"أشغال داخلية 4" تشتعل في منصات المدينة حتى في الشكل، لم تعد الاحوال على ما كانت عليه. فاذا لبّى الجمهور دعوة الى عرض مسرحي، ادائي أو راقص أو ايمائي... الخ، فقد يجد نفسه امام منصة لا يتعرّف من خلال مكوّناتها الى الثوابت التي دلّت تقليدياً على فنون العرض. مثلما حصل لجمهور "رجل اليوم السابق"، الذي إذا لم يكن ينتظر ما وقع عليه، أي على "عرض ادائي/ بروفورمنس" للبرتغالي تياغو رودريغيز واللبنانيين طوني شكر وربيع مروة، فإنه تابع مدة ساعة مرويات يحكيها قراءة الرجل البرتغالي عن زيارته لبيروت وضياعه في جغرافيتها وتلاقيه مع تياغو ثانٍ وثالث ورابع... وكيف أنه يعيش مع كل تياغو صورة مختلفة لبيروت: الرجل ذاته، اما المدينة فمتحولة. العرض باللغة الانكليزية، والقارئ لكأنه محاضر، والمنصة تبدو كمنبر للالقاء، والديكور تختصره طاولة وشاشة، زائداً مقعداً ومذياعاً. أما العرض فغريب غربةً كاملة عن فن المسرح، بل يتقصّد التعارض معه رغبةً منه في تأكيد استقلالية النوع والصنف وتقنيات بناء النص وتقديمه الى المتلقين واحاطته بالغلافات التي توصله الى الآخرين. وهؤلاء هم أقرب الى الذين يتلقّون نصاً كلامياً، أكثر منهم "يتفرجون" على منظر بصري يتواصل والعيش. نزيه خاطر
وسط صخب الوجوه الشابة الاليفة في الاماكن المعنية باستقبال مجريات "اشغال داخلية 4"، في الحمراء، عبد العزيز، النهر، مونو، تلفت اطلالات غير منتظرة لقامات ثقافية كانت ولا تزال تضطلع بدور فاعل في تخصيب تيارات الحداثة في مدينة تختبر مؤهلاتها لولوج الفنون الجديدة المعروفة بالمعاصرة. ليست هذه المرة الاولى يسترعي انتباهي اختلاط كهذا، لرموز عالمين ظنّ كثر وطويلاً انهما لم يلتقيا: عالم يختزن ذاكرة الستينات، وعالم يرتمي بكل نهمه وكالصدّيق البريء في بحر فوضوي للصراع مع التكنولوجيات التي تتحول ولا تستقر. وخصوصاً ان لكل من هذين العالمين مدينته في بيروت، التي تعوّدت مدة أكثر من ربع قرن أن تكون مدينةً بمدن، وقد برز ذلك في مراحل عدة من واقعها القريب لكنه اتخذ شكل التباعد الميداني عند ظهور تيار جديد بين المثقفين الشباب يحترف شبه عصيان على موروث زمن الحروب الصغيرة، وشبه قطيعة كاملة مع الاشكال الثقافية التي ترعرعت خلالها، معلنةً في آن واحد انحيازاً يكاد يكون متطرفاً الى أدوات للتعبير تنتمي الى عالم يقال فيه انه كالقرية الصغيرة، بعدما اختصرت التكنولوجيات المسافات والابعاد والفضاءات.
من عرض ريما قديسي.
لاداء تياغو رودريغيز أثر ومغزى. يتلقاه المستمع كما لو انه أمام حكواتي المقاهي غير الشعبية، من طينة مقاهي المثقفين مثلاً، نظراً الى المحتوى الغرائبي لنص ينحو الى سرد الوقائع غير الواقعية. أي ان لاجوائه ابعاداً لا ترتاح سوى في فضاء يلملم ملامحه من عالمي العبثية والسوريالية، وانما دون مبالغة. هي النبرة الحكواتية التي تلوّن القول بالكلام المحكي، فتهب قراءة تياغو رودريغيز بالانكليزية الايقاع الصوتي لمؤدٍّ على منصة. المنطق عينه التقينا به مع ربيع مروة وفريق عمله في العرض الادائي "لكم تمنّت نانسي لو ان كل ما حدث لم يكن سوى كذبة نيسان"، وانما مع المهادنة الجزئية التي تُبقي تفاصيل مسرحية بعد تنظيفها عملياً من ادوارها الملحوظة في فنون العرض التقليدية والحديثة. عمل ربيع مروة في هذا المجال الادائي العصري، لا يقل عدائيةً موصوفة تجاه المسرح الموروث عن معظم المقتنعين بفن "البرفورمنس/ العرض الادائي"، ضمن تيار الفنون الجديدة. فهو يبني منصته كي تبدو، على رغم مجاراتها السطحية للمنصة المسرحية، على قطيعة عميقة مع مجمل العناصر المكوّنة للفضاء الدرامي التقليدي. تدور تجربة تياغو رودريغيز من هذه الزاوية تحت عنوان الانفصال التام والشامل، لكأنه ابتعد من دون التفاتة الى الوراء. في حين تحافظ تجربة مروة وفريقه على روابط وإن جزئية، تبقي الصلات الخفيفة مع بنية عرض مسرحي اختبره ذات يوم ربيع مروة ولينا صانع.
"نوش" كيرسماكر
ترقص ايلوار
نلتقي مجدداً بالمصممة - الراقصة البلجيكية آن تيريزا دو كيرسماكر في عرض يدين بفضائه لتلاحم لغته التعبيرية الادائية مع المفردات الشفافة والمثقلة بالتجاعيد لقصائد ثلاث لبول ايلوار (1895-1952) تحتفل، أملاً أو يأساً، وبين شروق فشفق فغياب، بالشابة ماريا بينز المعروفة بـ"نوش"، والتي تركته يوم وفاتها في 1946 على رماد. وانما تحتفل كذلك بوضع سياسي عايشه الشاعر حينئذ من خلال انتمائه الفاعل الى تيار سوريالي وحزب شيوعي غذّيا تشاؤمه، وهو يرى مجتمعه يتكسر.
لعرض "نوش" طابعٌ متقشف: على طاولة طعام مستطيلة عارية وسطية مزنّرة بثمانية وعشرين مقعداً، ترقص كيرسماكر بمزاجية من يتفاعل مع صوت خام يحكي بنبرة تكاد تكون رتيبة كلاماً من وحي قصائد ايلوار عن حبيبته ماريا بينز، وضع نصه الممثل فرانك فركرويسن، وهو في آن واحد مؤدّيه. مكان العرض: صالة الجيب في مجمع "مسرح مونو" الثقافي، التي تم تأهيلها لاستقبال عدد محدد من متذوقي العروض الادائية وفن "البرفورمنس". وما إن اكتمل عدد الحضور حول الطاولة وأتمّ المضيف فرانك فركرويسن ملء كأس كل منهم بالنبيذ الاحمر في دورة اولى، حتى بدأ الكلام. كمن يُعلم ضيوفه بأمر ليس مفرحاً، مما لوّن المشهد بكامله بالملامس الرمادية التي وجدت اصداء لها في الثوب الاسود للمؤدية كيرسماكر على الطاولة الوسطية كمنصة.
ينمو اداء كيرسماكر بين جمل قصيرة وأخرى بالكاد في اولى خطواتها، والتجوال مشياً، ذهاباً واياباً على الطاولة، فالى افتراش السطح الخشبي والتمرغ عليه، كمن يلغي، تحت ثقل يأس، ارادة المقاومة لديه. أما "قائل" النص فذو اداء أفقي وحركة حرة حول الطاولة تسيّرها ضرورة ملء كؤوس الحضور عند فراغ النبيذ من كل منها. ثمة تواطؤ بين الصوت والحركة، لا يكسره تفاوت في الاندماج بينهما أو لحظات صمت فغياب لجسد يغرق في سكون ذاته وكأنه الى مغادرة نهائية. يتصاعد هذا النمو في الجو العام للمشهد الى نقاط موصوفة من كآبة يتشارك في رفع درجة حرارتها الصوت الرتيب والجسد المولول، وكل منهما أكثر سواداً من الآخر. وكان أن أخذ السطح المستطيل للطاولة يفقد دور المنصة ليتلوّن تدريجياً بملامح المكان حيث ترقد الفقيدة نوش. وكان أن شعوراً بوجود أصدقاء يحوطون محنة الشاعر ويرافقون صوته وهو يتغنّى فرحاً أو باكياً بنوش. وقد عمّ هذا الشعور الفضاءَ فزادت ضبابيته. فجأةً، لكأن نوش بيننا، هنا، مكللةً بسواد ثوبها، حيّة ومرتحلة في آن واحد، فيما الشاعر بصوت فرانك فركرويسن يعلن بصوت من خارج الزمن، بل اقوى منه، انه ونوش في عشق لا ينتهي.
خفّف من هذا الكم الوفير من الملذات الصغيرة التي قطفها جمهور آن تيريزا دو كيرسماكر في عرضَي "ذات مرة" (مسرح المدينة) و"نوش" (مسرح مونو)، البروز المكرر لبرودة تلغي محمول الشغف الذي كان يطل هنا وهناك في اداء الراقصة وتصاميم الكوريغراف. او لكأنها لم تشعر بأنها في مكان ومع جمهور يستحق في نظرها تقديم افضل ما لديها، مما ترك خيبة لدى العديد من الشباب الذي جاء لتلقّي اداء مؤدية ذات خبرات مجرّبة في حقلي التصميم والتنفيذ.
"الموجة 19 هرتز" عرض ادائي مفكك لريما قديسي
للفكرة هنا الدور البارز، لكن تنفيذها على منصة "مسرح المدينة" ظل فاقداً لتلاحم مكوّناتها والتفاصيل، ضمن عرض ادائي اتخذ شكل تطبيق بين البدائي والمخطط له ذهنياً. تقوم فكرة العرض على نوع من المزيج الضبابي بين ظاهرة تُربك راويتها ومؤديتها في آن واحد، والغلاف الغرائبي الذي يحوّل احداثها الى شبه لغز بوليسي او ربما، سحري، وقد يكون وهماً في لحظة صعبة يعيشها الراوي الذي يتقمص شخصية ريما قديسي، واضعة النص ومؤلفة العرض الادائي ومؤدية الرواية فيه.
دار العرض الادائي على ايقاع ذهني بارد، وارتكازاً على بنية سردية مصابة بنشاف في مفاصلها، وعلى كمّ من التفاصيل تتجاور، على انفصال، وتتراكم، من دون صوغ نص يروي ويصل.
ربما قديسي تحتاج الى خبرات في فن العرض الادائي قد تخمر تجربة لا تزال غير ناضجة.
بيشت كلونشون وانا
مخيّبٌ جداً العرض الراقص الذي بدا قبل مشاهدته واعداً بامتياز، لما قد يأتي به الى الجمهور اللبناني من معلومات مفيدة سترد على لسان متحاورين، احدهما كوريغراف وراقص فرنسي يدعى جيروم بل، والآخر مصمم وراقص تايلاندي تقليدي بيشت كلونشون. الحوار هو مادة العرض، كما يدل عليه الساعي وراءه، أي الفرنسي جيروم بل، وهو يستعيد الخطوط الكبرى لسعي الفنانين الى أن تعرف واحدهما الى الآخر، ولا سيما اطلاع كل منهما على الممارسة الفنية لراقص سيشاركه العمل وذلك "بالرغم من الهوة الثقافية العميقة التي تفصل بيننا"، على ما كتب الفرنسي في الاول من حزيران 2005 تعليقاً على اللقاء التعارفي الاول، بعدما كان وصف طبيعة العرض الذي نتج منه بأنه "مسرحية توثيقية وراقصة"، وهو وصف للعمل على منصة المدينة، الحمراء، اقوى التصاقاً بما رأيناه من نعته بأنه عرض راقص، واكثر دلالة على ملامح عرض ركيزته تبادل الكلام بين رجلين جالسين، كل على كرسيه، واذا غادرها احدهما فلدقائق بهدف انجاز خطوات راقصة قليلة لايضاح فكرة.
لم يذهب بل وكلونشون بعيداً في تقميش حوارهما بالمعلومات التي تفيدهما في بناء صورة مهنية مخمّرة لكل منهما عن فن الآخر. من ثم، واختصر هنا، فقد راوح الجمهور فضولاً غير مشبع، كصدىً حيّ لفقر في ملامح المعلومات وفي ترسيم النماذج. أكثر ما تجلى ذلك في مداخلات الفرنسي بل، لخفة محتوى هذه المداخلات في التعريف بالعلامات البارزة في الرقص الغربي المعاصر، جسداً ولغة ومفردات. من هذه الزاوية دار العرض في جزئه القائم على مداخلات التايلاندي بيشت كلونشون، على رفد الحوار بكمّ من المداخلات النظرية والتطبيقية حفرت عمقاً في جمهور يتلقى عرضا يستمد معناه من تصوير الركائز الفعلية للرقص في مجتمع شرقي، من العمق الآسيوي، حيث لاصغر اعضاء الجسد المحمول الفلسفي والروائي. سادت حالة شغف قصوى في مرويات بيشت كلونشون غطّت نوعاً ما الطابع المختصر جداً لأقوال نظّرت كثيراً وفصّلت قليلا. بينما اكتفى جيروم بل بالكلام الساخر عن الوضع الحالي للرقص في الغرب، ملوّناً رسمه للوضع السائد بنقد لاذع كاريكاتوري وجد صداه ضحكاً في جمهور بدا واضحاً ان لديه ما يحتاجه من معرفة بالرقص الغربي، ولذا هو غير منزعج من الطابع السطحي والفقير لمداخلة مريحة ومسلية.
أياً تكن الطريقة التي يختارها المتلقي للتفاعل مع "بيشت كلونشون وأنا"، كعرض راقص ام كمسرحية توثيقية راقصة ام كمجرد محاضرة من مؤديين اختصاصيين، فهو كأنه يتابع عملاً مهنياً لراقصين بما قل ودل. ومن يرغب في الاكثر، فعليه ان يوسّع المحتوى الوثائقي الذي يقدّمه حوار مصممي الرقص. فمن إيجابيات هذا العرض انه يوقظ اهتمام متلقيه بالفضاءين الثقافيين اللذين على رغم غرابة احدهما عن الآخر، يعيشان حالياً مرحلة تفاعل ولو من بعيد. يتأكد من هذا الامر، كل متابع للتحضيرات الاحتفالية الدائرة في بيجينغ الصينية من اجل حفلة افتتاح الاولمبياد التي على الابواب.
.
.
الاربعاء, 23 ابريل, 2008
"رجل اليوم السابق" منصة كمنبر للالقاء
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









