رحيل الشاعر الكبير محمود درويش صوت فلسطين العالي المستقبل - الاحد 10 آب 2008 - العدد 3043 - الصفحة الأولى - صفحة 1 بول شاوول رحل الشاعر الكبير محمود درويش، الذي هزم الموت مرات، ليهزمه أخيراً، وهو في عزّ وقفته العالية، في عز قدومه، وفي عزّ أحزانه. وأحزان فلسطين، تماماً كما هزم المنافي مرات، وكاد يهزمه الوطن، رحل بين شموس الأحلام الفلسطينية المشرقة، وبين انكساراتها. رحل محمود درويش، ويا للأسف، وفلسطين أمامه، ذلك الذي كان صوتها وجسدها وقصيدتها، مِزَقٌ، وحلمه في قلبه مزق، حتى عاد لا يطيق أو يحتمل، فانفجر جميعه وصمت. لم يعد من احتمال لهذه العددية. ولم يعد من احتمال لهذه الميتات المتراكمة حوله: من عدو يبطش ويفترس وطنه السليب، ومن أخوة يتقاسمون بالدم أرضاً كأنها لم تعد لهم. هكذا، كأنما ترك وراءه ما لم يعد قابلاً للتقاسم من حفى امال وأرض وسماء ودم وقتل واستباحة ومجازر. واشنطن - إقرأ في وحدد الاطباء نسبة نجاح العملية بما بين 70 الى 75 في المئة، وفعلا نجحت، لكن ما لبثت أن تلتها مضاعفات خطرة بعد تعرض درويش الى جلطات صغيرة في الرأس، ما اضطر طبيبه الى إمداده بالتنفس الاصطناعي تحاشياً لأي اضطرابات أخرى، قبل ان يدخل درويش في حال موت سريري استمرت 48 ساعة. وقالت آن بريمبري الناطقة باسم مستشفى "ميموريال هرمان تكساس ميديكال سنتر: "توفي درويش في الساعة 13,35 بالتوقيت المحلي (18,35 ت غ)" من دون ان تدلي بتفاصيل اضافية. وكان مسؤول في هذا المستشفى اعلن في وقت سابق ان درويش "في حالة حرجة" اثر عملية جراحية اجريت له في القلب الاربعاء الماضي عانى اثرها من مضاعفات حادة، وسبق ان اجريت لدرويش عمليتين جراحيتين في القلب عامي 1984 و1998. ولد محمود درويش عام 1941 في قرية البروة المدمرة اليوم في الجليل، ونشأ وترعرع هناك واعتقل اكثر من مرة من قبل السلطات الاسرائيلية. ودرويش هو ثاني اكبر اربعة اخوة وثلاث اخوات. كان في السابعة من العمر عندما حصلت النكبة عام 1948 وتشرد الفلسطينيون مع اعلان دولة اسرائيل. احتل الجيش الاسرائيلي قريته البروة فغادرت العائلة الى لبنان لمدة سنة فقط قبل ان تعود سنة 1949 لتجد القرية وقد دمرت على غرار 400 قرية فلسطينية اخرى افرغت من سكانها العرب وبنيت مستوطنات اسرائيلية على انقاضها، فعاش لفترة قصيرة في قرية دير الاسد في الجليل، قبل ان يستقر في قرية الجديدة المجاورة لقريته البروة. تنقل بين قرى الجليل حيث تلقى دروسه الابتدائية والثانوية واستقر في شبابه في مدينة حيفا. ويروي درويش ان جده اختار "العيش فوق تلة تطل على ارضه وظل حتى وفاته يراقب المهاجرين (اليهود) يعيشون في ارضه التي لم يكن قادرا على زيارتها". كانت امه حورية لا تحسن القراءة والكتابة، غير ان جده علمه القراءة، ويقول انه بدأ يكتب الشعر وهو في السابعة. كان الاول في موجة من الشعراء الذين كتبوا من داخل اسرائيل عندما كانت رئيسة الحكومة الاسرائيلية في تلك الفترة غولدا مائير تقول علنا "لا يوجد فلسطينيين". يصف درويش الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين بأنه "صراع بين ذاكرتين" وتتحدى قصائده المعتقد الصهيوني القائل عن فلسطين "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض”. في العام 1972 توجه الى موسكو ومنها الى القاهرة وانتقل بعدها الى لبنان حيث ترأس مركز الابحاث الفلسطينية وشغل منصب رئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية. وقد استقال محمود درويش من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجا على اتفاق اوسلو العام 1993. سمحت له السلطات الاسرائيلية بالدخول الى الاراضي الفلسطينية العام 1996 حيث اقام في رام الله. وكتب درويش مؤخرا مطولته "جدارية"، التي يقول فيها: "هزمتك يا موت, الفنون الجميلة جميعها هزمتك, يا موت الأغاني في بلاد الرافدين, مسلة المصري, مقبرة الفراعنة، النقوش على حجارة معبد.. هزمتك.. وأنت انتصرت". نشر الشاعر محمود درويش اخر قصائده في 17 حزيران يونيو الماضي بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة تحت عنوان "انت منذ الان غيرك" انتقد فيها التقاتل الفلسطيني. حقق ديوانه "اوراق الزيتون" (1964) ثم "عاشق من فلسطين" (1966) نجاحا كبيرا وذاع صيته كشاعر مقاومة وهو في مطلع العشرينات. تحولت قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية" التي يخاطب فيها شرطيا اسرائيليا صرخة تحد جماعية للاحتلال الاسرائيلي. يقول فيها "سجل انا عربي ورقم بطاقتي 50 الفا" ما ادى الى اعتقاله العام 1967. حصل محمود درويش على عدد من الجوائز منها: وضعت صحيفة وتابعت الصحيفة" ملأ الدنيا شعرا ومواقف، وسحر الجماهير بعفويته وصدقه ولغته السهلة الممتنعة وصوره الشعرية البليغة الجذابة والمثيرة للتفكير، كانت القاعات تمتلىء بالحضور كلما اقام امسية كما كانت تمتلىء الردهات والممرات لانه احب الناس فاحبه الناس في زمن كاد يموت الشعر فيه". واختتمت "لقد قاوم محمود درويش المرض واعلن انتصاره على الموت في قصيدته +جدارية+ بعد عملية جراحية سابقة، وهو ان رحل عنا جسدا فانه سيظل الطائر المغرد في دنيانا وعالمنا وفي قلوبنا ومشاعرنا، وفي وطننا وقضيتنا وسيظل اسمه عاليا في قائمة الخالدين". ونشرت صحيفة "الايام" في صفحتها الاولى صورة كبيرة لدرويش مجللة بالسواد مع مقاطع من قصيدة له عن الموت جاء فيها "وكأنني مت قبل الان، اعرف هذه الرؤيا، واعرف انني امضي الى ما لست اعرف ربما، ما زلت حيا في مكان ما، واعرف ما اريد، ساصير يوما ما اريد". ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية الى الشعب الفلسطيني في بيان لها الشاعر درويش وقالت في بيان النعي "بقلوب دامعة نودع الشاعر الكوني محمود درويش المبدع الاستثنائي صاحب النشيد الهوميري على هذه الارض الذي منح بلادنا فضاء الحياة". واضاف النعي "بسيرته ومسيرته استحق محمود درويش وسام الشعرية الفلسطينية باقتدار، واستحق بذلك ان يكون المنشد الاعتى من بين الاصوات الشعرية العربية محققا بذلك انتصارا لقضيتنا العادلة ووجع البلاد العميم في حمل قضيتنا الوطنية الى الكون". وجاء ايضا في النعي "كيف نودع الشاعر الكبير وقد قال كلمته الاخيرة مدركا ان ما ينفع الناس يمكث في الارض، وعلى هذه الارض ما يستحق الحياة، فطوبى للشاعر الذي كابد وعاند (...) وطوبى لكلامه العالي بحجم البلاد وطوبى له وقد كان راسمالنا المعرفي". محمود درويش "في حضرة الغياب" جمانة حداد




غادر فلسطين إلى المنفى، وهي في المنفى. وكثرت منافيه وتكاثرت منافيها. وعندما كاد حُلمٌ بالعودة أن يرتسم، ويحفر، كان لمحمود أن ينفض المنافي كلها عن عينيه، وعن صوته، وعن روحه، يعود إلى حيث لتراب الوطن نكهة القيامة، ولهوائه نَفَسُ الحياة، ولناسه شهادة الانتصار. وهكذا، كان له أن ينتقل من حلم يتجسد ثم يتبدد، إلى حلم يتبدد ثم يلوح. وهذا مصير الاوطان السليبة. وهذا مصير المقاومات الدائمة. ومحمود درويش صوت المقاومة الشعري الأول، وصوت الضمير الوطني الأول، وصوت الحلم الكبير الأول، وصوت الانكسار الأول. لكنه، هذه المرة، عندما عاد، إنما عاد ليبقى. كل المنافي مناف، ومنفى الوطن وطن. ولا يرث الوطن سوى أهله. ولا يرث ترابه سوى أهله. ولا يرث أمله سوى أهله. وهو الوارث في كل الأحوال. من فلسطين المحتلة إلى بيروت، فإلى بلاد أخرى، فإلى أسفار، ليكون سفير فلسطين الحي، سفيرها الشعري، سفيرها المقاوم، سفير ثورتها، سفير شهدائها، سفير شعبها. انه السفير بحجم القضية. السفير بحجم المواجهة. السفير بحجم شاعر كبير، عرف، كيف يرسم فلسطين، بكل وجوهها، وتحولاتها، وآلامها، بقصيدة بدأت صوتاً معلناً، يخترق العقول والقلوب والعالم، بنبرة عمومية، رفيقة، قريبة، شرسة، مباشرة، محسوسة، وكأنما، وهو يكتب، تكتب معه الأمة كلها، والناس كلهم: كان شعر محمود درويش في تلك اللحظات الجمْرية، يُوَقّعه بحبر ناسه وأنفاسهم، وشغفهم وإيمانهم: من الناس إلى الناس. وعندما كان لهذا الصوت العمومي أن يمتد في فلسطين وكل العالم، ويكون الصوت المعلن، عرف محمود درويش، بعدها، كيف يمزج هذا "القدر" الشعري العمومي بذاتية تحترق وتلتهب، وبحميميات، هي إلى خصوصيتها، كمن يمزج هواء الوطن بهواء القلب، وبأنفاس الحبيبة، وبإيقاعات "الغريب"، وبتفاصيل الحياة، واللوز، والليمون.. والموت.
وكان محمود، بذلك، يمزج، بين قوة الإحساس المرتعش بالقريب، وبالقلق الوجودي، وبالحب، وبالتأمل، وبين انفتاح على لغة خصوصية، لغة شعرية تحمل قلقها بقدر ما تحمل قلق الأسئلة، من أسئلة الوطن إلى أسئلة الشعر من اجتراح وطن صعب إلى اجتراح لغة مركبة. تماماً كما فعل الكبار من أهل النضال والقضايا الكبيرة، حين كان للغتهم العالية، وذواتهم الخاصة، الحيز الكبير، والشعرية المتجددة كبابلو نيرودا، ولوركا، والبرتي وناظم حكمت وسواهم. وكأنه يكاد يكون هنا، الاستثناء بين الشعراء العرب، الذين تحسب لكثيرين منهم أعمالهم الأولى ثم يتعبون، وهو، محمود درويش، الذي تعب بشعره النضالي الأول، لتحسب له انجازاته الأخيرة، الممتدة على عقدين، والتي اتسمت بقلق حي بالتجديد وبالخروج من العمومي إلى الخصوصي، ومن الشعر كمجرد سلاح للقضية، إلى الشعر كسلاح للشعر، من دون أن يفترق عن "قدره" النضالي المقاوم. وهكذا تآخت عنده النبرتان، واستوت عنده اللغتان، واحدة تهجس بقلق الناس، وأخرى بقلقه الشعري، لكن على غير انفصال، وعلى غير تنافر، وعلى غير تضاد.
ولهذا، نقول، ان الصديق الأقرب محمود درويش، مات في عزّ مقاومته الشعرية، موتَه في عز مقاومته السياسية، والانسانية، مات في أوجّ تألقه، وتدفقه، وتملكه أدواته، وتحوله، وخروجه على السائد المعمم الى تلك النقاط المستحيلة من القصيدة.
خسرناك يا محمود. وفي "الليلة الظلماء يفتقد البدر". انطفأ البدر، والليلة الظلماء أكثر ظلمة وسواداً.
خسرناك يا محمود، أنت الذي كنت ذاتك في وداعات لا تنتهي، ها أنت تُلوِّح لنا بالمنديل الأخير، من وراء السُّجب والغيوم، والآمال، والموتى. كأنما آن "للفارس ان يترجل"، وأن ليوليس ان يعود الى أرضه. ففي رحيلك عودات. وفي عودتك ألف رحيل. هكذا نبكيك يا محمود، بدمع الأخوة والصداقة والمصير والقدر، نبكيك، وأنت الحصان الذي خلّفت وراءك ما خلّفت من "صهيل" عال، ومن شعر عالٍ، ومن نبل عال!.
هكذا ترحل يا محمود، وكنّا بانتظارك، تماماً، كما ترحل الأوطان، والناس بانتظارها.
أرضك تنتظرك ربما للمرة الأخيرة، لكي لا تغادرها، الى أي منفى. فقد تعبتَ من المنافي، وتعبتْ منك المنافي. فآنَ لك أن تكون حيث لا كان للمنافي، ولا للرحيل، في منفاه الأخير.
كأنك يا محمود اليوم اول الداخلين الى فلسطين، وكأن فلسطين أول الواصلين اليك.
توفي الشاعر الكبير أمس في أحد مستشفيات تكساس في جنوب الولايات المتحدة، اثر عملية جراحية له أجريت في القلب الأربعاء الماضي. وسبق ان أجريت لمحمود درويش عمليتان جراحيتان في القلب عامي 1984، و1998.
ولد محمود درويش عام 1941 في قرية البردة المدمرة اليوم في الجليل، ونشأ وترعرع هناك واعتقل أكثر من مرة من قبل سلطات الاحتلال الصهيونية.
في العام 1972 توجه الى موسكو ومنها الى القاهرة وانتقل بعدها الى لبنان، حيث أقام في بيروت.
ترأس مركز الأبحاث الفلسطينية وشغِل منصب رئيس تحرير مجلة "شؤون فلسطينية". واستقال من اللجنة التنفيدية لمنظمة التحرير الفلسطينية احتجاجاً على اتفاق أوسلو عام 1993.
عاد الى الأراضي الفلسطينية عام 1996 وأقام في رام الله حتى وفاته.

شاعر فلسطين والعرب .. محمود درويش في ذمة الله
لسبت أغسطس 9 2008
- أبى الموت الا ان يثأر من الشاعر الذي كتب «هزمتك يا موت». وكان للموت موعد أخير امس اعلن فيه «انتصاره» على محمود درويش. وقضى الشاعر العربي الكبير الساعات الـ48 الاخيرة من صراعه في حال موت سريري، اثر مضاعفات مفاجئة تلت الجراحة التي أُجريت له في قلبه في مستشفى في مدينة هيوستن في ولاية تكساس الاميركية الاربعاء الماضي.
وقالت مصادر فلسطينية موثوق بها ان الرئاسة الفلسطينية بدأت ترتيبات اعادة جثمان درويش الذي نعاه الرئيس محمود عباس. واضافت ان بين هذه الترتيبات نقل الجثمان في طائرة اماراتية الى عمان، ومن هناك سيصار الى نقله الى رام الله في الضفة الغربية. كما تبذل مساع فلسطينية لدى اسرائيل للسماح بدفنه في قريته البروة في اراضي الـ48، والا فسيوارى الثرى في رام الله. وقالت وزيرة الثقافة الفلسطينية تهاني أبو دقة لـ"رويترز" ان الجنازة ستكون على الارجح الاكبر منذ وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2004. وذكر مسؤول اخر أن السلطات تعتزم اقامة نصب تذكاري عند قبر درويش يخلد أعماله وتمثال له.
وصدرت الصحف الفلسطينية لهذا اليوم مجللة بالسواد وتحت عناوين: "وداعا محمود درويش"، "الشاعر الكبير في ذمة الله"، "فارس الشعر ترجل"، "رحمك الله يا شاعرنا الكبير".
أيضاً:
وكان درويش توجه الى الولايات المتحدة لاجراء فحوص للقلب وفي نيته ان يرفض الخضوع لعملية جراحية، كما أسرّ الى بعض أصدقائه في رام الله التي قصدها قبل أسبوع للحصول على تأشيرة دخول. لكن سرعان ما اجريت له عملية القلب المفتوح لتضييق الشريان الأبهر (الاورطي)، وذلك بعدما اظهرت الفحوص ان حاله الصحية حرجة، وان «الاورطي» يوشك على الانفجار.
جائزة لوتس عام 1969.
جائزة البحر المتوسط عام 1980.
درع الثورة الفلسطينية عام 1981.
لوحة أوروبا للشعر عام 1981.
جائزة ابن سينا في الإتحاد السوفيتي عام 1982.
جائزة لينين في الإتحاد السوفييتي عام 1983.
الصادرة في المدينة المقدسة صورة درويش في اطار اسود كبير على صفحتها الاولى تحت عنوان "محمود درويش الغائب الحاضر". وجاء في مقالها الرئيسي "لم يكن درويش صوتا وطنيا فقط، ولم يكن صورة وتجسيدا للقضية فقط، بل كان العقل والقلب والامل والشوق وحب الحياة وحب الناس والحاضر والغد".
يعود الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش الى وكر النسور في الجليل، لينضمّ الى الأرض التي جعلها أرضاً ليس للبطولة فحسب ولكن خصوصاً لكل شعر حقيقي عظيم. 
محمود درويش في صورة من عام 2007 في بيروت.
قبل ساعات قليلة كان محمود لا يزال في قلب المحنة الخطيرة، يواجه وضعا صحياً بالغ الحرج، ويخضع للتنفس الاصطناعي في أحد مستشفيات هيوستن، تكساس، بعدما أخضع في 6 آب الجاري لعملية جراحية معقدة في القلب تولاها الجراح العراقي حازم صافي، وتضمنت اصلاح ما يقارب 26 سنتيمترا من الشريان الابهر الذي تعرّض أخيراً لتوسع شديد وخطر.
ها قلبكَ، يا محمود، كان، قبل قليل، يرفرف فوق الحافة المهيبة من جديد، وكنا نسأل أن لا تأخذه الحافة الى الأبعد منها.
فقد علّمنا قلبكَ، يا محمود، أنه لم يكن غريباً على أطوار الحافة وأمزجتها. فهي، كالأقدار، كالأرض، كالشعر، كانت ملعبه الأثير. حفظ قلبكَ فخاخها وفجواتها ومطباتها، غيباً، وعن ظهر قلب، كما تُحفَظ القصائد، وكما تُحفَظ الأرض، فلم يخطئ حدودها يوماً، ولم تدوّخه يوماً سكرة هوتها العظيمة. وقد ظل قلبك يتلاعب بالحافة، وتتلاعب به الحافة، الى أن أخذته، أمس، اليها.
قبل قليل، كنا نقول إن القلب إذا كان مثل قلبكَ، لا بدّ يعرفها، هذه الحافة، جيداً. وكنا نقول، ودائماً قبل قليل، إن القلب الذي مثل قلبكَ، يعرف جيداً، أنها الحافة الصعبة، الحرون، الكاسرة، المغوية، والتي ليس من حافات بعدها. وكنا نقول، إن قلبكَ، شأنكَ، شأن شعركَ، وشعبكَ، مرصودٌ لمثل هذه المناطق المحفوفة التي تشبه طعم المستحيل. لكنكَ، كالنسور المحلّقات، كالقصائد المحلّقة، كالفينيق، كنتَ، حتى قبل قليل، إذا نزلتَ في وادٍ، فشأنكَ أن لا تتحطم، أو تحترق، أو تسقط في عدم. وكنا نقول، شأنكَ فقط أن تعرف طريق الرجوع. وكنا نقول، أنتَ لا بدّ راجعٌ الى شعركَ، على طريق الراجعين. وكنا نقول سترجع. لا مفرّ.
كنا نقول إن القلب، قلبكَ، يعرف هذا كلّه. ويعرف قَدَره جيداً. وكان قَدَره يقول له أن يكمل الطريق، لا أن يخون.
لكن القلب الذي اختبرك طويلاً أيها الشاعر الكبير، عاد لا يستطيع أن يظل يختبر. كنتَ، أيها الشاعر، حتى قبل القليل القليل من الوقت، لا تبخل على القلب بالاختبار. كنتَ تداويه بما يليق بكَ وبه، ليعود اليكَ والى شعركَ وشعبك. وكنتَ تنده هذا القلب، بأسراره بألغازه بكلماته، فيعرف حدوده معك، ويصعد دائماً من هاوية الى حيث تقيم النسور. وقبل قليل كنا نسألك أن تنادي قلبكَ هذا على الفور. وقبل قليل كنا نلحّ عليكَ أن تناديه الآن، وأن لا ترجئ الى غد. وأن تزجره، وأن تزلزله، وأن تهزّه من تعب، وأن تبلسمه بشعرك، ليعرف القلب حينئذ ماذا ينبغي له أن يفعل. وكنا نقول: هو لا بدّ فاعلٌ. وكنا نقول: سيفعل.
لبنان منذ ساعات قليلة كان كلّه يناديكَ، يا محمود، لا أنا وحدي. شعراؤه، كتّابه، أهله، كانوا يسألونكَ أن تخاطب القلب الجريح باللغة التي يفهمها هذا القلب الجريح. وكنا نقول حتى قبل قليل، إن الوقت هو الآن وقت اللغة، أيها الشاعر، لا وقت الأطباء فقط. وكنا نسألك أن تنادي قلبكَ باللهجة التي لا يتقنها سوى الشعر. ومَن مثلكَ، كان يعرف ما به هذا القلب. وكيف يعود ليخفق في صدركَ، في شعركَ، مثلما يخفق ضمير الأرض في شعب فلسطين.
شعراء لبنان، كتّابه، وأهله، كانوا حتى قبل القليل القليل من الوقت، يسألون قلبكَ الشفاء، وكنا نسألك أن ترسل الى قلبكَ نداءنا اليه، مشفوعاً بالرجاء، بل بالحب الكبير.
لكننا، مثلك الآن، نفهم ماذا يعني أن يخرج القلب على الحافة ولا يعود يعرف الطريق اليك.
لا بدّ أن القلب طار، كما العصافير، كما النسور، لينضمّ الى وكر النسور في أرض الجليل.
عودة الى الصفحة الرئيسية
.
.
الاحد, 10 اغسطس, 2008
محمود درويش ..وداعا
وقد سبق ان اجريت وهي التي كتب على أثرها "جداريته" الشهيرة. لكن القلب الذي ظل وفياً للشاعر، على رغم عطبه الجليل، حاملاً معه أعباء الشعر والأرض والتاريخ، لم يستطع أن يكمل المسيرة، فدخل في عطب الغيبوبة العظيمة، تاركاً الشاعر وحيداً "في حضرة الغياب".
●●●
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









