيفني، ولا أجد شيئا لطرد هذا الخوف. كل هذا أجده في منتهي الضيق .. أنا الذي أذهب إلي كل مكان من دون خوف، إلي غابات جبل آتوس، وروسيا، كما كتبت تمدحني.... .أنا اصير حارسا لعدة أحفاد متوحشين؟.
أكتب إليك هذه الحماقات، محاولا التحرر، ولهذا السبب أجوب الجبال... أفضل أي نوع آخر من الموت، كأن تلتهمني الذئاب والدببة، ومهما كان نوع الحيوان القادم فأنا أقول له علي الرحب والسعة!..إذا لم ننجح في إيجاد مأوانا المنتظر حيث نعد حساءنا من بطاطا وخضار وما تصادفه أيدينا، فالشقاء حليفنا! .
أعمالٌ تفكك الأجساد والأشياء لبلوغ مضامينها الحقيقية باريس ـ أنطوان جوكي المصدر : جريدة المستقبل 29 نيسان 2008




















وبالفعل، لم يتناول بلمر موضوع الجنس كمصدر للذة بقدر ما حاول من خلاله، وطوال حياته، إظهار الاختلاف العميق بين الجنسين (الرجل والمرأة) واستحالة اتحادهما حتى أثناء جماعهما المنتج للبشرية. وكأن ثمة وجهاً غير ثابت وتائه دوماً بينهما، وكأنهما يشكّلان بعناقهما حرفاً غامضاً يسبق جميع الحروف التي نعرفها، حرفٌ ـ نواةٌ يستحضر أصلنا أو قالبنا الأول ويعكس معرفةً أو حقيقةً سابقة فقدناها، حرفٌ نسعى خلفه بشكلٍ غير واعٍ ولا نراه إلا جزئياً.
وكما نعرف، يفرض المفقود عملية سردٍ تحاول استحضاره بشكلٍ أو بآخر. وفي هذا السياق، يُسقط بلمر داخل العالم الآخر، أو على حدوده، صوره التي تشكّل انعكاساً للوجه (أو الحرف، أو الجسد) الذي يريد كل واحد منا استرجاعه. إنها بالذات سيرورة الرؤية. أرسطو يقول في نصّه الشهير "شعرية": "جوهر اللغز هو في جمع حدَّين (أو عبارتين) متنافرَين". ويصلح هذا القول كركيزة لرؤى بلمر الذي سعى من خلال حمّى تعشيقه للأجساد البشرية المتنافرة إلى مساءلة سر شكلها الأول، الأمر الذي يقرّبه أيضاً من أسطورة "الخنثى"(androgyne) التي وضعها أفلاطون واعتبر فيها أن الرجل والمرأة شكّلا في السابق كائناً واحداً عاقبه الإله زويس بشطره إلى جزءين ما برح يبحث كل جزء عن الآخر الذي يكمّله، بدون فائدة، وأن الحب بالتالي ليس سوى بكاء تلك الوحدة الضائعة والمستحيلة.
ومنذ البداية، نظر الإنسان إلى الجنس كلغز مصدره، أو كسؤاله الأولي، وتخلل نظرته عيبٌ من عملية تناسله "الغريبة والحيوانية والبائسة" التي تؤمّن استمراريته. وهذا ما يشرح فضوله حول هذا الموضوع، فضولٌ مجبولٌ بالخوف لانعدام الأجوبة حوله. ومباشرة لدى وصوله إلى باريس، عام 1937، صرّح بلمر: "أعرف الجمال بواسطة الخوف"، وتقدّم على دانييل روبس وجورج غروز وأوتو ديكس وأندريه ماسون وجان فوتريي وألبرتو جياكوميتي في عملية تمثيله ومساءلته للرغبة الجنسية وللقلق الذي يواكبها، وفي بحثه الدؤوب عن أصداء تلك البداهة الأولية الضائعة، أي عن صورة طلسمانية للرغبة، صورة تشكّل ملجأ لها أو بديلاً عنها. وفي سعيه خلف ذلك الحرف المفقود الذي يتعذر العثور عليه، ابتكر لغةً تشكيلية يمكن أن يفهمها ويتكلمها جميع البشر، لكنها بقيت مخفية حتى قدومه، وتتألف مفرداتها المثيرة من تفكيكات جريئة وغير متناهية للأجساد البشرية والأشياء المرسومة، وبالتالي من سلسلة تفاصيلٍ وكلماتٍ وحالاتٍ لا رأس لها ولا عقب، تبدو وكأنها مستقاة مباشرة من حلمٍ أو كابوس.
عام 1936، كتب بروتون لبلمر رسالةً قال له فيها: "لا شيء أخطر من تلك الرؤية للعالم المفقود التي ندين لك بها". ولا مبالغة في هذا القول، إذ ستنتحر رفيقة دربه، الفنانة أونيكا زورن، بقفزها من نافذة شقّتها، عام 1970، بعد أن عبرت معه أشد حالات الكآبة والألم والخيبة والإدمان (كحول، أفيون، كوكايين)، واختبرت ذلك "الانحراف المُمرِض" الذي كان يُشكّل مصدر إغرائه الوحيد ويدفعه، مثل الماركيز دو ساد، إلى عدم احترام شيءٍ آخر باستثناء المبادئ التي تقود إلى الخلل، ونقصد بذلك سعيه الثابت إلى تحديد إمكانيات الدمج والتفكيك المتعذر إحصاؤها التي تلجأ الرغبة إليها لصياغة صورة المرأة المرغوبة (أو الرجل المرعوب)، ولكن أيضاً دعوة الجسد له إلى تفكيكه من أجل إعادة تشكيل مضامينه الحقيقية بواسطة سلسلة جناسات تصحيفية (anagrammes) صورية مذهلة.
ولأن الانحراف بمعناه العام هو الخروج عن الوجهة أو الطريق أو الطبيعة أو القواعد المحددة سلفاً، طبّق بلمر هذا "البرنامج" في مختلف جوانب حياته، فسجّل قطيعة مع والده عام 1924، ومع عائلته عام 1933، ومع وطنه عام 1937، ومع كل ماضيه بشكلٍ عام، فتقدّم بذلك على جميع رفاقه السرّياليين ومعاصريه، حتى لا نكاد نجد لراديكاليته الشاملة معادلاً إلا لدى الشاعر هنري ميشو الذي تنقّل مثله أيضاً من فندقٍ إلى آخر، وبحقيبةٍ جاهزة دوماً للرحيل.
بغية الذهاب أبعد من القصة الشهيرة عن حبها مع رودان أو عن إقامتها الطويلة في مستشفى الأمراض النفسية والعقلية، يقدم متحف رودان في باريس معرضاً إستعادياً لمجموعة النحاتة كاميل كلوديل من أجل «إلقاء نظرة جديدة على فنانة في عصرها». في هذا السياق تقول فيرونيك ماتيوسي، أحد أعضاء اللجنة، إن معرض كاميل كلوديل (1864 - 1943) يهدف الى تقديم مجموعة الفنانة «عبر التخلّص» من كلّ ما نعرفه أصلاً عن حبها، جنونها، علاقاتها مع أخيها الكاتب بول كلوديل و «عبر النظر الى المجموعة نفسها». بالتأكيد سيكون من «الغباء» تجاهل تأثير رودان على عمل المرأة الشابة كما على حياتها على السواء، إلا ان المعرض، يهدف الى «إحضار آثار جديدة» والى «إظهار فنانة في عصرها، تأثرت بالتيارات الفنية كالتيبنية أو الفن الجديد». يضم العرض ما يقارب 90 عملاً – أي الأهم من بين ما أنتجته – ويستمر حتى 20 تموز (يوليو). بعض هذه القطع لم تسبق رؤيتها أو عرضها، أو هي من مجموعة خاصة، أو حتى أعيد نسبها حديثاً الى النحاتة. يمثل المسار المتسلسل منحوتات مرحلة الشباب، والأجزاء العليا لأجسام محيطها: شقيق كاميل، والدتها، شقيقتها والخادمة... كانت كاميل شغوفة بالنحت منذ ريعان شبابها. بدأت تتابع دروساً في محترفات فنية للشابات بما ان النساء لم يكن في استطاعتهن دخول مدارس الفنون الجميلة. في العام 1882، ذهب أستاذها الى إيطاليا وطلب من أحد أصدقائه أن يحل محله. كان يدعى أوغوست رودان، يكبر كاميل بـ24 سنة، وقد دخلت محترفه بعد سنتين. وتقول عضو اللجنة، عندما قابلته «كانت لدى كاميل كلوديل تحف فنية لتعرضها عليه» وكانت متأثرة بالمدرسة الإيطالية ولكن مع ذلك كانت تحمل لمستها الخاصة، وهي تظهر في لوحاتها عن الحياة، الوقت الذي يمر. وتضيف ماتيوسي: «تبيّن رسائلها الى أصدقائها من جهة أخرى شابة شجاعة جداً، قوية جداً جعلت من مهنتها نضالاً، وهي كانت في الوقت نفسه شرسة حقاً». أمضت كاميل ثمانية أعوام في محترف رودان الذي «اكتشف فيها موهبة حقيقية» والذي شاطرته «حب العمل والمهنة». وقد استعادت من أجله «نظرية الجانبية» للنحات، عبر النحت من حول النموذج لئلا تميّز أي وجه. في عام 1892، تركت النحاتة الرجل والمتحف. وكتبت كاميل: «أنا الآن أعمل لنفسي». فباشرت منحوتتها الكبيرة الأولى، «ساكونتالا»، التي يبلغ مترين طولاً: رجل بين امرأتين. إضافة الى هذا، تقول ماتيوسي: «إنها جريئة جداً في معالجة محيط الرأس، إذ نجده في كل أعمالها. إنها تسعى الى الخلاصات الفنية». في الإطار نفسه، هناك منحوتة «الفالس»، مجموعة راقصين أبقاها دبوسي، صديق كاميل، على البيانو خاصته حتى نهاية حياته، مصورة بأسلوب الفن الجديد.باريس















